قديم 29-05-2010, 11:01 AM   #1
القس عادل منصور

خادم الرب

 
الصورة الرمزية القس عادل منصور
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 876
القس عادل منصور is on a distinguished road
تفسير كامل لسفر دانيال- بقلم الدكتور القس لبيب ميخائيل

الجزء الاول -

الفصل الأول

دانيال كاتب السفر

تحتم علينا دراسة أي سفر من أسفار الكتاب المقدس أن نتعرف على شخصية كاتبه والخلفية التاريخية التي أحاطت بكتابته. ومع أننا نذكر جيداً كلمات بولس الرسول القائلة "كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر. لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح" (2تيموثاوس 3: 16- 17)وكلمات بطرس الرسول القائلة "لأنه لم تأتي نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بطرس1: 21) إلا أننا نعرف أن الأداة البشرية التي ساقها الروح القدس لكتابة كلمات النبوة لها مكانتها.
وعلى هذا فلا بد لنا أن نتعرف على شخصية دانيال النبي، وأن نعرف شيئاً عن الخلفية التاريخية لسفره.
الخلفية التاريخية لسفر دانيال
وسنبدأ أولاً بالحديث عن الخلفية التاريخية لسفر دانيال، ونجد هذه الخلفية في سفر أخبار الأيام الثانية في الكلمات "كان يهو ياقيم ابن خمس وعشرون سنة حين ملك إحدى عشر سنة في أورشليم وعمل الشر في عيني الرب إلهه. عليه صعد نبوخذ نصر ملك بابل وقيده بسلاسل نحاس ليذهب به إلى بابل. وأتى نبوخذ نصر ببعض آنية بيت الرب إلى بابل وجعلها في هيكله في بابل" (2 أخبار 36: 5- 7) وهذه الكلمات تتفق تماماً مع بداية الإصحاح الأول في سفر دانيال.
"في السنة الثالثة من ملك يهو ياقيم ملك يهوذا ذهب نبوخذ نصر ملك بابل إلى أورشليم وحاصرها. وسلم الرب بيده يهو ياقيم ملك يهوذا مع بعض آنية بيت الله فجاء بها إلى أرض شنعار إلى بيت إلهه وأدخل الآنية إلى خزانة بيت إلهه" (دانيال 1: 1- 2)، [اقرأ أيضاً 2 ملوك 23: 36- 37].
وقد استخدم دانيال الأسلوب البابلي في حساب التاريخ فقال "في السنة الثالثة من ملك يهو ياقيم" وقد كان البابليون يحسبون السنة الأولى لحكم الملك بعد سنة توليه العرش، بينما استخدم ارميا الأسلوب العبري فقال "في السنة الرابعة ليهو ياقيم" (ارميا46: 2) وكان العبرانيون يحسبون سنوات حكم الملك من أول يوم يرتقي فيه العرش، وهكذا ينتفى وجود أي تناقص في كلمة الله. في السنة الثالثة لملك يهو ياقيم بالحساب البابلي حاصر نبوخذ نصر أورشليم، وصار يهو ياقيم عبداً لنبوخذ نصر الذي تركه على العرش بوعد الولاء له (2ملوك 24: 1)وقد استمر يهو ياقيم خاضعاً لنبوخذ نصر ثلاث سنين ثم عاد فتمرد عليه، الأمر الذي دفع نبوخذ نصر إلى استخدام غزاة الشعوب الخاضعة له لغزو يهوذا، وخلال هذا الغزو قبض على ياقيم وقيده بسلاسل نحاس ليذهب به إلى بابل، ويبدو أن يهو ياقيم استمر مقيداً حتى انتهى حكمه بموته في أورشليم (2ملوك 24: 6).
خلال هذا الغزو البابلي الأول أُخذ دانيال إلى بابل، وكان هذا حوالي سنة 605 قبل الميلاد في السنة الثالثة لنلك يهو ياقيم ملك يهوذا.
في ذلك الوقت لم يؤخذ إلى بابل إلا عدداً قليلاً، وكان الذين أُخذوا في غالبيتهم من الشبان من نسل الملك ومن الشرفاء كما نقرأ في الكلمات "وأمر الملك أشفنز رئيس خصيانه بأن يحضر من بني إسرائيل ومن نسل الملك الشرفاء فتيان لا عيب فيهم حسان المنظر حاذقين في كل حكمة وعارفين معرفة وذوي فهو بالعلم والذين فيهم قوة على الوقوف في قصر الملك" (دانيال 1: 3- 4).
من هؤلاء الشبان كان دانيال كاتب هذا السفر.
وتعال معي الآن لنتعرف على هذه الشخصية العظيمة.
دانيال من نسل الملك حزقيا
كان دانيال كما كتبه السفر من نسل الملك، ويغلب أنه كان من نسل حزقيا الملك، وقد بنينا هذا الاعتقاد على ما جاء في سفر أشعياء، وهناك نقرأ أن مرودخ بلادان بن بلادان ملك بابل أرسل رسائل وهدية إلى حزقيا الملك لأنه سمع أنه مرض وصح، وقد فرح حزقيا ملك بابل وأراهم كل ما وجد بيته وخزائنه، وحينئذ جاء أشعياء النبي إلى الملك حزقيا وقال له: من أين جاء هؤلاء الرجال ؟ فقال حزقيا: جاؤا من بابل. وسأل أشعياء حزقيا: ماذا رأوا في بيتك؟ فقال حزقيا رأوا كل ما في بيتي. ليس في خزائني شيء لم أرهم إياه.
"فقال أشعياء لحزقيا اسمع قول رب الجنود. هوذا تأتي أيام يحمل فيها كل ما في بيتك وما خزنه آباؤك إلى هذا اليوم إلى بابل. لا يترك شيء يقول الرب. ومن بنيك الذين يخرجون منك الذي تلدهم يأخذون فيكونون خصياناً في قصر ملك بابل" (أشعياء 29: 5- 7).
من هذا يبدو واضحاً أن دانيال في الغالب كان من نسل الملك حزقيا.
دانيال شاب غض حسن المنظر وحكيم
من النص الوارد في الإصحاح الأول من سفر دانيال يمكننا القول بأن دانيال كان فتى لا عيب فيه، وقد اتفق علماء الكتاب المقدس على أن عمره حين أخذ إلى بابل لم يزد عن سن الخامسة عشرة، كان دانيال من الناحية الجسمية حسن المنظر، وكان من الناحية العقلية حاذقاً قي كل حكمة، وعارفاً معرفة، وذا فهم بالعلم. وبغير شك أنه كان إلى جانب هذا كله قوي الشخصية قادراً على الوقوف في قصر الملك نبوخذ نصر أعظم ملوك بابل على الإطلاق، بل يمكننا القول بأنه أعظم ملك ظهر على مسرح التاريخ العالمي. ومع دانيال نجد أصحابه حننيا وميشائيل وعزريا. (دانيال1: 3- 7).
دانيال في فترة التعليم والتدريب
كان غرض الملك نصر من إحضار هؤلاء الشبان الممتازين إلى بابل أن يستخدمهم في خدمة البلاط الملكي. وكان لابد لهؤلاء الشبان أن يمروا في فترة تدريب وتعليم لمدة ثلاث سنين، وكان الهدف أن يتعلموا كتابة الكلدانيين ولغتهم ليؤهلوا لخدمة صاحب الجلالة.
ويبدو أن رئيس الخصيان أراد أن يجعل من دانيال وأصحابه شباناً يخلصون كل الإخلاص للبلاط البابلي وينسون تماماً أصلهم العبراني "فجعل لهم رئيس الخصيان أسماء فسمى دانيال بلطشاصر وحننيا شدرخ وميشائيل ميشخ وعزريا عبدنغو" (دانيال 1: 7). وهكذا غيَّر رئيس الخصيان أسماءهم العبرية وأعطاهم أسماء وثنية.
فسمى "دانيال"، ومعنى اسمه "الله قاضي" "بلطشاصر" ومعناه "أمير بيل أو ليحفظ الإله بيل حياته"
وسمى "حننيا" ومعنى اسمه العبري "المعطى من الله" "شدرخ" ومعناه "المستنير بإله الشمس".
وسمى "ميشائيل" ومعنى اسمه العبري "من مثل الله؟" باسم "ميشخ" ومعناه "من مثل فينوس؟".
وسمى "عزريا" ومعنى اسمه العبري "من يعنيه الله؟" "عبدنغو" ومعناه "خادم الإله نغونبو كاتب الآلهة".
ولقد كان القصد من إعطائهم هذه الأسماء الجديدة، هو إذابة شخصيات هؤلاء الفتيان في المجتمع البابلي الوثني، وغسل أدمغتهم من كل آثار إيمانهم بالإله الحقيقي الحي. لكن رئيس الخصيان فشل تماماً في الوصول لإلى غرضه فمع أنه غير أسمائهم إلا أنه لم يستطيع أن يغير شخصياتهم، أو إيمانهم بإلههم الحي، أو ثقتهم التامة في صدق كلمته.. إن الإيمان الحقيقي لا يذوب مهما كانت شدة النار تحت بوتقة الإذابة.
دانيال وأزمة الطهارة الشخصية
عندما جاء دانيال وأصحابه للتدريب والتعليم في قصر الملك البابلي "عين لهم الملك وظيفة كل يوم بيومه من أطايب الملك ومن خمر مشروبه لتربيتهم ثلاث سنين وعند نهايتها يقفون أمام الملك" (دانيال 1: 5).
كانت هذه أولى الأزمات التي مرت بدانيال وأصحابه، ويمكن أن نسميها "أزمة امتحان الطهارة الشخصية" أو "أزمة ضغوط البيئة الاجتماعية، أ, المدرسية، أو الجامعية".
ها نحن نرى دانيال الفتى الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره، صاحب الشخصية القوية، وقد أصبح مهاجراً رغم أنفه، أخذ بالقوة العسكرية من أورشليم حيث الترنيم، والتسبيح، وعبادة الإله الحقيقي الحي، إلى بابل بلد النجاسات والأصنام والسحر. وها هو يرى نفسه في القصر الملكي البابلي يعيش تحت سلطة ملك أوتوقراطى "أيا شاء قتل وأيا شاء استحيا وأيا شاء رفع وأيا شاء وضع" (دانيال 5: 19) ويرى أن هذا الملك قد عين له ولأصحابه الطعام الذي يأكله من أطايب الملك وخمر مشروبه.
ويرى دانيال في هذا الطعام الملكي الشهي نجاسةً وشراً، ذلك لأن هذا الطعام الملكي كان يقدم أولا للآلهة الوثنية، آلهة بابل، وكان الأكل منه يعني الولاء لهذه الآلهة، وهو أمر يتناقض تماماً مع تعليم كلمة الله التي آمن بها دانيال.
"أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" (خروج 20: 2- 3). لقد أدرك دانيال الحقيقة التي سجلها بعده بأجيال طويلة بولس الرسول في كلماته "لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس الشياطين. لا تقدرون أن تشتركون في مائدة الرب وفي مائدة الشياطين" (1كورنثوس 10: 21).
فكيف يتصرف دانيال في هذه الأزمة؟ كيف يقدر أن يجتاز الامتحان العسير؟
"أما دانيال فجعل في قلبه أنه لا يتنجس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه" (دانيال 1: 8).
إن الحياة الداخلية هي قوة الحياة العملية الخارجية، فإذا لم يعزم القلب لا يمكن أن نمارس المبدأ في الحياة الواقعية. ودانيال عرف أن أطايب الملك وخمر مشروبه نجاسة، وقرر في قلبه أن لا يتنجس بهذه الأطايب وهذه الخمر.
دانيال مع الأقلية الأمينة
كان من أسباب قوة دانيال، ارتباطه بمجموعة صغيرة من الشبان الأمناء وهم شدرخ وميشخ وعبدنغو. ويقيناً أن الله قد أبقى لنفسه بقية أمينة في كل وسط شرير، كما قال لإيليا النبي "وقد أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التي لم تجث للبعل وكل فم لم يقبله" (1 ملوك19: 18) وأنا أنصح كل مؤمن يريد أن يعيش الحياة الطاهرة وسط العالم الشرير أن يبحث عن هذه الأقلية الأمينة ويرتبط بها، وبهذا لا يحس بأنه وحده في مجتمع شرير.
*كان السر الأول وراء نصرة دانيال هو عزم القلب، وعزم القلب على الحياة الطاهرة يعطي للشباب الشجاعة الأدبية والروحية لمواجهة النجاسات المنتشرة في عالم اليوم.
وهكذا تقدم دانيال "وطلب من رئيس الخصيان أن لا يتنجس" (دانيال1: 8).
*وكان السر الثاني وراء نصرته هو ارتباطه بمجموعة من الشبان الأمناء مثله.
*وكان السر الثالث والفعال هو إيمانه الكامل في قدرة الله، فالإيمان هو العامل الفعال وراء كل نصرة في الحياة.
وتقدم دانيال إلى رئيس السقاة بتواضع شديد "فقال دانيال لرئيس السقاة الذي ولاه رئيس الخصيان على دانيال وحننيا وميشائيل وعزريا. جرب عبيدك عشرة أيام فليعطونا القطانى لنأكل وماء لنشرب. ولينظروا إلى مناظرنا أمامك وإلى مناظر الفتيان الذين يأكلون من أطايب الملك ثم أصنع بعبيدك كما ترى" (دانيال 1: 11- 13).
وبهذه الروح المتواضعة " سمع لهم هذا الكلام وجربهم عشرة أيام" (دانيال 1: 14). لكن وراء هذا القبول نجد عمل الله في قلب رئيس الخصيان "وأعطى الله دانيال نعمة ورحمة عند رئيس الخصيان" (دانيال 1: 9)وبغير هذه النعمة وهذه الرحمة ما كان ممكناً أن يسمع رئيس السقاة لاقتراح دانيال وأصحابه ويعرض نفسه لحكم الموت. إن الله يسيطر بقوته ليس فقط على قلوب الرؤساء من الدرجة الثانية بل على قلوب الملوك "قلب الملك في يد الرب كجداول مياه حيثما شاء يميله" (أمثال 21: 1).
عندما قُدِّم يسوع للمحاكمة أمام بيلاطس الوالي الروماني قال له بيلاطس "ألست تعلم أن لي سلطاناً أن أصلبك وسلطاناً أن أطلق:" (يوحنا 19: 10) "أجاب يسوع لم يكن لك على سلطان البتة لو لم تكن قد أعطيت من فوق" (يوحنا 19: 11).
فليت هذا الفكر يمتلكنا كمؤمنين لنعرف أن إلهنا هو سيد الأرض كلها.
أكل الشبان الأربعة القطانى، ويراد بالقطانى عند علماء العرب جميع الحبوب التي تطبخ كالعدس والفول واللوبيا والحمص، واستخدم الله بقدرته هذه الحبوب البسيطة بقوة سرت في أجسادهم وجعلت مناظر هؤلاء الشبان الذين قرروا الاحتفاظ بطهارتهم أفضل من مناظر الشبان الآكلين من أطايب الملك والشاربين من خمره.
"وعند نهاية العشرة أيام ظهرت مناظرهم أحسن وأسمن لحماً من كل الفتيان الآكلين من أطايب الملك. فكان رئيس السقاة يرفع أطايبهم وخمر ومشروبهم ويعطيهم قطانى" (دانيال1: 15- 16) وهكذا أرانا الله أن لقمة يابسة نأكلها ونحن في سلام معه خير من ذبائح كثيرة نأكلها في خصام "لقمة يابسة ومعها سلامة خير من بيت ملآن ذبائح مع خصام" (أمثال 17: 1).
دانيال الفهيم بالرؤى والأحلام
كان دانيال مع طلعته البهية، وطهارته العملية فهيماً بالرؤى والأحلام، وكان هذا الفهم عطية من الله "أما هؤلاء الفتيان الأربعة فأعطاهم الله معرفة وعقلاً في كل كتابة وحكمة وكان دانيال فهيماً بكل الرؤى والأحلام" (دانيال 1: 17).
وقد نجح دانيال وأصحابه في الامتحان الذي أجراه لهم الملك نبوخذ نصر، واحتلوا مكانهم الرفيع بين حكماء بابل "وعند نهاية الأيام التي قال الملك أن يدخلوها بعدها أتى بهم رئيس الخصيان إلى أمام نبوخذ نصر. وكلمهم الملك فلم يوجد بينهم كلهم مثل دانيال وحننيا وميشائيل وعزريا. فوقفوا أمام الملك. وفي كل أمر حكمة فهم الذي سألهم عنه الملك وجدهم عشرة أضعاف فوق كل المجوس والسحرة الذين في مملكته" (دانيال 1: 18- 20).
دانيال الشاب المصلي
تميز دانيال في كل حياته بأنه كان رجل الصلاة، فعندما أعطاه الملك وقتاً ليخبره بحلمه وتعبيره نقرأ عنه الكلمات:
"حينئذ مضى دانيال إلى بيته وأعلم حننيا وميشائيل وعزريا أصحابه بالأمر. ليطلبوا المراحم من قبل إله السماوات من جهة هذا السر لكي لا يهلك دانيال وأصحابه مع سائر حكماء بابل" (دانيال 2: 17)
لقد عرف دانيال أن الطريق السلطاني للخروج من الأزمات هو "الصلاة". وهذا هو الطريق الذي سارت فيه حنة فأخذت بالصلاة سؤال قلبها وأعطاها الله صموئيل "1 صموئيل 1: 9- 20). واختبر داود قوة الصلاة وانتصر على العمالقة. (1 صموئيل 30).
ولقد لجأ دانيال إلى الصلاة الجماعية لمعرفة السر الذي طلبه الملك، تماماً كما لجأت الكنيسة الأولى إلى الصلاة الجماعية أو بتعبير أدق إلى الصلاة المتحدة فأنقذ الله بطرس من يد الملك هيرودس. (أعمال 12: 1- 17).
وصلاة المؤمنين المتحدين في قلوبهم وغرضهم تقدر كثيراً في فعلهم. ألم يقل لنا ربنا المبارك "وأقول لكم أيضاً إن اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه فإنه يكون لهم من قبل أبي الذي في السماوات" (متى 18: 19) لقد كان سر قوة المؤمنين الأول أنهم "رفعوا بنفس واحدة صوتاً إلى الله" (أعمال 4: 24) وفي الإصحاح التاسع من سفر دانيال نقرأ صلاة دانيال الطويلة التي سنتحدث عنها بالتفصيل في مكانها.
دانيال الذي لم يحب حياته حتى الموت
يصف بولس الرسول الأشرار فيقول عنهم "اتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذي هو مبارك إلى الأبد آمين" (رومية 1: 25).
أما دانيال فكان أميناً لإلهه، ولم يعط ولاءه التام لأحد غيره. فلما أصدر الملك داريوس أمره الملكي "بأن كل من يطلب طلبة حتى ثلاثين يوماً من إله أو إنسان إلا منه.. يطرح في جب الأسود" (دانيال 6: 7).
يسجل الوحي المقدس الكلمات "فلما علم دانيال بإمضاء الكتابة ذهب إلى بيته وكواه مفتوحة في عليته نحو أورشليم فجثا على ركبتيه ثلاث مرات في اليوم وصلى وحمد قدام إلهه كما كان يفعل قبل ذلك" (دانيال 6: 10).
كانت الصلاة عادة يومية في حياة دانيال. والذي اعتاد أن يلجأ إلى الله في وقت صفاء السماء سيجده قريباً منه عندما تتجمع السحب الداكنة.
لم يجد دانيال سبباً لتغيير عادته في الصلاة والحمد قدام إلهه رغم صدور أمر الملك، ذلك لأنه آمن بالمبدأ الكتابي الجليل "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس" (أعمال 5: 29).
إن على المؤمن أن يطيع السلطات الحاكمة في كل القوانين المدنية، إلا تلك التي تتعارض مع تعاليم الله. فطاعة الله فوق طاعة الملك.
لكن دانيال لم يصل إلى هذه الدرجة من الأمانة في الولاء لإلهه إلا لأنه لم يحب حياته حتى الموت.
يصف يوحنا الرسول الغالبين بكلماته " وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت" (رؤيا 12: 11).
ويقيناً أن دانيال كان من الغالبين. وبسبب أمانته لإلهه طرح في جب الأسود.
دانيال رجل الكتاب المقدس
الصلاة ودراسة الكتاب المقدس بدقة وجدية عنصران هامان في بناء الشخصية المسيحية القوية التي تقاوم تيارات العالم الشرير، وتثبت أمام ضغوط الحياة والأزمات. ولقد كان دانيال رجل الكتاب المقدس تماماً كما كان رجل الصلاة. ولم تكن دراسة دانيال للأسفار المقدسة دراسة عابرة، بل دراسة واعية فاهمة، وكان اهتمام دانيال بالنبوات التي أهمل دراستها الكثيرون اهتماماً كبيراً.
وتعال معي لنرى مدى اهتمام دانيال بنبوات الكتاب المقدس.
"في السنة الأولى لداريوس بن أحشويرش أنا دانيال فهمت من الكتب عدد السنين التي كانت عنها كلمة الرب إلى ارميا النبي لكمالة سبعين سنة على خراب أورشليم" (دانيال 9: 1- 2).
لقد درس دانيال كلمة النبوة بفهم وعرف متى كملت السبعين سنة التي تنبأ عنها ارميا، ووجه قلبه إلى الله.
ويقيناً أن المؤمنين الغالبين لهم ذات الاهتمام بكلمة النبوة، إن النبوات تشغل أكثر من 60% من الكتاب المقدس وإهمال دراسة النبوات يعني إهمالنا لأكثر من 60% من محتويات الكتاب الكريم، وهذا عار عظيم.
لقد كتب بولس للقديسين في رومية قائلاً "هذا وإنكم عارفون الوقت" (رومية 13: 11). وكتب للقديسين في تسالونيكى يقول "وأما الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أيها الأخوة أن أكتب إليكم عنها لأنكم أنتم تعلمون بالتحقيق أن يوم الرب كلص في الليل هكذا يجيء. لأنه حينما يقولون سلام وأمان حينئذ يفاجئهم هلال بغتةً كالمخاض للحبلى فلا ينجون. وأما أنتم أيها الأخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كلص" (1 تسالونيكى 5: 1- 4).
فليتك تتبع مثال دانيال، ومثال القديسين الأوليين فتهتم بدراسة النبوات.
دانيال الصديق الوفي
تجرد دانيال عن الأنانية والمصلحة الشخصية في صداقته، وقد ارتبط قلبياً بأصحابه حننيا وميشائيل وعزريا. ولجأ إليهم ليصلوا معه. ولما كشف له الله حلم نبوخذ نصر الملك وتعبيره "حينئذ عظم الملك دانيال وأعطاه عطايا كثيرة وسلطة على كل ولاية بابل وجعله رئيس الشحن على جميع حكماء بابل" (دانيال 2: 48).
وهنا يظهر إخلاص دانيال لأصحابه، ووفائه الكامل لهؤلاء الأصحاب "فطلب دانيال من الملك فولى شدرخ وميشخ وعبدنغو على أعمال ولاية بابل" (دانيال 2: 49).
ويا لها من صورة رائعة للصداقة الوفية (أمثال 18: 24).
وليتنا نكون أصدقاء أوفياء من هذا الطراز.
دانيال الأمين في خدمته المدنية
كان من بين الصفات التي امتاز بها دانيال الأمانة التامة في خدمته المدنية في القصر الملكي. فرغم أنه أخذ بالرغم منه من بلده، لكنه عاش أميناً في خدمته لكل الملوك الذين ملكوا خلال مدة حياته، وكانت أمانته من الوضوح حتى شهد بها أعداؤه، والفضل ما شهدت به الأعداء.
"ثم إن الوزراء والمرازبة كانوا يطلبون علة يجدونها على دانيال من جهة المملكة فلم يقدروا أن يجدوا علة ولا ذنباً لأنه كان أميناً ولم يجد فيه خطأ ولا ذنب" (دانيال 6: 4).
وبسبب علمه وحكمته وأمانته شغل دانيال أعظم المراكز في الإمبراطورية البابلية. ففي خلال حكم نبوخذ نصر "عظّم الملك دانيال وأعطاه عطايا كثيرة وسلطه على كل ولاية بابل وجعله رئيس الشحن على جميع حكماء بابل" (دانيال 2: 48).
وفي خلال حكم بيلشاصر أصبح دانيال الشخص الثالث في المملكة "حينئذ أمر بيلشاصر أن يلبسوا دانيال الأرجوان وقلادة من الذهب في عنقه وينادوا عليه أنع يكون متسلطاً ثالثاً في المملكة" (دانيال 5: 29).
وفي خلال حكم داريوس المادى كان دانيال أحد الثلاثة الوزراء الكبار المسؤلين عن مالية الدولة "حسن عند داريوس أن يولي على المملكة مئة وعشرين مرزباناً [المرزبان كان بمقام أعلى من الوالي] (دانيال 3:3) يكونون على المملكة كلها. وعلى هؤلاء ثلاثة وزراء أحدهم دانيال لتؤدى المرازبة إليهم الحساب فلا تصيب الملك خسارة. ففاق دانيال هذا على الوزراء والمرازبة لأن فيه روحاً فاضلة وفكر الملك بأن يوليه على المملكة كلها" (دانيال 6: 1- 3).
دانيال الرجل المحبوب
اثنان في العهد القديم أعطاهم الله ألقاباً عظمى، الأول إبراهيم الذي قال عنه "إبراهيم خليلي" (اشعيا 41: 8) والثاني دانيال الذي أسماه الله "الرجل المحبوب" (دانيال 10: 11).
لقد عاش دانيال قريباً جداً من قلب الرب الذي أحبه، وتذكر حياته البارة في سفر حزقيال، إذ يضعه الرب في صف نوح وأيوب فيقول "إن أخطأت إلى أرض وخانت خيانة فمددت يدي عليها.. وأرسلت عليها الجوع وقطعت منها الإنسان والحيوان. وكان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة نوح ودانيال وأيوب فإنهم إنما يخلصون أنفسهم ببرهم يقول السيد الرب" (حزقيال 14: 13- 14- 20).
هذا هو دانيال النبي كاتب هذا السفر النبوي الجليل، الذي شهد حزقيال عن بره، وشهد الرب يسوع عن صدق نبوته.. ليتنا نتمثل بإيمانه، وطهارة حياته، ووفائه لأصدقائه، ودراسته الدقيقة للكتاب المقدس ونبواته، وأمانته في خدمته المدنية.. وأن نكون مهتمين بحياة الصلاة مثلما إهتم بها دانيال، وأن نفهم نبوات الكلمة المقدسة كما فهم.
" اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله. انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم" (عبرانيين 13: 7).

الفصل الثاني
التمثال العظيم

غطى حديثنا في الفصل الأول محتويات الإصحاح الأول من سفر دانيال.
وها نحن قد وصلنا إلى الإصحاح الثاني، وهو في اعتقادي من أعظم إصحاحات الكتاب المقدس أن جاز هذا التعبير، ذلك لأن الله سجل في هذا الإصحاح النبوة الخاصة بكل تاريخ أزمنة الأمم ويدهشنا هذا الإيجاز وفي ذات الوقت هذه الدقة المتناهية. ومن ذا يستطيع أن يوجز تاريخ أربع إمبراطوريات في سطور قليلة سوى الله؟ هذا هو الإعجاز الذي ما بعده إعجاز.
تركيب سفر دانيال
وقبل أن نبدأ تفسير هذا الإصحاح نرى لزاماً علينا أن نقول كلمة عن تركيب سفر دانيال، وقد رأى بعض المفسرين تقسيم السفر بحسب اللغات الأصلية التي كتب بها، ومن الطبيعي أن هذا لا ينطبق على الترجمة العربية. فمن بداية السفر حتى الإصحاح2: 3 كتب هذا القسم باللغة العبرية، ومن الإصحاح2: 4 إلى الإصحاح7: 28 كتب هذا القسم باللغة الآرامية وهي لغة قريبة من اللغة العبرية عم استخدامها في بابل في أيام دانيال (دانيال2: 4). ومن الإصحاح8: 1 إلى نهاية السفر كتب هذا القسم باللغة العبرية.
وينقسم سفر دانيال إلى قسمين رئيسيين
القسم التاريخي (الإصحاحات 1- 6)
القسم النبوي (الإصحاحات 7- 12)
أما القسم التاريخي فقد جاء في الإصحاحات الستة الأولى التي نضع لها العناوين التالية:
الشبان الأطهار إصحاح 1
كاشف الأسرار إصحاح 2
النجاة من النار إصحاح 3
إذلال الجبار إصحاح 4
عاقبة الاستهتار إصحاح 5
مؤامرة الأشرار إصحاح 6
أما القسم النبوي لإصحاحاته العناوين التالية
1- القرن الصغير إصحاح 7
2- الملك الشرير إصحاح 8
3- صلاة البار إصحاح 9
4- رؤيا القدير إصحاح 10
5- وحش من البحر إصحاح 11
6- اختم السفر إصحاح 12
والآن إلى تفسير محتويات هذا الإصحاح العظيم.
"في السنة الثانية من ملك نبوخذ نصر أحلاماً فانزعجت روحه وطار عنه النوم" (دانيال 2: 1)
هنا نجد إمبراطوراً دانت له الدنيا، حباه الله السلطة المطلقة على مملكته، والثروة الطائلة التي يحقق بها آماله، ولكننا نراه محروماً من سلام العقل "فانزعجت روحه وطار عنه النوم".
كيف يمكن أن ينزعج الملك نبوخذ نصر الذي قال عنه دانيال لبيلشاصر ابنه "... الله العلي أعطى أباك نبوخذ نصر ملكوتاً وعظمة وجلالاً وبهاء. وللعظمة التي أعطاه إياها كانت ترتعد وتفزع قدامه جميع الشعوب والأمم والألسنة. فأيا شاء قتل وأيا شاء استحيا وأيا شاء رفع وأيا شاء وضع" (دانيال 5: 18- 19).
كيف يمكن لهذا الملك الأوتوقراطي أن يصاب بالأرق ويحرم لذة النوم العميق؟ الجواب: إن الغنى، والجلال الملكي، والسلطة المطلقة للإنسان سلام العقل ولا تهبه سلام القلب.
الرؤى والأحلام
حلم نبوخذ نصر حلماً .. ولا بد لنا هنا أن نقول كلمة عن الأحلام والرؤى. الحلم هو رؤيا يراها الإنسان وهو نائم، أما الرؤيا فهي مناظر يراها الإنسان وهو مستيقظ. وقد ذكر بطرس الرسول في عظيه يوم الخمسين الرؤى والأحلام في آية واحدة فقال "... يقول الله ويكون في الأيام الأخيرة أنا أسكب من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماً" (أعمال2: 17). وذكر بلعام أن الرؤى يراها الإنسان وهو مفتوح العينين فقال "وحي الرجل المفتوح العينين. وحي الذي يسمع أقوال الله. الذي يرى رؤيا القدير مطروحاً وهو مكشوف العينين" (عدد 24: 3- 4).
ويجدر بنا أن نذكر أن الأحلام ليست كلها من الله، بل هناك أحلام نحلمها من العقل الباطن تعكس متاعبنا، أو توقعاتنا. وهناك أحلام هي صدى لحياتنا بالنهار، وهناك أحلام تأتي بدافع مطالب الجسد يقول عنها أشعيا النبي "ويكون كما يحلم الجائع أنه يأكل ثم يستيقظ وإذا نفسه فارغة. وكما يحلم العطشان أنه يشرب ثم يستيقظ وإذا هو رازح ونفسه مشتهية. هكذا يكون جمهور كل الأمم المتجندين على جبل صهيون" (أشعياء 29: 8).
لكننا في هذا الإصحاح نتعامل مع حلم من الله، حلم أعطاه الله لنبوخذ نصر الملك ليقدم له جواباً عن تساؤلاته بخصوص مستقبل إمبراطوريته، إذ يبدو من كلمات الإصحاح أن نبوخذ نصر كان مشغولاً تماماً بمستقبل إمبراطوريته، وهذا ما قاله له دانيال " أنت أيها الملك أفكارك على فراشك صعدت إلى ما يكون من بعد وكاشف الأسرار يعرفك بما يكون" (دانيال 2: 29).
كذلك استخدم الله الحلم الذي أعطاه لنبوخذ نصر ليريه ليس فقط مستقبل ممتلكته، بل مستقبل حلم الأمم على هذه الأرض حتى يأتي المسيح. وقد قصد الله بهذا أن يعيش نبوخذ نصر متواضعاً تحت يد الله القوية كما نقرأ في سفر أيوب "لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الإنسان. في حلم في رؤيا الليل عند سقوط سبات على الناس في النعاس على المضجع ليحول الإنسان عن عمله ويكتم الكبرياء عن الرجل"(أيوب 33: 14- 17).
وقد سبق أن استخدم الله الأحلام مع ملك وثني آخر هو فرعون ملك مصر، حين أراه حلم البقرات السبع، وحلم السنابل السبع (تكوين 41: 17- 32).
ويجدر بنا أن نلاحظ أن الله قد أعطى الأحلام لملكين وثنيين، لكنه أعطى تعبير الأحلام دائماً لشخص عبراني فالعبرانيون "استؤمنوا على أقوال الله" (رومية 3: 2) " ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد آمين" (رومية 9: 4-5).
وفي كل مرة كان تعبير الحلم سبباً في إعطاء الشخص العبراني أعظم المراكز.
وعلينا كذلك أن نذكر أن الله لم يترك نفسه بلا شاهد في العالم القديم، فهو ليس إله شعب السماء والأرض ورب كل الشعوب وقد أرسل يونان إلى نينوى لإنذار شعبها. (يونان 1: 1- 2) ونبه روح كورش ملك فارس لإعادة الشعب القديم إلى أرضه عند تمام كلامه بفم أرميا. (عزرا 1: 1) واستخدم نبوخذ نصر في إتمام مقاصده وأسماه "نبوخذ راصر عبدى" (ارميا 25: 9). وهو الذي قيل عنه في المزمور " تذكر وترجع إلى الرب كل أقاصي الأرض. وتسجد قدامك كل قبائل الأمم. لأن للرب الملك وهو متسلط على الأمم" (مزمور 22: 27- 28).
أزمنة الأمم
أعطى الله نبوخذ نصر أعظم ملوك عصره هذا الحلم العجيب، لأنه بهذا الملك العظيم بدأت أزمنة الأمم. وأزمنة الأمم تعبير جاء في كلمات المسيح له المجد "... لأنه يكون ضيق عظيم على الأرض وسخط على هذا الشعب. ويقعون بفم السيف ويسبون إلى جميع الأمم. وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم" (لوقا 24: 23- 24).
فما هي أزمنة الأمم؟
أزمنة الأمم هي الحقبة الطويلة في التاريخ، التي خلالها تكون أورشليم مدوسة من الأمم. وقد بدأت هذه الحقبة بانتصار نبوخذ نصر على اليهود، وستستمر حتى نهاية الضيقة العظيمة كما واضح من كلمات يوحنا في سفر الرؤيا "وأما الدار التي هي خارج الهيكل فاطرحها خارجاً ولا تقسها لأنها أعطيت للأمم وسيدوسون المدينة المقدسة اثنين وأربعين شهراً" (رؤيا 11: 2). والمدينة المقدسة هي أورشليم كما قال الملاك جبرائيل لدانيال "سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة" (دانيال 9: 24). وكان يشير بهذا إلى مدينة أورشليم (دانيال 9: 25). كما نقرأ أيضاً "أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي" (مزمور 2: 6).
هذه الحقبة التي مدتها 42 شهراً، هي مدة حكم الوحش الصاعد من البحر، وهي في ذات الوقت مدة الضيقة العظيمة، وفي نهايتها تبدأ معركة هرمجدون التي ذكرها يوحنا في سفر رؤيا ( رؤيا 16: 12- 16) كما ذكرها زكريا في نبوته (زكريا 14: 1- 4) وخلال هذه المعركة العالمية الطاحنة يأتي الرب يسوع المسيح "وتقف قدامه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم" (زكريا 14: 4) وبعد نصرته الساحقة على كل جيوش الأمم المجتمعة لحرب هرمجدون، يبدأ الملك الألفي السعيد، وتكون أورشليم عاصمة الملك، وتصير بحق مدينة السلام، وتتم حينئذ كلمات جبرائيل الملاك التي قالها لمريم العذراء "وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع... ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية" (لوقا 1: 31- 32) وهنا تنتهي أزمة الأمم ويبدأ ملك المسيح على الأرض.
و "أزمنة الأمم" ترتبط بتعبير "ملء الأمم" وهو التعبير الذي ذكره بولس الرسول بكلماته "فاني لست أريد أيها الأخوة أن تجهلوا هذا السر. لئلا تكونوا عند أنفسكم حكماء. إن القساوة قد حصلت جزئياً لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم" (رومية 11: 25).
والتعبير "أزمنة الأمم" (لوقا 21: 24) هو تعبير عن الحكم السياسي والعسكري للأمم. أما التعبير "ملء الأمم" (رومية 11: 25) فهو تعبير عن التعامل الروحي الذي بدأ بين الله والأمم بزلة إسرائيل ورفضهم لمخلصهم. وسيعود الله للتعامل مع شعبه القديم بعد أن ينته زمن تعامله الخاص مع الأمم كما يقول بولس الرسول "فإن كانت زلتهم غنى للأمم فكم بالحري ملؤهم" (رومية 11: 12) وسيكون هذا التعامل مع الشعب القديم عند وقوف الرب على جبل الزيتون في مجيئه الثاني، فهذا الوقت سيكون وقت قبوله لهم ثانية وقبولهم له فادياً " في ذلك الوقت يكون ينبوعاً مفتوحاً لبيت داود ولسكان أورشليم للخطية وللنجاسة" (زكريا 13: 1) وسيكون هذا الينبوع المفتوح هو ينبوع دم المسيح الذي انسكب من جروح يديه (زكريا 13: 5- 6) في ذلك الوقت تتم كلمات زكريا النبي "وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون إليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد لأمه ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره" (زكريا 12: 10).
فعند نهاية "أزمنة الأمم" سيدخل "ملء الأمم" أي العدد المختار منهم، ويبدأ تعامل الله من جديد مع شعبه القديم "وهكذا سيخلص جميع شعب إسرائيل. كما هو مكتوب سيخرج من صهيون المنقذ ويرد الفجور عن يعقوب" (رومية 11: 26) وهذا ما قاله ربنا المبارك لشعبه القديم " يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم يريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خراباً. لأني الحق أقول لكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب" (متى 23: 37- 39). فقبل هذا الوقت لا تعامل بين الرب وبين إسرائيل كأمة من جهة الخلاص، والذي سيخلصون من إسرائيل عند مجيء ربنا هم الذين يقول عنهم سفر دانيال " وفي ذلك الوقت ينجي شعبك كل من يوجد مكتوباً في السفر" (دانيال 12: 1) وهؤلاء هم البقية التي اختارها الرب لنفسه.
أزمة الحلم
نعود الآن إلى الحديث عن حلم الملك نبوخذ نصر وتعبيره. ونقول أولاً أن دانيال قابل ثلاث أزمات في حياته. الأزمة الأولى: هي أزمة امتحان طهارته وثباته تحت ضغوط القصر الإمبراطوري، وقد اجتاز دانيال هذه الأزمة بنجاح تام كما رأينا في الفصل الأول. والأزمة الثانية: هي أزمة حلم الملك نبوخذ نصر وهي موضوع دراستنا فيما يلي من حديث. والأزمة الثالثة: هي أزمة امتحان ولائه لله وشريعته وسنتحدث عنها في مكانها.
الأزمة التي نحن بصددها الآن هي أزمة حلم الملك نبوخذ نصر، وهي الأزمة التي تعرض فيها دانيال وأصحابه لخطر الموت.
أعطى الله دانيال وأصحابه معرفة وعقلاً في كل كتابة وحكمة، وأوصلتهم هذه المعرفة وتلك الحكمة إلى الوقوف أمام الملك، وبعد أن اجتازوا الاختبار الملكي أصبحوا بين حكماء بابل المسئولين عن تفسير الأمور العسرة والعويصة للملك نبوخذ نصر.
امتاز هؤلاء الرجال الأربعة بالمعرفة والحكمة، وكل امتياز يحمل في ثناياه مسئولية، وجاء يوم المسئولية.
"وفي السنة الثانية من ملك نبوخذ نصر حلم نبوخذ نصر أحلاماً فانزعجت روحه وطار عنه نومه. فأمر الملك أن يستدعى المجوس والسحرة والعرافون فأتوا ووقفوا أمام الملك" (دانيال 2: 1- 2).
والآن تعال معي لنرى ما حدث في القصر الإمبراطوري بين الملك وحكمائه.
قال الملك نبوخذ نصر لحكمائه: قد حلمت حلماً وانزعجت روحي لمعرفة الحلم. قال الحكماء للملك: أخبر عبيدك بالحلم فنبين تعبيره. ويبدو أن روح الملك انزعجت انزعاجاً شديداً، وأنه أراد أن يكون التعبير عن حلمه دقيقاً.. ولذا أصر الملك على طلب لا يقدر عليه أعظم الحكماء.
قال الملك لحكمائه "قد خرج مني القول إن لم تنبئوني بالحلم وبتعبيره تصيرون إرباً إرباً وتجعل بيوتكم مزبلة" (دانيال 2:5).
قال الحكماء للملك ثانية: ليخبر الملك عبيده بالحلم فنبين تعبيره. وأجاب الملك حكماءه قائلاً: " إني أعلم يقيناً أنكم تكتسبون وقتاً إذ رأيتم أن القول قد خرج مني. بأنه إن لم تنبئوني بالحلم فقضاؤكم واحد. لأنكم قد اتفقتم على كلام كذب وفاسد لتتكلموا به قدامي إلى أن يتحول الوقت. فأخبروني بالحلم: فأعلم أنكم تبينون لي تعبيره." (دانيال 2: 8- 9) هنا يظهر عجز السحر، والتنجيم، والعرافة، والاستنتاج البشري عن كشف أسرار الله "هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أيضاً إلا روح الله" (1 كورنثوس 2: 11). وهكذا أقر الكلدانيون بعجزهم.
قالوا للملك "ليس على الأرض إنسان يستطيع أن يبين أمر الملك. لذلك ليس ملك عظيم ذو سلطان سأل أمراً مذل هذا من مجوسي أو ساحر أو كلداني. والأمر الذي يطلبه الملك عسر وليس آخر يبينه قدام الملك غير الآلهة الذين ليست سكانهم مع البشر." (دانيال 2: 10- 11) هنا اشتعل غضب الملك، واغتاظ جداً، وأمر بإبادة كل حكماء بابل.
"فخرج الأمر وكان الحكماء يقتلون فطلبوا دانيال وأصحابه ليقتلوهم" (دانيال 2: 13).
كانت هذه الأزمة، أزمة حياة أو موت.. أزمة لا مخرج منها إلا بإعلان خاص من الله.
ولعلنا نتساءل: لماذا يسمح الله للأقلية الأمينة التي تعبده بالروح والحق أن تجتاز مثل هذه الأزمات؟ والجواب:
أولا: لأن الله يريد أن يؤكد أن لهذه الأقلية ما قاله داود في المزمور "الله لنا إله خلاص وعند الرب السيد للموت مخارج" (مزمور 68: 20).
ثانياً: إن الله يريد أن يستخدم هذه الأزمة لكي ينادي باسمه في كل الأرض "لأنه يقول الكتاب لفرعون إني لهذا بعينه أقمتك لكي أظهر فيك قوتي ولكي باسمي في كل الأرض" (رومية 9: 17).
وثالثاً: ليجعل الله من هذا الأزمة المدمرة طريقاً لرفعة الأقلية الأمنية. وفي سفر أعمال الرسل نرى أن الله قد سمح بأن تخرج من الحرارة أفعى وتنشب أنيابها في يد بولس الرسول ليتيح له الفرصة للشهادة له، وليدفع سكان جزيرة مليطة إلى إكرامه. (أعمال 28: 1- 10).
كيف تصرف دانيال بهذه الأزمة؟ هل استسلم للقلق، والاضطرابات، والفزع، والانزعاج، والخوف؟ هل سار هائماً على وجهه لا يدري ماذا يفعل؟ هل رفع صوته بلوم الله لسماحه بأزمة مريرة كهذه؟ هل ملأت رأسه أفكار الشك في محبة الله وعنايته وحكمته؟ هل حاول أن يهرب لحياته إلى بلد بعيد؟
لم يفعل دانيال شيئاً من هذه.. لقد تصرف بهدوء عجيب، لأنه آمن بالله، وتيقن أن بيده مقاليد الأمور، وأنه كاشف الأسرار، وأنه سمح بهذه الأزمة الطاحنة لخيره وخير أصحابه... وعرف أنه إذا كان الشيطان قد حاول استخدام هذه الأزمة للتخلص من دانيال وأصحابه بالقتل، فإن الله العلي سيستخدم بحكمته هذه الأزمة لإتمام مقاصده الحكيمة.
والآن تعال معي لنرى كيف تصرف دانيال
استخدام الحكمة الممنوحة له من الله
قرأنا في الإصحاح الأول أن الله أعطى دانيال وأصحابه "معرفة وعقلاً في كل كتابة وحكمة" (دانيال 1: 17). والحكمة هي تطبيق المعرفة، وقد حان الوقت لتطبيق المعرفة عملياً في هذه الأزمة القاتلة.
لقد طلب أريوخ رئيس شرط الملك الذي خرج ليقتل حكماء بابل دانيال وأصحابه ليقتلوهم "حينئذ أجاب دانيال بحكمة وعقل لأريوخ رئيس شرط الملك.. أجاب وقال لأريوخ قائد الملك لماذا اشتد الأمر من قبل الملك" (دانيال 2: 14- 15) ويبدو من هذا النص أن دانيال وأصحابه كانوا غائبين عن المشهد حين استدعى الملك حكماء بابل للمثول في حضرته. "وحينئذ أخبر أريوخ دانيال بالأمر" (دانيال 2: 15).
ويقيناً أن الله منح دانيال شجاعة أدبية مع الحكمة الإلهية "فدخل دانيال وطلب من الملك أن يعطيه وقتاً فيبين للملك التعبير" (دانيال 2: 16).
التجأ إلى الله العلي بالصلاة
"حينئذ مضى دانيال إلى بيته وأعلم حننيا وميشائيل وعزريا أصحابه بالأمر. ليطلبوا المراحم من قبل إله السموات من جهة هذا السر لكي لا يهلك دانيال وأصحابه مع سائر حكماء بابل" (دانيال 2: 17- 18).
أقام دانيال وأصحابه اجتماع صلاة
والالتجاء إلى الله بالصلاة هو الطريق السلطاني للخروج من الأزمات.
"أعلى أحد بينكم مشقات ليصل" (يعقوب 5: 13) وصلاة المؤمنين المتحدين بنفس واحدة تقتدر كثيراً في فعلها. اتفق الأصحاب الأربعة لطلب المراحم من قبل إله السموات. وطلب المراحم يعني أنهم اعترفوا لله بعدم استحقاقهم، وبثقتهم في مراحمه. واستجاب الله صلاة هذه الأقلية الأمينة المؤمنة. "حينئذ لدانيال كشف السر في رؤيا الليل" (دانيال 2: 19).
شكر دانيال الله وأعطاه كل المجد
كان رد الفعل لكشف السر لدانيال. هو تقديم الشكر لله وإعطائه المجد كله.
"فبارك دانيال إله السموات. أجاب دانيال وقال ليكن اسم الله مباركاً من الأزل وإلى الأبد لأن له الحكمة والجبروت وهو يغير الأوقات والأزمنة يعزل ملوكاً وينصب ملوكاً. يعطي الحكماء حكمة يعلم العارفين فهماً. وهو يكشف العمائق والأسرار. يعلم ما هو في الظلمة وعنده يسكن النور. إياك يا إله آبائي أحمد وأسبح الذي أعطاني الحكمة والقوة وأعلمني الآن ما طلبناه منك لأنك أعلمتنا أمر الملك" (دانيال 2: 19- 23).
فليتعلم المؤمنون هذه الصلوات العميقة. كانت صلاة دانيال، بعكس ما نسمعه اليوم في كنائسنا من صلوات طويلة ومملة، صلاة مختصرة.... لكنها حوت من المعاني العميقة ما يمكن أن يملأ مجلدات.
لقد شكر دانيال إله السموات وباركه. (دانيال 2: 19).
وأعلن صفاته وكماله. (دانيال 2: 20).
وأعلن سيادته المطلقة. (دانيال 2: 21).
وأعلن أنه مانح الحكمة والمعرفة. (دانيال 2: 22).
في عبارات قليلة أعلن دانيال في صلاته أن الله مطلق الوجود، ومطلق القدرة، ومطلق المعرفة، وسيد الأرض كلها. وقدّم دانيال الحمد والتسبيح لله.. إله آبائه.. الإله الذي ظهر لإبراهيم، وتكلم مع يعقوب، وأعلن مجده لموسى.. ولم يدعى دانيال أي فضل لنفسه، بل أعطى كل المجد لله.. وهذا درس يجب أن نتعلمه إذ لا يكفي أن نطلب ونأخذ، بل يجب أن نمجد الله ونشكره على ما أخذناه.
بعد أن شكر دانيال الله، وقدم له التسبيح والحمد، وأعطاه كل المجد في السر.. كان لابد أن يقدم لله كل المجد في العلن "فمن أجل ذلك دخل دانيال إلى أريوخ الذي عينه الملك لإبادة حكماء بابل. مضى وقال له هكذا. لا تبد حكماء بابل. أدخلني إلى قدام الملك فأبين للملك التعبير. حينئذ دخل أريوخ بدانيال إلى قدام الملك مسرعاً وقال له هكذا. قد وجدت رجلاً من بني سبى يهوذا الذي يعرف الملك بالتعبير" (دانيال 2: 24- 25).
دانيال الآن في حضرة الملك نبوخذ نصر
"أجاب الملك وقال لدانيال الذي اسمه بلطشاصر هل تستطيع أنت على أن تعرفني بالحلم الذي رأيت وبتعبيره" (دانيال 2: 26) وهنا يتكلم دانيال فيعطى كل المجد لله كاشف الأسرار، ويقف هو مختفياً في ظلال المجد الإلهي.
" أجاب دانيال قدام الملك وقال. السر الذي طلبه الملك لا تقدر الحكماء ولا السحرة ولا المجوس ولا المنجمون على أن يبينوه للملك. لكن يوجد إله في السموات كاشف الأسرار وقد عرف الملك نبوخذ نصر ما يكون في الأيام الأخيرة. حلمك ورؤيا رأسك على فراشك هو هذا. أنت أيها الملك أفكارك على فراشك صعدت إلى ما يكون من بعد هذا وكاشف الأسرار يعرفك بما يكون. أما أنا فلم يكشف لي هذا السر لحكمة فيّ أكثر من كل الأحياء.ولكن لكي يعرف الملك بالتعبير ولكي تعلم أفكار قلبك" (دانيال 2: 27- 30).
دانيال يعلن بكلماته للملك نبوخذ نصر عن عجز السحرة والمنجمين والحكماء الأرضيين عن معرفة أسرار الله، كما يؤكد له بأنه يوجد إله في السموات، ويشهد بأن هذا الإله كاشف الأسرار، وأنه أعطاه حلمه العجيب ليعرفه ما يكون في الأيام الأخيرة. وليعطيه جواباً عن تساؤلات قلبه بخصوص مستقبل إمبراطوريته.
الحلم الذي رآه نبوخذ نصر نبوي. يبدأ من مملكته ويستمر حتى يصل إلى آخر أحداث التاريخ.. إلى أحداث الأيام الأخيرة حين يأتي الرب يسوع المسيح لينهي حكم الأمم ويؤسس ملكوته السعيد. ونبوات سفر دانيال تتصل مباشرة بهذه الأحداث، وعلى هذا لابد من دراسة سفر دانيال دراسة دقيقة لنستطيع تفسير رؤيا يوحنا، فهناك ارتباط عضوي بين السفرين النبويين العظيمين.
والآن تعال معي لنستمع إلى دانيال وهو يسرد للملك حلمه العجيب. "أنت أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم هذا التمثال العظيم البهي جداً وقف قبالتك ومنظره هائل. رأس هذا التمثال من ذهب جيد. صدره وذراعاه من فضة. بطنه وفخذاه من نحاس. ساقاه من حديد. قدماه بعضهما من حديد والبعض من خزف. كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما. فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان.أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها" (دانيال 2: 31- 35).
استطرد دانيال يقول "هذا هو الحلم. فنخبر بتعبيره قدام الملك. وبدأ تعبيره للحلم بحديث عن سيادة الله المطلقة على مخلوقاته، وبأن هذا الإله القادر على كل شيء هو الذي أعطى نبوخذ نصر مملكته وسلطانه.
"أنت أيها الملك ملك الملوك لأن إله السموات أعطاك مملكة واقتداراً وسلطاناً وفخراً. وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السماء دفعها ليدك وسلطك عليها جميعاً. فأنت هذا الرأس من ذهب" (دانيال 2: 37- 38).
ويذكر التاريخ أن الإمبراطورية البابلية، ويطلق أحياناً عليها اسم الإمبراطورية الكلدانية، قد ظهرت في الوجود تحت حكم الملك "نبو بولاصر" وهو غير مذكور في الكتاب المقدس. لكن هذه الإمبراطورية الجبارة وصلت إلى أوج مجدها إبان حكم ابنه "نبوخذ نصر". وعلينا أن نذكر أنه حين يتحدث الوحي عن ملك فهو في ذات الوقت يتحدث عن مملكة، فلا ملك بلا مملكة. وفي تعبيرات الوحي الملك والمملكة مترادفان. وعلى هذا فيمكننا القول بأن الرأس من ذهب لم يكن يشير إلى الملك نبوخذ نصر وحده بل إلى المملكة البابلية في تاريخها كله.
"رأس هذا التمثال من ذهب جيد" (دانيال 2: 32).
"فأنت هذا الرأس من ذهب" (دانيال 2: 28).
هذا الرأس يشير إلى المملكة البابلية.
" وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك" (دانيال 2: 39). ومن النبوات الواردة في سفر دانيال نعرف أن هذه المملكة هي مملكة "مادى وفارس" ويتضح هذا مما كتبته أصابع اليد الكاتبة على ملكس حائط قصر الملك "قسمت مملكته وأعطيت لمادى وفارس" (دانيال 5: 28) "وفي تلك الليلة قتل بيلشاصر ملك الكلدانيين. فأخذ المملكة داريوس المادى وهو ابن اثنتين وستين سنة" (دانيال 5: 30- 31).
"صدره وذراعاه من فضة" (دانيال 2: 32).
"وبعدك تقوم مملكة أخرى أصفر منك" (دانيال 2: 39).
هذا الصدر وهذان الذراعان تشير إلى مملكة مادى وفارس. ومملكة مادى وفارس كانت أصغر من المملكة البابلية.
ومن النبوات الواردة في الإصحاحات التالية من السفر، وهذه النبوات هي تكرار في صورة أخرى لحلم الملك نبوخذ نصر، تماماً كما رأينا التكرار في حلم فرعون مصر أولا في البقرات السبع الحسنة المنظر والبقرات السبع العجاف. ثم في السبع السنابل الممتلئة الحسنة والسبع السنابل الملفوحة بالريح الشرقية مع أن الحلم كان واحداً في تفسيره ومعناه.
نقول أن تكرار النبوات في سفر دانيال هو لتأكيد حدوثها.
"بطنه وفخذاه من نحاس" (دانيال 2: 32)".
"ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلط على كل الأرض" (دانيال 2: 39) فهذا البطن وهذان الفخذان إلى المملكة اليونانية.
"وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد لأن الحديد يدق ويسحق كل شيء وكالحديد الذي يكسر كل هؤلاء" (دانيال 2: 40).
لم يذكر دانيال في نبواته اسم المملكة الرابعة بالتحديد، كما ذكر مملكة بابل، ومملكة مادى وفارس، ومملكة اليونان.. ولكننا نستطيع أن نرى أن هذه المملكة القوية الصلبة كالحديد هي الإمبراطورية الرومانية، وهي المملكة التي كانت موجودة وقت ميلاد يسوع المسيح كما يقول لوقا البشير "وفي تلك الأيام صدر أمر من أوغسطس قيصر بأن يكتتب كل المسكونة" (لوقا 2: 1). الإمبراطورية الرومانية إذاً هي المملكة الرابعة وصلابتها الحديدية ليست صلابة القيم الأدبية أو الدينية، ولا هي صلابة وحدة الإمبراطورية، ولكنها صلابة القوة العسكرية التي دقت وسحقت كل من وقف في طريقها.
"وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف والبعض من حديد فالمملكة تكون منقسمة ويكون فيها قوة الحديد من حيث إنك رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين. وأصابع القدمين بعضها من حديد والبعض من خزف فبعض المملكة يكون قوياً والبعض قصماً. وبما رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس ولكن لا يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بالخزف. وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد. لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين فسحق الحديد والنحاس والفضة والذهب. الله العظيم قد عرًف الملك ما سيأتي بعد هذا. الحلم حق وتعبيره يقين" (دانيال 2: 41- 45).
حكمت الإمبراطورية الرومانية لأكثر من خمسمئة سنة، ورفرف علمها على الجزر البريطانية حتى الخليج العربي، ومن البحر الشمالي إلى صحراء ليبيا، ومن المحيط الأطلنطي إلى نهر الفرات، وعلى كل دول البحر الأبيض المتوسط.
ولكن الإمبراطورية الحديدية الرومانية تفتتت تحت هجوم القبائل البربرية ولم تجيء سنة 476 بعد الميلاد إلا وكانت الإمبراطورية الرومانية قد انقسمت.
وعلينا أن نذكر أن الله قد أعطى الحلم لنبوخذ نصر لكي يعرفه ما يكون في الأيام الأخيرة (دانيال 2: 28) كما أبقى تعبير الحلم لرجل عبراني ليعلن للملك الوثني الذي بدأت بحكمه "أزمنة الأمم" إن إعطائه السلطة الحاكمة على الأرض لا يعني الرفض النهائي لشعبه القديم.
ولعلنا نرى بوضوح أن التمثال العظيم البهي الذي يمثل الحكم الأممي على الأرض، يرينا أن حكم الأمم على الأرض سيتدهور في قيمته الفعلية بينما سيتصاعد في أمم كثيرة في قسوته وقوته العسكرية. فالتمثال الذي رآه نبوخذ نصر في حلمه والذي يمثل "أزمنة الأمم" يبدأ بالذهب الجيد، وينتهي بالحديد مختلطاً بخزف الطين.
وقد رأينا هذا في أساليب الحكم.. ففي أيام نبوخذ نصر كان عقاب العصيان أتون النار المتقدة، وفي أيام داريوس المادى كان عقاب العصيان الطرح في جب الأسود.. ومع الزمن تطورت طرق التعذيب ووصلت إلى انتهاك كل حرمات الإنسان.
وقد أعلن الله للملك نبوخذ نصر أن الحكم الأممي الذي يظهر بهياً وعظيماً يسير كل يوم نحو التدهور والانحطاط. من الذهب إلى الفضة إلى النحاس إلى الحديد المختلط بخزف الطين.
وعندما نصل إلى القدمين والأصابع في التمثال العظيم نرى أنفسنا أمام آخر مشاهد التاريخ، المشهد الذي سيتم في صورته النهائية في الضيقة العظيمة وقبل عودة الرب يسوع المسيح. ونرى أنفسنا في ذات الوقت مساقين إلى دراسة الإصحاح السابع من سفر دانيال، مع الإصحاحين الثالث عشر والسابع عشر من سفر رؤيا يوحنا.
ففي الإصحاح السابع من سفر دانيال نقرأ الكلمات"بعد هذا كنت أرى في رؤى الليل وإذا بحيوان رابع هائل وقوي وشديد جداًوله أسنان من حديد كبيرة. أكل وسحق وداس الباقي برجليه. وكان مخالفاً لكل الحيوانات الذين قبله. وله عشرة قرون" (دانيال 7: 7) وفي الإصحاح الثالث عشر من سفر الرؤيا نقرأ الكلمات "ثم وقفت على رمل البحر. فرأيت وحشاً طالعاً من البحر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى قرونه عشرة تيجان وعلى رؤوسه اسم تجديف وتعجبت كل الأرض وراء الوحش... وسجدوا للوحش" (رؤيا 13: 1- 4).
وفي الإصحاح السابع عشر من سفر الرؤيا نقرأ الكلمات "ثم قال لي الملاك لماذا تعجبت. أنا أقول لك سر المرأة والوحش الحامل لها الذي له السبعة الرؤوس والعشرة القرون... العشرة القرون التي رأيت هي عشرة ملوك يأخذوا ملكاً بعد لكنهم يأخذون سلطانهم كملوك ساعة واحدة مع الوحش" (رؤيا 17: 7- 12).
عشرة أصابع في قدمي التمثال (دانيال 2: 41- 42).
عشرة قرون في الحيوان الهائل (دانيال 7: 7) .
عشرة قرون للوحش الصاعد من البحر (رؤيا 13: 1).
عشرة قرون للوحش الحامل للمرأة (رؤيا 17: 7- 12).
ودانيال يفسر أصابع التمثال العشرة بأنهم ملوك فيقول "وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً (دانيال 2: 44).
ويفسر يوحنا القرون العشرة فيقول "العشرة قرون التي رأيت هي عشرة ملوك لم يأخذوا ملكاً بعد لكنهم يأخذون سلطانهم كملوك ساعة واحدة مع الوحش" (رؤيا 17: 12).
فأصابع التمثال العشرة هي نفسها العشرة القرون وهي تشير إلى عشرة ملوك يأخذون ملكاً مع الوحش الصاعد من الهاوية.
النبوة إذاً هنا تنتقل بنا لإلى أحداث الضيقة العظيمة، وبالتالي إلى عودة الرب يسوع المسيح الحجر الذي قطع لا بيدين.
ويجدر بنا أن نذكر هنا خلال حكم الوحش ومعه هؤلاء الملوك في الضيقة العظيمة، سيكون الحكم مزيجاً من القسوة التي لا تعرف الرحمة والتي يشير إليها الحديد ، والتي رأينا منها نموذجاً خلال الحكم النازي لألمانيا، وإلى التدهور الأدبي والاجتماعي، والأخلاقي، والاقتصادي الذي إليه يشير خزف الطين. في تلك الحقبة السوداء من تاريخ البشرية سيسلم الأخ أخاه إلى الموت والأب ولده، وستكون الخيانة هي العنصر السائد في العلاقات البشرية، ويتفاقم الشر ويرتفع مده، ويسجد الناس للشياطين، وتكون المادة هي آلهتهم لأنهم سيسجدون لأصنام الذهب والفضة والنحاس والحجر والخشب، وستتدهور أخلاقهم إلى الحضيض فيتوغلوا في القتل والسحر والزنى والسرقة (رؤيا 9: 20) وعلينا أن نفهم أن الدول المتحدة تحت حكم الوحش سيكون بعضها في قوة الحديد وبعضها في ضعف الطين، ولن تكون وحدتها قلبية حقيقية بل مجرد مظهر لوحدة زائفة إذ "لن يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بخزف الطين" (دانيال 2: 43). إن هذه الوحدة القادمة تحت حكم الوحش ومعه الملوك العشرة كانت أمنية الكثيرين من الملوك والرؤساء.. كانت أمنية شارلمان، وتشارلس الخامس،ولويس الرابع عشر، ونابليون، والقيصر وليم الثاني، وأدولف هتلر.. ولقد قال نابليون ذات مرة "لن تستريح أوربا إلا تحت حكم إمبراطور واحد يعطي قواده لقب ملوك"
ولكن هذه الوحدة لن تكون كاملة حتى تحت حكم الوحش "وبما رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس ولكن لا يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بالخزف" (دانيال 2: 43). والحديد يشير إلى الحكام الأقوياء ونسل الناس يشير إلى عامة الشعب. وقد أعطى المفسرون عدة شروحات لهذا النص فقال بعضهم أن اختلاط الحديد بخزف الطين يشير إلى اختلاط الملوك أصحاب العروش بالشعب عن طريق الزواج. وكان دليلهم أن أوربا مرت بوقت كانت فيه الملكة فكتوريا ملكة انجلترا هي الجدة، وكان الملك كريستيان ملك الدانمارك هو الجد لغالبية الملوك المتوجين في أوربا. ولكن بعد الحرب العظمى الأولى زالت معظم ملكيات أوربا، ووصل إلى مراكز القوة أشخاص من عامة الشعب واختلط الحديد بالخزف. وقال مفسرون آخرون إن الحديد وخزف الطين يشيران إلى أنواع الحكومات المختلفة كالحكم الديمقراطي، أو الدكتاتوري، أو الشيوعي. وقال البعض الآخر من المفسرين إن الحديد يرمز إلى الحكم الملكي، وخزف الطين يرمز إلى حكم الشعب. ويقول المفسر المعروف "كيل" إن الذهب والفضة والنحاس يشيرون إلى نوع هذه الممالك، والحديد والخزف يشير إلى نوع الحكم في المملكة الرابعة واختلاط أصحاب التيجان بالشعب عن طريق الزواج.
الأمر المهم في هذه النبوة كيفما كان تفسيرها هو ما ذكره دانيال "وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد. لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب" (دانيال 2: 44). وهذا النص يشير إلى مملكة المسيح، هذه المملكة التي قال عنها جبرائيل الملاك للعذراء مريم "وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا سيكون عظيماً وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية" (لوقا 1: 31- 33). هذه المملكة إذاً قادمة، ذلك لأن المسيح في مجيئه الأول لم ينهي الحكم الأممي على الأرض، والقائلون بأن التبشير بالإنجيل سيجعل الأرض مع الزمن مملكة للمسيح يخطئون ضد كلمات النبوة التي تؤكد أن الزمن سيقود إلى الارتداد لا إلى مملكة السلام (اقرأ 2 تسالونيكي 2: 1- 5).
إن الرب يسوع المسيح هو الحجر الذي قطع من جبل لا بيدين. فالمسيح له المجد لم يولد عن طريق التناسل البشري، وليس للبشر يد في ولادته.إنه الحجر الذي قطع من جبل لا بيدين. والجبل هنا يشير إلى الله الجالس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال، وهو المكان الذي اشتهى إبليس أن يصل إليه بتمرد كما قال أشعياء "كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح. كيف قطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم. وأنت قلت في قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسي إلى فوق كواكب الله وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال.. أصير مثل العلي" (أشعياء 14: 12- 14).
إن الرب يسوع هو الحجر الذي تنبأ أشعياء إلى مجيئه بالكلمات "لذلك هكذا يقول السيد الرب. هأنذا أؤسس في صهيون حجراً حجر امتحان حجر زاوية كريماً أساساً مؤسساً. من آمن لا يهرب" (أشعياء 28: 16) وقد أشار بطرس الرسول إلى هذا النص في كلماته " الرب.. الذي إذ تأتون إليه حجراً حياً مرفوضاً من الناس ولكن مختاراً من الله الكريم".. لذلك يتضمن أيضاً في الكتاب "هئنذا أضع في صهيون حجر زاوية مختاراً كريماً والذي يؤمن به لن يخزى. فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة وأما للذين لا يطيعون فالحجر الذي رفضه البناؤون هو صار رأس الزاوية وحجر صدمة وصخرة عثرة" (1 بطرس 2: 3- 8) وقد أشار الرب يسوع إلى نفسه باعتباره هذا الحجر في حديثه إلى الشعب بالكلمات "إذا ما هو هذا المكتوب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية. كل من يسقط على هذا الحجر يترضض. ومن سقط هو عليه يسحقه" (لوقا 20: 17- 18).
عندما يأتي يسوع ثانية سيأتي كحجر ساحق، ويلاشى من الوجود كل نظم الحكم الأممي، ولا يكون لملكه نهاية أي لن تستطيع قوة في الوجود أن تنهي ملكه كما انتهت الإمبراطورية البابلية بقيام الإمبراطورية الفارسية، وكما انتهت الإمبراطورية الفارسية بقيام الإمبراطورية اليونانية، وكما انتهت الإمبراطورية اليونانية بقيام الإمبراطورية الرومانية.. والمسيح الملك "لا يترك لشعب آخر" (دانيال 2: 44) وسيستمر ملكه إلى أن يتلاشى الزمن في الأبدية.
إن أصابع التمثال العظيم الذي رآه نبوخذ نصر تصل بنا إلى معركة هرمجدون، وبالتالي إلى الملك الألفي، ملك المسيح على الأرض، ملك السلام والكفاية والعدل.
هذا كله يتضح من الكلمات:
"وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً.." (دانيال 2: 44).
وهؤلاء الملوك كما رأينا فيما سبق من حديث هم العشرة القرون الذين سيملكون مع الوحش الصاعد من الهاوية، وسيستمر ملكهم حتى يلاشيه الرب في معركة هرمجدون كما يقول سفر رؤيا يوحنا "والعشرة قرون التي رأيت هي عشرة ملوك.. هؤلاء سيحاربون الخروف والخروف يغلبهم لأنه رب الأرباب وملك الملوك" (رؤيا 17: 12- 14).
ومتى يتم هذا كله؟
يقول يوحنا الرائي "ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً وبالعدل يحكم ويحارب. وعيناه كلهيب نار وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو. وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويدعى اسمه كلمة الله. والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزاً أبيض ونقي. ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم وهو سيرعاهم بعصا من حديد وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء. وله على ثوبه وفخذه اسم مكتوب ملك الملوك ورب الأرباب" (رؤيا 19: 11- 16).
كل هذا سيكون إتماما لما رآه الملك نبوخذ نصر في حلمه وعبره له دانيال النبي، وما قاله المزمور الثاني، وما تنبأ به الأنبياء.
سمع الملك نبوخذ نصر تعبير الحلم "وخر على وجهه وسجد لدانيال وأمر بأن يقدموا له تقدمة وروائح سرور" (دانيال 2: 46). وينتقد النقاد دانيال لقبوله السجود والتقدمات قائلين إنه بهذا جعل نفسه إلهاً. ولكن القرينة ترينا أن إكرام الملك لدانيال لم يكن إكراماً لشخصه بل كان إكراماً لإلهه. لقد أكرمه نبوخذ نصر باعتباره سفيراً لهذا الملك العظيم ويتضح هذا من كلمات نبوخذ نصر "فأجاب الملك دانيال وقال. حقاً إن إلهكم إله الآلهة ورب الملوك وكاشف الأسرار إذا استطعت على كشف هذا السر" (دانيال 2: 47).
وانتهت الأزمة الرهيبة التي كانت تقضي على حياة دانيال وأصحابه بتعظيم دانيال، وبتوليه أصحابه في أعظم المراكز "حينئذ عظم الملك دانيال وأعطاه عطايا كثيرة وسلطه على كل ولاية بابل وجعله رئيس الشحن على جميع حكماء بابل" (دانيال 2: 48).
وهكذا "من الآكل خرج أكل ومن الجافي خرجت حلاوة" (قضاء 14: 14).
ولم ينس دانيال أصحابه، فقد كان مثال الولاء في صداقته "فطلب دانيال من الملك فولى شدرخ وميشخ وعبدنغو على أعمال ولاية بابل. وأما دانيال فكان في باب الملك" (دانيال 2: 49).
فلا تجزع يا أخي ولا تفزع حين تصطدم بأزمة خطيرة تظن أن لا مخرج منها، بل الجأ إلى الله وثق بعنايته، ورعايته، ومحبته، وقدرته، وقل مع إمام المغنين "الله لنا ملجأ وقوة. عوناً في الضيقات وجد شديداً. لذلك لا نخشى ولو تزحزحت الأرض ولو انقلبت الجبال إلى قلب البحار" (مزمور 46: 1- 2) وستخرج من أزمتك لامعاً كالذهب المصفى بالنار، وقد ازددت نعمة، وحكمة، وبركة، ونجاحاً في كل دوائر حياتك.
الفصل الثالث
الرجال الذين قالوا للملك "لا"

لا استقرار للمؤمن على هذه الأرض.
إنه كالحمامة التي أرسلها نوح من الفلك "فلم تجد الحمامة مقراً لرجلها" 0تكوين 8: 9).
لقد رأينا الرجال الثلاثة شدرخ وميشخ وعبدنغو في ختام الإصحاح الثاني وقد وصلوا إلى أعظم المناصب "فطلب دانيال من الملك فولى شدرخ وميشخ وعبدنغو على ولاية بابل" (دانيال 2: 49) ولقد يخيل إلينا أنهم بهذا استقروا ونجحوا أعظم النجاح كغرباء في ولاية بابل، وأصبحوا في حمى من المتاعب والأخطار.
لكن الأخطار سعت إليهم، وهذه هي حياة المؤمن على الأرض وأخرى في قلب الأتون المتقد بالنار.. فلا استقرار للمؤمن في حياته على الأرض.
لكن الخطر الذي سعى إلى هؤلاء الرجال لم يكن من صناعتهم، ولا كان من سوء تصرفهم، ولا كان نتيجة خطاياهم.. لقد كان بتدبير الشيطان. [اقرأ 1 بطرس 4: 15- 16- 19].
وحياة المؤمن على الأرض حياة صراع مع قوات الظلام "فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم عل ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات" (أفسس 6: 12).
وهكذا جاءت الأخطار تسعى إلى هؤلاء الرجال المؤمنين الأمناء.
التمثال الذهبي
"نبوخذ نصر الملك صنع تمثالاً من ذهب طوله ستون ذراعاً وعرضه ست أذرع ونصبه في بقعة دورا في ولاية بابل" (دانيال 3: 1).
لقد أعلن الله لنبوخذ نصر في التمثال المعدني الذي رآه في حلمه إن مملكته هي الرأس من ذهب، وإنه بعد زوال الإمبراطورية البابلية ستأتي إمبراطوريات أخرى أصغر منها شبهها بالفضة، والنحاس والحديد، وخزف الطين. وكان على نبوخذ نصر أن يقبل الخطة الإلهية لأزمنة الأمم، لكنه بدلاً من الخضوع للخطة الإلهية أراد أن يقنع نفسه بأن مملكته ستبقى إلى الأبد، ولذا صنع تمثالاً يختلف عن التمثال الذي رآه في حلمه والذي كان من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخزف.. لقد صنع التمثال كله من ذهب متحدياً بذلك مشيئة الله متخيلاً بقاء الإمبراطورية البابلية إلى الأبد. وبغير شك أن قصده من صنع هذا التمثال كان أن يوحد شعوب مملكته حول عبادة واحدة هي عبادة التمثال الذهبي، أو حول عبادته هو لأنه صانع هذا التمثال.
الأمر الملكي
"ثم أرسل نبوخذ نصر الملك ليجمع المرازبة والشحن والولاة والقضاة والخزنة والفقهاء والمفتين وكل حكام الولايات ليأتوا لتدشين التمثال الذي نصبه نبوخذ نصر الملك. حينئذ اجتمع المرازبة والشحن والولاة والقضاة والخزنة والفقهاء والمفتون وكل حكام الولايات ليأتوا لتدشين التمثال الذي نصبه نبوخذ نصر الملك ووقفوا أمام التمثال الذي نصبه نبوخذ نصر. ونادى منادٍ بشدة قد أُمرتم أيها الشعوب والأمم والألسنة. عندما تسمعون صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير والمزمار وكل أنواع العزف أن تخروا وتسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه نبوخذ نصر الملك. ومن لا يخر ويسجد ففي تلك الساعة يُلقى في وسط أتون نار متقدة. لأجل ذلك وقتما سمع كل الشعوب صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير وكل أنواع العزف خر كل الشعوب والأمم والألسنة وسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه نبوخذ نصر الملك" (دانيال 3: 2- 7).
عندما صنع نبوخذ نصر التمثال الذهبي، أعلن بهذا عن مدى حماقته.. لقد أعلن الله له مجده في الحلم الذي أعطاه إياه، وعرف نبوخذ نصر أنه إله الآلهة ورب الملوك، لكنه بدلاً من أن يوجه شعبه لعبادة الإله الحي، طالبهم بالسجود لتمثال صنعه الإنسان.
وأولئك الذين أطاعوا أمر نبوخذ نصر كانوا بلا عذر كما قال بولس الرسول "لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم. إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره الغير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي وبينما هم يزعموا أنهم حكماء صاروا جهلاء. وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات" (رومية 1: 18- 23).
إن عبادة الإنسان للأصنام تؤكد مدى عمى الإنسان، وحماقته وظلام قلبه كما يقول أشعياء النبي "قطع لنفسه أرزاً وأخذ سندياناً وبلوطاً.. يأخذ منه ويتدفأ.. ثم يصنع إلهاً فيسجد. قد صنعه صنماً وخر له. نصفه أحرقه بالنار. على نصفه يأكل لحماً.. وبقيته قد صنعها إلهاً صنماً لنفسه يخر له ويسجد ويصلي إليه ويقول نجني لأنك أنت إلهي. لا يعرفون ولا يفهمون لأنه قد طمست عيونهم عن الإبصار وقلوبهم عن التعقل. ولا يردد في قلبه وليس له معرفة ولا فهم حتى يقول نصفه قد أحرقت بالنار وخبزت أيضاً على جمره شويت لحماً وأكلت. أفأصنع بقيته رجساًً ولساق شجرة أخرى. يرعى رماداً. قلب مخدوع قد أضله فلا ينجي نفسه ولا يقول أليس كذب في يميني" (أشعياء 44: 14- 20).
لقد أعلن نبوخذ نصر الملك بصنعه التمثال الذهبي عن مدى حماقته وظلام قلبه.
ونرى مدى التضاد بين الديانة الإلهية وديانة الإنسان. فالله يجذب الإنسان نحوه بالحب "نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً" (1 يوحنا 4: 19) أما الديانة التي من صنع الإنسان أو من وحي الشيطان فهي تقوم على الخوف وتنتشر بالتهديد بالموت. وهكذا كانت ديانة نبوخذ نصر (دانيال 3: 6).
ولقد جمعت ديانة نبوخذ نصر حولها قادة مملكته وعظمائها (دانيال 3: 3)، وكانت ديانة جذابة اتصفت بالإثارة، وإشباع ميول الإنسان إذ ارتبطت بالموسيقى الصاخبة، (دانيال 3: 5)ولكنها مع هذا كله تأسست على التهديد بالحرق في أتون النار لمن لا يسجدون للتمثال وبهذا أعطت السلطة الزمنية الحكومية مكان الله الديان العادل، الذي سيدين الناس حين يقفون أمام عرشه الأبيض العظيم ويطرح غير المؤمنين والعصاة في بحيرة النار المتقدة بالكبريت.
وكل ديانة من صنع الشيطان أو الإنسان هي محاولة لتقليد الله.
الولاء للناموس الإلهي
خضعت الأغلبية الساحقة للأمر الملكي وسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه نبوخذ نصر الملك. والطريق المؤدي إلى الهلاك هو طريق الأغلبية الساحقة في كل مكان كما يقول الرب يسوع في كلماته "ادخلوا من الباب الضيق. لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك. وكثيرون الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة. وقليلون الذين يجدونه" (متى 7: 13- 14). لكن أقلية أمينة احتفظت بولائها لله ولناموسه ورفضت عبادة التمثال. كانت هذه الأقلية مكونة من أبطال الإيمان الثلاثة شدرخ وميشخ وعبدنغو.
"لأجل ذلك تقدم حينئذ رجال كلدانيون واشتكوا على اليهود. أجابوا وقالوا للملك نبوخذ نصر أيها الملك عش إلى الأبد. أنت أيها الملك قد أصدرت أمراً بأن كل إنسان يسمع صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير والمزمار وكل أنواع العزف يخر ويسجد لتمثال الذهب. ومن لا يخر ويسجد فإنه يلقى في وسط أتون نار متقدة. يوجد رجال يهود الذين وكلتهم على أعمال ولاية بابل شدرخ وميشخ وعبدنغو. هؤلاء الرجال لم يجعلوا لك أيها الملك اعتباراً. آلهتك لا يعبدون ولتمثال الذهب الذي نصبت لا يسجدون" (دانيال 3: 8- 12).
لماذا اشتكى هؤلاء الرجال الكلدانيون على شدرخ وميشخ وعبدنغو؟
بغير شك إن دافع شكواهم كان الحسد، والحسد يعني تمني زوال النعمة عن الشخص المحسود وتحولها إلى الشخص الحسود.
لقد حسد هؤلاء الكلدانيون شدرخ وميشخ وعبدنغو على المركز المرموق الذي وصلوا إليه، وتمنوا زوال هذه النعمة عنهم وتحولها إليهم، لذلك فتحوا عيونهم بحثاً عن ثغرة يهدمون منها شدرخ وميشخ وعبدنغو.
وعيون الأشرار مفتوحة دائماً تبحث عن خطأ في حياة الأبرار. وشر الأشرار يظهر ببشاعته في كيدهم للأبرار. وهكذا اشتكى الكلدانيون الأشرار على الرجال الأبرار، ووضعوا شكواهم في ألفاظ اختاروها لإثارة غضب الملك إلى أقصى مداه.
"هؤلاء الرجال لم يجعلوا لك أيها الملك اعتبارا آلهتك لا يعبدون ولتمثال الذهب الذي نصبت لا يسجدون" (دانيال 3: 12).
لقد استخدموا الدين في شكواهم.
ولقد طالما استخدم الدين في الكيد للقديسين.
"حينئذ أمر نبوخذ نصر بغضب وغيظ بإحضار شدرخ وميشخ وعبدنغو. فأتوا بهؤلاء الرجال قدام الملك. فأجاب نبوخذ نصر وقال لهم . تعمداً يا شدرخ وميشخ وعبدنغو لا تعبدون آلهتي ولا تسجدون لتمثال الذهب الذي نصبت" (دانيال 3: 13- 14).
لماذا غضب الملك واغتاظ؟
هل كان غضبه وغيظه دفاعاً عن إلهه؟! إذاً فهو إله ضعيف، لأن الإله الذي يحتاج إلى البشر للدفاع عنه والقتال في سبيله لا يمكن أن يكون إلهاً قوياً.
عندما هدم جدعون مذبح البعل الذي لأبيه، وجاء أهل المدينة يطالبون أباه يوآش بأن يخرجه إليهم ليموت، كان رد يوآش عليهم رداً منطقياً "أنتم تقاتلون للبعل.. من يقاتل له يقتل في هذا الصباح. إن كان إلهاً فليقاتل لنفسه لأن مذبحه قد هدم" (قضاة 7: 31).
إن الله الحي الحقيقي يقاتل عن رعيته، ولما خرج فرعون يسعى وراء شعبه في القديم بجيشه القوي، وخاف الشعب. قال لهم موسى "لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذي يصنعه لكم اليوم.. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" (خروج 14: 13- 14).
لكن التمثال الذي صنعه نبوخذ نصر الملك كان أعجز من أن يدافع عن نفسه لأنه كان مجرد تمثال مصاغ من الذهب، لذلك كان لابد أن يدافع عنه صانعه.
ولعل نبوخذ نصر غضب واغتاظ لأنه لم يكن يتصور باعتباره ملكاً أوتوقراطياً إن هناك إنساناً على الأرض يمكن أن يتحدى أمره.
الباب الشيطاني
فتح الملك باباً للرجال الثلاثة لنجاتهم فقال لهم "فإن كنتم الآن مستعدين عندما تسمعون صوت القرن والناي والعود والرباب والسنطير والمزمار وكل أنواع العزف إلى أن تخروا وتسجدوا للتمثال الذي عملته. وإن لم تسجدوا ففي تلك الساعة تلقون في وسط أتون النار المتقدة. ومن هو الإله الذي ينقذكم من يدي" (دانيال 3:15).
انفتح باب للنجاة أمام شدرخ وميشخ وعبدنغو، وكان في إمكانهم أن يتلاعبوا وينجوا من النار المتقدة لو أرادوا التلاعب. كان في إمكانهم أن يقولوا إن هذا الملك طيب القلب فتح لنا باب للنجاة وأقل ما نرده له تقديراً لشفقته هو أن نخر ونسجد للتمثال. وكان في إمكانهم أن يقولوا "الكلب الحي خير من الأسد الميت". وكان في إمكانهم أن يقولوا لقد رفضنا في البداية السجود لتمثال الذهب، ولكن مادام الملك فتح لنا هذا الباب، فهذا ترتيب الله...
لكن شدرخ وميشخ وعبدنغو لم يتلاعبوا، ذلك لأنهم كانوا في خدمة الله أولاً وفي خدمة الملك ثانياً. وذلك أيضاً لأنهم سمعوا الملك يتحدى إلههم الحي بكلماته "ومن هو الإله الذي ينقذكم من يدي" وتذكروا أنها كلمات مشابهة لكلمات فرعون لموسى حين طالبه موسى بإطلاق شعب الله في القديم فقال فرعون لموسى "من هو الرب حتى أسمع لقوله فأطلق إسرائيل. لا أعرف الرب وإسرائيل لا أطلقه" (خروج 5: 2).
واشمئز الرجال الثلاثة من هذا التحدي الذميم.
وأدركوا أن الباب الذي فتحه الملك لهم هو في حقيقته فخ الشيطان فليس الباب المفتوح دائماً من الله [اقرأ صموئيل الأول 24: 4]
الرفض البطولي
"فأجاب شدرخ وميشخ وعبدنغو وقالوا للملك. يا نبوخذ نصر لا يلزمنا أن نجيبك على هذا الأمر. هوذا يوجد إلهنا الذي نعبده يستطيع أن ينجينا من أتون النار المتقدة وأن ينقذنا من يدك أيها الملك. وإلا فليكن معلوماً لك أيها الملك أننا لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته" (دانيال 3: 16- 18).
هؤلاء هم أبطال الإيمان الذين قالوا للملك "لا"
"لا يلزمنا أن نجيبك عن هذا الأمر" (دانيال 3: 16).
"لا نعبد آلهتك" (دانيال 3: 18).
"لا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته" (دانيال 3: 18).
وعلى كل مؤمن أن يتعلم أن يقول "لا" لكل إغراء يريد أن يدفعه لارتكاب الشر. فالرجال والنساء العظماء هم الذين قالوا "لا" في الوقت الذي كان يجب أن يقولوها فيه، ورضوا مختارين أن يتعرضوا للخطر، وأن يقوموا بتضحيات جسام لأنهم قالوا بعزم وإصرار "لا".
*وأول من نقابلهم من هؤلاء العظماء هو يوسف الذي قال "لا" لإغراء الخطية الجنسية التي تجسمت في محاولات امرأة فوطيفار.
كان يوسف عبداً في بيت فوطيفار، وكان حسن الصورة وحسن المنظر، واشتهته زوجة سيده.. اشتهت شبابه، وظلت تطارده ليخضع لها، وأوقحت وجهها وقالت له "اضطجع معي" (تكوين 39: 7).
لكن يوسف قال بكل إصرار "لا" قال:
" كيف أصنع كل هذا الشر العظيم وأخطىء إلى الله" (تكوين 39: 9).
ولما ازداد إلحاحها عليه، ويقيناً أنه كان إلحاحاً مغرياً استخدمت فيه كل جاذبية أنوثتها، ووصلت لدرجة أن أمسكته بثوبه قائلة "اضطجع معي" .. "ترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى الخارج" (تكوين 39: 12).
وادعت المرأة الساقطة أن يوسف حاول اغتصابها. واشترى زوجها ادعائها ووضع يوسف في بيت السجن.
لم يتلاعب يوسف مع الخطية الجنسية.. ولم يحاول أن يجد لنفسه مبررات لارتكابها وهو بعيد عن أهله.ز وهو عبد في بيت فوطيفار.. وارتضى أن يدفع ثمن طهارته.. "آذوا بالقيد رجليه. في الحديد دخلت نفسه" (مزمور 105: 18) "مررته ورمته واضطهدته أرباب السهام" (تكوين 49: 23).. لكن جاء الوقت الذي فيه كافأه إله السماء العادل " أرسل الملك فحلّه. أرسل سلطان الشعب فأطلقه. أقامه سيداً على بيته ومسلطاً على كل ملكه. ليأسر رؤساء حسب إرادته ويعلم مشايخه حكمة" (مزمور 105: 20- 22).
*ثم يأتي في موكب الذين قالوا "لا" موسى النبي العظيم. قال "لا" للمجد الفرعوني، ولخزائن مصر الغنية، وللتمتع الوقتي بالخطية..
"بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون. مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية. حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر لأنه كان ينظر إلى المجازاة" (عبرانيين 11: 24- 26).
ولم يكن نطقه بكلمة "لا" أمراً سهلاً.. لقد كان يعني أن يقطع بعمق وقسوة كل العواطف التي جاشت في قلبه من نحو ابنة فرعون.. أن يقف موقف الجحود أمام حبها، وأمام الملجأ الذي وجده في بيتها ، وأمام العلم الذي هذبته به، لقد كان معنى أن يقول "لا" أن يضحي بحضارة مصر وحكمتها،وغناها، ومجدها. وأن يقبل حياة العبودية، والمرارة التي عاشها شعبه الذليل. ومع علمه بهذه التضحيات الغالية قال بإصرار رائع لكل ما أحاط به من إغراء للحياة السهلة الهنية المليئة بالتمتع "لا".
* ونلتقي في موكب هؤلاء العظماء بالملكة "وشتى" زوجة الملك أحشو يرش الذي ملك من الهند إلى كوش على مئة وسبع وعشرون كورة. وهذه المرأة العظيمة نساها الكثيرون.. لكنها كانت من العظمة بحيث قالت للملك زوجها "لا".. قالتها لأنها رفضت مهانة الجسد الأنثوي.
والقصة تبدأ بمهرجان يعده الملك احشو يرش في السنة الثالثة من ملكه لإظهار غنى مجد ملكه. وقد استمر هذا المهرجان مئة وثمانين يوماً.. وخلال المهرجان، وكانت الخمر عنصر أساسياً فيه، وشرب المدعوون بكثرة، سكر الملك وقال للذين يخدمون بين يديه "أن يأتوا بوشتى الملكة أمام الملك بتاج الملك ليرى الشعوب والرؤساء جمالها لأنها كانت حسن المنظر" (استير 1: 11) وأراد الملك السكران أن يستعرض جمال زوجته أمام السكارى.. وقالت الملكة وشتى "لا". "فأبت الملكة وشتى أن تأتى حسب أمر الملك عن يد الخصيان" (استير 1: 12) ودفعت لرفضها البطولي ثمناً فادحاً إذ خلعها الملك من ملكها.. لكن الله استخدم هذا الرفض العظيم ليفتح الطريق لأستير حتى تنقذ شعبها من يد هامان الذي يمكن أن نسميه "أدولف هتلر" ذلك الزمان.
*وقد مر بنا في موكب القائلين "لا" دانيال، الذي "جعل في قلبه أنه لا يتنجس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه فطلب من رئيس الخصيان أن لا يتنجس" (دانيال 1: 8).
لقد قال الرجال الثلاثة شدرخ وميشخ وعبدنغو "لا" للملك نبوخذ نصر، فما هي العناصر التي أعطتهم الشجاعة ليقولوا "لا" في هذا الموقف العصيب؟
* كان أول عنصر وراء شجاعتهم التي يجب أن تكون صفة كل مؤمن بالرب يسوع هو معرفته اليقينية لوصية الله وتصديقها، وعزمهم على طاعتها مهما كلفهم الأمر.
ولقد عرفوا أن وصية الله يقول " أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن. لأني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي. وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي" (خروج 20: 1- 6).وقرر الرجال الثلاثة طاعة هذه الوصية، ورفضوا أمر الملك نبوخذ نصر.
*وكان العنصر الثاني وراء شجاعتهم هو أنهم قالوا "لا" في موقف سابق أقل خطراً من هذا الموقف الصعب. قالوا "لا" لأطايب الملك ولخمر مشروبه لأنهم عرفوا أن هذه الأطايب كانت من تقدمات الأوثان ولم يريدون أن يكونوا شركاء شياطين (دانيال 1: 8- 16) فكان من السهل أن يقولوا "لا" أمام الأمر بالسجود للصنم الذهبي .. ومن يعرف أن يقول "لا" للتجارب الصغيرة سيقول "لا" للتجارب الكبيرة.
*وكان العنصر الثالث وراء شجاعتهم هو عبادتهم القلبية للإله الحي. لقد قالوا للملك نبوخذ نصر "هوذا يوجد إلهنا الذي نعبده" (دانيال 3: 17) وحين يعيش المؤمن في شركة قوية مع الله فلن يخشى وجوه الطغاة. وهنا نجد في كلمات هؤلاء الرجال كلمة جديرة بالتأمل "هوذا يوجد إلهنا".. فالله بالنسبة لشدرخ وميشخ وعبدنغو لم يكن إلهاً بعيداً، جالساً على عرشه في السماء وحوله ملائكته.. لا يعبأ ولا يفكر في الساكنين على الأرض. بل كان هذا الإله القوي القادر هو "إلههم" "هوذا يوجد إلهنا".. هو صاحب السيطرة الكاملة على حياتنا لأنه "إلهنا".. القريب منا.. العارف ظروفنا.. الذي به نحيا ونتحرك ونوجد (أعمال 17: 27- 28).
والحياة بإحساس قرب الله تعطي للمؤمن شجاعة غير عادية.. لقد كان سر القوة في حياة إيليا النبي هو وقوفه الدائم في حضرة الرب. أسمعه مرة يقول "حي هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه" (1 ملوك 17: 1) ثم يقول في مناسبة أخرى "حي هو الرب الذي أنا واقف أمامه" (1 ملوك 18: 15) لقد وقف في حضرة الرب، وتلذذ بوقفته فاستمر واقفاً في محضره، ومن هنا كان سر شجاعته وتحدياته للملك آخاب ولأنبياء البعل.
* وكان العنصر الرابع وراء شجاعتهم هو معرفتهم اليقينية بطبيعة إلههم " بدء الحكمة مخافة الرب ومعرفة القدوس فهم" (أمثال 9: 10). لقد عرفوا أن الله قدوس منفصل عن الشر، وأنه إله غيور لا يقبل أن يشاركه أحد في مجده.
لم يطلب الملك نبوخذ نصر من هؤلاء الرجال أن يكفوا عن عبادة إلههم كل ما طلبه هو أن يعبدوا مع إلههم آلهته ويسجدو لتمثال الذهب الذي نصبه.
لكن الرجال الثلاثة كانوا يعرفون جيداً أسفار العهد القديم وبغير شك أنهم تذكروا ما قرأوه في سفر صموئيل الأول حين انتصر الفلسطينيون على العبرانيين وأخذوا منهم تابوت الله وأدخلوه إلى بيت داجون إلههم وأقاموا بقرب داجون ظانين أن الإله الحي الحقيقي لا يمانع أن يكون في مكان واحد مع الأصنام.. لكن الإله القدوس ساكن السماء لا يسكن مع الأوثان "وبكر الأشدوديون في الغد وإذا بداجون ساقط على وجهه إلى الأرض أمام تابوت الرب. فأخذوا داجون وأقاموه في مكانه. وبكروا صباحاً في الغد وإذا بداجون ساقط على وجهه إلى الأرض أمام تابوت الرب. ورأس داجون ويداه مقطوعة على العتبة. بقي بدن السمكة فقط" (1 صموئيل 5: 1- 4).
ولقد عرف شدرخ وميشخ وعبدنغو أنه لا يمكنهم أن يعبدوا مع الله التمثال الذهبي الذي نصبه نبوخذ نصر. عرفوا أن قلب المؤمن يختلف عن قلب الأثيم، فقلب المؤمن قصر ملكي يسكنه الروح القدس، أما قلب الأثيم فهو فندق مفتوح على مصراعيه لكل الآلهة الغريبة. ورفضوا السجود للتمثال.
*وكان العنصر الخامس لشجاعتهم وتحديهم لأمر الملك هو استعدادهم للموت في طاعة إلههم عن الحياة في عصيانه. قالوا للملك نبوخذ نصر "يا نبةخذ نصر لا يلزمنا أن نجيبك عن هذا الأمر. هوذا يوجد إلهنا الذي نعبده يستطيع أن ينجينا من أتون النار المتقدة وأن ينقذنا من يدك أيها الملك. وإلا فليكن معلوماً لك أيها الملك أننا لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته" (دانيال 3: 16- 18) وكلمة "وإلا" مترجمة في الانجليزية "But if not" ومعناها "حتى إذا لم ينقذنا" " فليكن معلوماً لك أيها الملك أننا لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته".
لقد كانوا مستعدين للموت في طاعتهم لكلمة الرب وولائهم الكامل لشخصه، وكان هذا الاستعداد هو سر قوتهم ونصرتهم، كما يقول يوحنا الرسول عن الذين غلبوا الشيطان "وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت" 0رؤيا 12: 11).
يحتفظ لنا التاريخ بقصة حدثت في حياة يوحنا الذهبي الفم "John Chrysostom " كان هذا الرجل أحد الآباء العظماء في الكنيسة اليونانية، ولقد ولد سنة 347 ميلادية. وأحضروه أمام الإمبراطور في شبابه الباكر ليعطي جواباً عن إيمانه بالمسيح.
قال الإمبراطور ليوحنا ذهبي الفم: "إذا أصررت على إيمانك بالمسيح فسأنفيك من أرض أبيك".
أجاب الذهبي الفم "يا صاحب الجلالة، ليس في قدرتك أن تفعل هذا لأن العالم كله هو أرض أبي".
قال الإمبراطور: "إذاً فسآخذ منك كل ممتلكاتك". أجاب يوحنا كريستم "ولن تستطيع ذلك أيضاً. لأن كنوزي كلها في السماء".
قال الإمبراطور: "إذاً سأرسلك إلى مكان لن تجد فيه صديقاً تتحدث إليه".
أجاب كريستم: "لن تستطيع هذا لأن لي صديق ألزق من الأخ، سيكون يسوع صديقي وفادي معي على الدوام".
قال الإمبراطور: "سأحكم عليك بالإعدام.. سأحرمك الحياة".
قال كريستم: "وهذا أيضاً لن تستطيعه. لأن حياتي مستترة مع المسيح في الله".
بهذا الاستعداد للموت في طاعة الله غلب الغالبون.
*وكان العنصر السادس وراء شجاعتهم هو وضع القوة الزمنية الحاكمة في مكانها الصحيح. إن على المؤمن أن يخضع للسلطة الزمنية "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة. لأنه ليس سلطاناً إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله. حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة" (رومية 13: 1- 2) لكن حين يأمر "السلطان" أمراً يضاد مشيئة الله المعلنة في كلمته فهنا توضع سلطة الله فوق سلطة الإنسان.
لما أمر المجلس اليهودي الذي انعقد في أورشليم الرسولين بطرس ويوحنا "أن لا ينطقا البتة ولا يعلما باسم يسوع" (أعمال 4: 18) أجابهم بطرس ويوحنا وقالا "إن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله فاحكموا" (أعمال 4: 19).
وفي مناسبة أخرى أجاب بطرس والرسل المجمع اليهودي وقالوا "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس" (أعمال 5: 29).
هذا هو المبدأ الذي أعطى الشجاعة للرجال الثلاثة، سلطة الله فوق سلطة الناس.
* العنصر السابع وراء شجاعة هؤلاء الرجال هو الإيمان في قدرة الله. تركت هذا العنصر إلى النهاية لأنه وراء كل العناصر السابقة، فالإيمان هو العنصر الفعال في حياة النصرة. ويتحدث كاتب الرسالة إلى العبرانيين عن هذا العنصر الذي منه تنسج كل العناصر فيقول "وماذا أقول أيضاً لأنه يعوزني الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود والأنبياء. الذين بالإيمان قهروا ممالك. أطفأوا قوة النار" (عبرانيين 11: 32- 34).
لقد آمن هؤلاء الرجال بأن إلههم الحي يستطيع أن ينجيهم من أتون النار المتقدة وأن ينقذهم من يد الملك.
أثار هذا التحدي العلني الجريء غيظ الملك.
"حينئذ امتلأ نبوخذ نصر غيظاً وتغير منظر وجهه على شدرخ وميشخ وعبدنغو فأجاب وأمر بأن يحموا الأتون سبعة أضعاف أكثر مما كان معتاداً أن يحمي وأمر جبابرة القوة في جيشه بأن يوثقوا شدرخ وميشخ وعبدنغو ويلقوهم في أتون النار المتقدة. ثم أوثق هؤلاء الرجال في سراويلهم وأقمصتهم وأرديتهم ولباسهم وألقوا في وسط النار المتقدة. ومن حيث إن كلمة الملك شديدة والأتون قد حمي جداً قتل لهيب النار الرجال الذين رفعوا شدرخ وميشخ وعبدنغو. وهؤلاء الثلاثة الرجال شدرخ وميشخ وعبدنغو سقطوا موثقين في وسط أتون النار" (دانيال 3: 19- 23).
ظهر شر الملك نبوخذ نصر واضحاً في الأمر الذي أصدره بأن يحمي الأتون سبعة أضعاف.. فالأتون المحمي على أي مستوى كان كفيلاً بحرق الرجال الثلاثة وتحويل أجسادهم إلى رماد.. لكنه الغيظ البشري، وحب الانتقام ممن يتحدون سلطتننا البشرية.
ولقد خسر الملك بإصدار هذا الأمر، خسر جبابرة القوة في جيشه لأنه "من حيث إن كلمة الملك شديدة والأتون قد حمي جداً قتل لهيب النار الرجال الذين رفعوا شدرخ وميشخ وعبدنغو" (دانيال 3: 22).
والعالم دائماً هو الخاسر حين يحاول التخلص من أولاد الله بغضب وغيظ.
الزائر السماوي
"حينئذ تحير نبوخذ نصر الملك وقام مسرعاً فأجاب وقال لمشيريه ألم نلق ثلاثة رجال موثقين في وسط النار. فأجابوا وقالوا للملك صحيح أيها الملك. أجاب وقال ها أنا ناظر أربعة رجال محلولين يتمشون في وسط النار وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بابن الآلهة" (دانيال 3: 24- 25).
لهيب النار الذي قتل جبابرة القوة في جيش الملك نبوخذ نصر لم يؤثر في الرجال الثلاثة. والأتون المحمى سبعة أضعاف لم يحرقها.. كل ما فعلته النار أنها أحرقت وثقهم.. وهذا ما يحدث دائماً.. كلما قام اضطهاد نارى على أولاد وبنات الله.. نجد أن الاضطهاد يحرق قيودهم، ويفطمهم عن العالم، ويزيد قربهم من إلههم. فتنتعش الكنائس، ويزداد عدد اجتماعات الصلاة، ويمتلئ المؤمنون بشوق زائد لدراسة كلمة الله.
"ها أنا أربعة رجال محلولين يتمشون في وسط النار وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بابن الآلهة" (دانيال 3: 25).
ولكن من هو الرابع شبيه ابن الآلهة؟
في اعتقادنا أن هذا الرابع كان الرب يسوع المسيح في إحدى تجلياته الكثيرة للإنسان قبل تجسده من مريم العذراء. [اقرأ (تكوين 18: 1) و (يشوع 5: 13- 15) و (قضاة 13: 2- 23)].
لقد جاء يتمشى في وسط النار مع الرجال الثلاثة إتماماً لوعده "والآن هكذا يقول الرب خالقك يا يعقوب وجابلك يا إسرائيل. لا تخف لأني فديتك. دعوتك باسمك. أنت لي. إذا اجتزت في المياه فأنا معك وفي الأنهار فلا تغمرك. إذا مشيت في النار فلا تلذع واللهيب لا يحرقك" (أشعياء 43: 1- 2).
وقد يخطر ببالنا السؤال: لماذا لم يخرجهم الرب من النار؟ لماذا تمشى معهم وسط الأتون المتقد؟
والجواب إن الرب لم يخرج الرجال الثلاثة من وسط الأتون وتمشى معهم فيه ليعطى فرصة للملك نبوخذ نصر ليرى مدى قدرته الإلهية في حفظ أولاده، ومدى سلطانه على كل عناصر الطبيعة.
وهم لم يخرج هؤلاء الرجال الثلاثة من النار بل تمشى معهم ليكون له فرصة للحديث معهم.
ترى عن ماذا كلمهم الرب وهم يتمشون معه؟
هل كلمهم عن ميلاده العذراوي لإتمام الفداء؟ أو كلمهم عن مجيئه الثاني لتأسيس ملكوته السعيد؟
يقيناً إن الحديث الذي تحدث به الرب للرجال الثلاثة كان ممتعاً، وإنهم تمنوا أن يطول وجودهم وسط الأتون المتقد بالنار طالما كان الرابع شبيه ابن الآلهة سائراً معهم.
لقد أحرقت النار وثقهم، وأعطتهم فرصة ذهبية للتمتع بالحديث مع إلههم، وبالرفقة مع مخلصهم.
فمرحباً بالاضطهادات .. ومرحباً بالآلام .. مرحباً بالأحزان .. مرحباً بالأتون المحمي سبعة أضعاف مادام ابن الله المبارك يرافقنا وسط ضيقنا وأحزاننا.
الإنقاذ المعجزي
"ثم اقترب نبوخذ نصر إلى باب أتون النار المتقدة وأجاب فقال يا شدرخ وميشخ وعبدنغو يا عبيد الله العلي. اخرجوا وتعالوا. فخرج شدرخ وميشخ وعبدنغو من وسط النار. فاجتمعت المرازبة والشحن والولاة ومشيرو الملك ورأوا هؤلاء الرجال الذين لم تكن للنار قوة على أجسامهم وشعرة من رؤوسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأت عليهم" (دانيال 2: 26- 27).
يمكننا أن نتصور كبار رجال الإمبراطورية البابلية مجتمعين حول شدرخ وميشخ وعبدنغو يتحسسون أجسامهم، ويمسكون شعور رؤوسهم، ويشمون سراويلهم، ويقفون في ذهول أمام هذا الإنقاذ المعجزي، مقرين بعظمة وقدرة الإله الذي حفظ عبيده من أي تأثير للنار.
المرسوم الإمبراطوري
"فأجاب نبوخذ نصر وقال تبارك إله شدرخ وميشخ وعبدنغو الذي أرسل ملاكه وأنقذ عبيده الذين اتكلوا عليه وغيروا كلمة الملك وأسلموا أجسادهم لكيلا يعبدوا أو يسجدوا لإله غير ألههم. فمتى صدر أمر بأن كل شعب وأمة ولسان يتكلمون بالسوء على إله شدرخ وميشخ وعبدنغو بأنهم يصيرون إرباً إرباً وتجعل بيوتهم مزبلة إذ ليس إله آخر يستطيع أن ينجي هكذا، حينئذ قدم الملك شدرخ وميشخ وعبدنغو في ولاية بابل" (دانيال 3: 8- 3).
نتيجة هذا الإنقاذ المعجزي، بارك الملك نبوخذ نصر الله، لكنه باركه على اعتبار أنه "إله شدرخ وميشخ وعبدنغو" (دانيال 3: 8) وليس إلهه هو. تماماً كما فعل بعد أن أخبره دانيال بحلمه وتعبيره إذ قال "حقاً إن إلهكم إله الآلهة ورب الملوك وكاشف الأسرار" (دانيال 2: 47). فنبوخذ نصر رغم الحلم الذي رآه، والمعجزة الكبرى التي شاهدها بعينيه مازال ملكاً وثنياً. فالمعجزات لا تغير القلوب.
ولقد مدح الملك شدرخ وميشخ وعبدنغو لأنهم اتكلوا على إلههم، وغيروا كلمة الملك، وأسلموا أجسادهم للنار لكيلا يعبدوا أو يسجدوا لإله غير إلههم. وهذه شهادة لمدى أمانة هؤلاء الرجال، وولائهم المطلق لله الذي آمنوا به. إن الله يستخدم لمجده أولئك الذين يكرسون نفوسهم له بالتمام، ويضعون حياتهم على مذبحه حتى الموت.
وأصدر الملك نبوخذ نصر أمراً إلى كل الشعوب والأمم والألسنة في إمبراطوريته يحذرهم من الكلام بالسوء من يعصى هذا الأمر.
ويقف المرء متعجباً من ملك لم يعط لله قلبه، ولم يعترف به إلهاً له، ومع ذلك فهو يحمي اسمه؟!!
وتنتهي القصة التاريخية الواقعية بأن "قدم الملك شدرخ وميشخ وعبدنغو في ولاية بابل" (دانيال 3: 30).
والنجاح المادي يأتي نتيجة أمانتنا لله.
فأمانة يوسف أوصلته أن يكون رئيساً على كل أرض مصر.
وأمانة دانيال أوصلته إلى ق النجاح في ملك داريوس.
فالأمانة للرب هي مفتاح النجاح في كل دوائر الحياة.
"كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" (رؤيا 2: 10).
بقي أن نجيب على ثلاثة أسئلة هامة بخصوص هذا الإصحاح.
السؤال الأول: أين كان دانيال حين نصب الملك التمثال الذهبي؟
وبغير شك أن دانيال لم يكن موجوداً في بقعة دوراً في ذلك الوقت. لقد كان منصب دانيال في باب الملك (دانيال 2: 49) ولعل الملك أرسله في مهمة خاصة.. إن ما نعرفه عن دانيال أنه لو كان موجوداً في المشهد لكان أحد الذين ألقاهم الملك في وسط الأتون، فقد أبى في مناسبة أخرى أن يوجه الصلاة إلى الملك داريوس لمدة ثلاثين يوماً وألقي في جب الأسود.
وعدم ذكر دانيال في هذا الإصحاح دليل قاطع على وحي الكتاب المقدس، وصدقه، ودقته، لأنه لو كان سفر دانيال سفراً خيالياً كتب عن بطل اسمه دانيال كما يقول النقاد، لرأينا دانيال في المقدمة في كل قصصه وحوادثه، ولكن غياب دانيال عن المشهد يؤكد لنا أن السجل المقدس سجل لنا تاريخاً أميناً وحقيقياً.
والسؤال الثاني: لماذا تذكر هذه الحادثة التاريخية في سفر نبوي؟ وهل من علاقة بين ما حدث للرجال الثلاثة وبين النبوات المرتبطة بالأيام الأخيرة؟
ونجيب: بأننا حين ندرس سفر دانيال يجب أن لا يغرب عن بالنا أن حوادثه التاريخية هي نبوات كتابية. وما حدث للرجال الثلاثة أيام حكم نبوخذ نصر سوف يتكرر بصورة أبشع خلال حكم الحاكم العالمي القادم. فكما ساد روح الوثنية خلال هذه الحقبة من حكم نبوخذ نصر كذلك ستسود ذات الروح خلال حكم الحاكم العالمي القادم.
وإذا قمنا بمقارنة الإصحاح الثالث من سفر دانيال بالإصحاح الثالث عشر من سفر رؤيا يوحنا لرأينا مدى التشابه بين الإصحاحين.. فكما طالب نبوخذ نصر الملك شعب إمبراطوريته بعبادة تمثال الذهب والسجود له، كذلك سيطالب الحاكم العالمي القادم الساكنين على الأرض بالسجود له "فسيسجد له جميع الساكنين على الأرض الذين ليست أسماؤهم مكتوبة منذ تأسيس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذبح" (رؤيا 13: 8).
وكما هدد الملك نبوخذ نصر من يجسر على عصيان أمره بالحرق في أتون النار المتقدة. كذلك ستكون عبادة الحاكم العالمي القادم تحت تأثير الخوف، والخرافة، والاضطهاد، والقتل. (رؤيا 13: 15). وكما استخدم نبوخذ نصر تمثال الذهب الذي نصبه في محاولة توحيد شعوب إمبراطوريته سيستخدم الحاكم العالمي القادم دينه الجديد لتوحيد شعوب العالم تحت سيادته. وكما مر الرجال الثلاثة في النار دون أن يحترقوا، سيمر الأمناء في نار الضيقة العظيمة دون الاحتراق بها.
التاريخ المسجل في سفر دانيال إذاً هو تاريخ ونبوة في وقت واحد.
السؤال الثالث: ماذا كان يحدث لو سمح الرب باحتراق هؤلاء الرجال في الأتون المتقد بالنار؟ أما كان هذا يعني عجز الله عن إنقاذ الذين يتقونه؟
ونجيب: يقيناً لا... فالله يسمح أحياناً في ترك الذين يتقونه للألم والموت لغرض في قلبه. والرجال الثلاثة عرفوا هذه الحقيقة وقالوا للملك نبوخذ نصر "وإلا.." أي وحتى إذا لم ينقذنا إلهنا فلن نعبد آلهتك ولن نسجد للتمثال الذي نصبته.
وفي سجل أبطال الإيمان في الإصحاح الحادي عشر من الرسالة إلى العبرانيين نقرأ عن نوعين من الأبطال.. أبطال قهروا ممالك، وصنعوا براً، وأطفأوا قوة النار، وأبطال تحملوا الألم بصبر وتسليم.
"وماذا أقول أيضاً لأنه يعوزني الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء. الذين بالإيمان قهروا ممالك وصنعوا براً نالوا مواعيد سدوا أفواه أسود. أطفأوا قوة النار نجوا من حد السيف تقووا من ضعف صاروا أشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء. أخذت نساء أمواتهن بقيامة. وآخرون عذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل. وآخرون تجربوا في هزء وجلد ثم في قيود أيضاً وحبس. رجموا نشروا جربوا ماتوا قتلاً بالسيف طافوا في جلود غنم وجلود معزى معتازين مكروبين مذلين. وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم. تائهين في براري وجبال ومغائر وشقوق الأرض. فهؤلاء كلهم مشهود لهم بالإيمان" (عبرانيين 11: 32- 39).
وفي خلال حكم الحاكم العالمي القادم سينقذ الله بعضاً من أتقيائه، وسيسمح للبعض الآخر بأن يموتوا بيد هذا الحاكم الأثيم ليعطيهم إكليل الحياة.
فمهما كانت إرادة الله بخصوصك، فإن أهم ما يجب أن تعرفه هو أن "البار بالإيمان يحيا" (رومية 1: 17).

الفصل الرابع
إذلال الجبار

كما قلنا في السابق نعود فنقول إن الحوادث التاريخية المسجلة في سفر دانيال هي في ذات الوقت نبوات ترتبط بأزمنة الأمم والأيام الأخيرة.
فالإصحاح يرينا شعب الله مسبياً مبعثراً. والرب ليس الإله المعبود في الأرض لأنه لم يجلس بعد على كرسي داود أبيه.. وكيف سيذل كبرياء الحاكم العالمي القادم كما أذل كبرياء نبوخذ نصر.. وكيف سيتعامل مع كبرياء الأمم خلال الضيقة العظيمة.
بل إذا سرنا أكثر من ذلك لرأينا أن العالم خلال الضيقة العظيمة بقسميها. مبتدأ الأوجاع والضيقة في أوجها سيكون تحت حكم ملك مجنون سيقود العالم تحت حكمه إلى حالة جنون وفوضى إذ ينتشر القتل، والسحر، وعبادة الشياطين، والزنى، والقتل، والسرقة، وينحط الناس من مرتبة الإنسانية إلى درك الحيوانية. (رؤيا 9: 20) تماماً كما حدث مع نبوخذ نصر.
بل سنجد أن الحاكم العالمي القادم سيكون مقيداً بقيد من حديد أي بقوة الدولة الرومانية، ونحاس أي بفلسفات الدولة اليونانية كما يرمز إلى هاتين الدولتين في معادن التمثال الذي رآه الملك نبوخذ نصر في حلمه، وأنه سينتهي بالإذلال التام. (رؤيا 19: 19- 20).
ويجدر بنا أن نضع في أذهاننا الغرض الأصيل لما حدث للملك نبوخذ نصر. والغرض هو إعلان سيادة الله المطلقة وهيمنته الكاملة على كل من في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض كما نقرأ في الكلمات "لكي تعلم الأحياء أن العلي متسلط في مملكة الناس فيعطيها من يشاء وينصب عليها أدنى الناس" (دانيال 4: 17) وكما أقرأ الملك نبوخذ نصر بعد إذلاله الرهيب في كلماته "وعند انتهاء الأيام أنا نبوخذ نصر رفعت عيني إلى إله السماء فرجع إلى عقلي وباركت العلي وسبحت وحمدت الحي إلى الأبد الذي سلطانه سلطان أبدي وملكوته إلى دور فدور. وحسبت جميع سكان الأرض ولا يوجد من يمنع يده أو يقول له ماذا تفعل" (دانيال 4: 34- 35).
والآن إلى هذا الإصحاح الثمين وهو في مضمونه تسجيل لكلمات الملك نبوخذ نصر.
نقرأ في سفر أيوب الكلمات "لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الإنسان. في حلم في رؤيا الليل عند سقوط سبات على الناس في النعاس على المضجع. حينئذ يكشف آذان الناس ويختم على تأديبهم. ليحول الإنسان عن عمله ويكتم الكبرياء عن الرجل. ليمنع نفسه عن الحفرة وحياته من الزوال بحربة الموت. أيضاً يؤدب بالوجع على مضجعه ومخاصمة عظامه دائمة. فتكره حياته خبزاً ونفسه الطعام الشهي. فيبلى لحمه عن العيان وتنبري عظامه فلا ترى. وتقرب نفسه إلى القبر وحيلته إلى المميتين. إن وجد عنده مرسل وسيط واحد من ألف ليعلن للإنسان استقامته. يترأف عليه ويقول أطلقه عن الهبوط إلى الحفرة قد وجدت فدية. يصير لحمه أغض من لحم الصبي ويعود إلى أيام شبابه. يصلي إلى الله فيرضى عنه ويعاين وجهه بهتاف فيرد على الإنسان بره. يغنى بين الناس فيقول قد أخطأت وعوجت المستقيم ولم أجاز عليه. فدى نفسه من العبور إلى الحفرة فترى حياتي النور. هوذا كل هذه يفعلها الله مرتين وثلاثة بالإنسان. ليرد نفسه من الحفرة ليستنير بنور الأحياء" (أيوب 33: 14- 30).
ذكرت هذا النص بكامله من سفر أيوب، لأنه ينطبق تماماً على حياة الملك نبوخذ نصر، فقد كلمه الله مرتين، الأولى حين أراه الحلم النبوي العظيم، والثانية حين شاهد بعينيه الرابع شبيه ابن الآلهة يتمشى مع الرجال الثلاثة في وسط الأتون.
لكن الملك نبوخذ نصر لم يخضع وكان لا بد أن يتعامل الله معه بأسلوب جديد.
الملك الناضر المطمئن
يبدأ الإصحاح الرابع من سفر دانيال بالكلمات "من نبوخذ نصر إلى كل الشعوب والأمم والألسنة الساكنين في الأرض كلها. ليكثر سلامكم. الآيات والعجائب التي صنعها معي الله العلي حسن عندي أن أخبر بها. آياته ما أعظمها وعجائبه ما أقواها. ملكوته ملكوت أبدي وسلطانه إلى دور فدور" (دانيال 4: 1- 3).
بهذه الكلمات بدأ نبوخذ نصر خطابه إلى شعوب الأرض، وكأنه يقول كاتب المزمور "هلم اسمعوا فأخبركم يا كل الخائفين الله بما صنع لنفسي" (مزمور 66: 16) وبعد هذه المقدمة يتحدث عن الآيات والعجائب التي صنعها الله معه، والتي سنتحدث عنها فيما يلي من حديث. ويذكر أن الله هو "الله العلي" وهو اسم يتكرر كثيراً في سفر دانيال الذي يركز كل التركيز على سيادة الله المطلقة [اقرأ دانيال 2: 45- 4: 2- 24- 25- 34- 5: 18].
ثم يذكر أن ملكوت الله أبدي باق إلى دور فدور.
ويستطرد الملك نبوخذ نصر فيقول "أنا نبوخذ نصر قد كنت مطمئناً في بيتي وناضراً في قصري" (دانيال 4: 4).
لقد كان الملك نبوخذ نصر أعظم ملوك الإمبراطورية البابلية، جلب إلى بلاده خشب الأرز من لبنان، وغزا بجنوده الكثير من الأراضي وانتصر عليها، وأعطاه الله أرض مصر الغنية أجرة لجيشه كما نقرأ في سفر حزقيال "... أن كلام الرب كان إلي قائلاً. يا ابن آدم إن نبوخذ راصر ملك بابل استخدم جيشه خدمة شديدة على صور. كل رأس قرع وكل كتف تجردت ولم تكن له ولا لجيشه أجرة من صور لأجل خدمته التي خدم بها عليها. لذلك هكذا قال السيد الرب. هاأنذا أبذل أرض مصر لنبوخذ راصر ملك بابل فيأخذ ثروتها ويغنم غنيمتها وينهب نهبها متكون أجرة لجيشه. قد أعطيته أرض مصر لأجل شغله الذي خدم به لأنهم عملوا لأجلي يقول السيد الرب" (حزقيال 29: 17- 20).
بل إن الله أعطى للملك نبوخذ نصر سلطاناً واسعاً على الأرض كما نقرأ في سفر أرميا "هكذا قال رب الجنود.. إني أنا صنعت الأرض والإنسان والحيوان الذي على وجه الأرض بقوتي العظيمة وبذراعي الممدودة وأعطيتها لمن حسن في عيني والآن قد دفعت كل هذه الأراضي ليد نبوخذ نصر ملك بابل عبدي وأعطيته أيضاً حيوان الحقل ليخدمه. فتخدمه كل الشعوب وابنه وابن ابنه حتى يأتي وقت أرضه فتستخدمه شعوب كثيرة وملوك عظام" (ارميا 27: 5- 7) أعطى الله لنبوخذ نصر كل هذا السلطان. وكان نبوخذ نصر بناءً من طراز فريد فبنى بابل عاصمة ملكه في أبهة وعظمة حتى أطلقوا عليها اسم "المدينة الذهبية". وبنى حدائق بابل المعلقة وهي إحدى عجائب الدنيا السبع تكريماً لزوجته سميراميس
انتهت حروبه وغزواته، وأكمل مشروعاته البنائية الضخمة، وأصبح مطمئناً في بيته وناضراً في قصره، أي متمتعاً بنضرة الصحة الكاملة.
وليس هناك أخطر من الاطمئنان المؤسس على النجاح المادي والممتلكات الأرضية. لقد كان هذا لاطمئنان إحدى الخطايا التي تسببت في حرق سدوم كما يقول الرب في سفر حزقيال "هذا كان إثم أختك سدوم الكبرياء والشبع من الخبز وسلام الاطمئنان كان لها ولبناتها ولم تشدد يد الفقير والمسكين. وتكبرن وتعلمن الرجس أمامي فنزعتهن كما رأيت" (حزقيال 16: 49- 50).
ما أكبر الفرق بين هذا الاطمئنان الزائف، وبين الاطمئنان المؤسس على الاتكال الكلي على الرب، هذا الاطمئنان العذب الذي عبر عنه داود بكلماته "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف. الرب حصن حياتي ممن أرتعب.. إن نزل علي جيش لا يخاف قلبي. إن قامت علي حرب ففي ذلك أنا مطمئن" (مزمور 27: 1- 3).
دفع الاطمئنان الكاذب الملك نبوخذ نصر إلى الكبرياء. وليس بين الخطايا التي يتعرض لها البشر خطية أشد خطورة من الكبرياء، فهي خطية يكرهها الرب ويقاومها لأنها إعلان من الإنسان المتكبر عن استقلاله التام عن الله، وإنكار علني من جانبه لمراحم الله، وإحساسه باكتفائه الذاتي متصوراً نفسه في مرتبة الألوهية. لقد كانت الكبرياء هي خطية الشيطان التي تسببت في سقوطه المشين. والكبرياء خطية تنبع من القلب الشرير "لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة زنى فستق قتل، سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل. جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان" (مرقس 7: 21- 23).
والآن تعال معي لنقرأ بعض ما قاله الكتاب المقدس عن الكبرياء والمستكبرين.
"كذلك أيها الأحداث اخضعوا للشيوخ وكونوا جميعاً خاضعين بعضكم لبعض وتسربلوا بالتواضع لأن الله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (1 بطرس 5: 5).
"هذه.. يبغضها الرب.. وهي مكرهة نفسه. عيون متعالية" (أمثال 6: 16- 17).
"الرب حافظ الأمانة ومجاز بكثرة العامل بالكبرياء" (مزمور 31: 23).
"الكبرياء والتعظم وطريق الشر وفم الأكاذيب أبغضت" (أمثال 8: 13).
"تأتي الكبرياء فيأتي الهوان" (أمثال 11: 2).
"قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح" (أمثال 16: 18).
وقد حذر الرب يسوع تلاميذه من الكبرياء فقال "فمن يرفع نفسه يتضع" (متى 23: 12) (اقرأ أيضاً لوقا 14: 11- 18: 14).
الملك المنزعج الحزين
يستطرد نبوخذ نصر الملك فيقول "رأيت حلماً فروعني والأفكار على فراشي ورؤى رأسي أفزعتني. فصدر أمراً بإحضار جميع حكماء بابل قدامي ليعرفوني بتعبير الحلم. حينئذ حضر المجوس والسحرة والكلدانيون والمنجمون وقصصت الحلم عليهم فلم يعرفوني بتعبيره" (دانيال 4: 5- 7).
"ليس سلام قال إلهي للأشرار" (أشعياء 57: 21).
فطالما كان الإنسان بعيداً عن الله، لم يختبر خلاصه، ولم يذق حلاوة سلامه فإن أقل الأمور تزعجه.
فها هو الملك الأتوقراطي نبوخذ نصر يروعه حلم وتزعجه رؤى رأسه على فراشه.
أين سلطانه يريحه من الفزع؟!
وأين جيوشه تنقذه من الانزعاج؟!
وأين جلال ملكه يهبه سلام العقل؟!
كل هذه الأمور لا تعطي للإنسان راحة البال، ولا تهبه سلام العقل.
ولقد أخطأ نبوخذ نصر مرة ثانية وبدلاً من أن يلجأ إلى رجل الله من البداية أمر بإحضار المجوس والسحرة والكلدانيين والمنجمين، وقص عليهم حلمه فلم يعرفوه بتعبيره.
ومن أين لهؤلاء أن يعرفوا أفكار الله؟
لقد اعترف هؤلاء جميعهم بعجزهم عن معرفة أمور الله مرتين.. في المرة الأولى أرادوا معرفة الحلم لتعبيره، فلم يعرفوا الحلم ولا تعبيره (دانيال 2: 10) وفي المرة الثانية قص عليهم الملك حلمه ولم يعرفوه بالتعبير. (دانيال 4: 6- 7).
ليس في قدرة تلاميذ الشيطان تفسير أمور الله.
"وهكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله" (1 كورنثوس 2: 11).
ويتابع الملك نبوخذ نصر حديثه فيقول "أخيراً دخل قدامي دانيال الذي اسمه بلطشاصر كاسم إلهي والذي فيه روح الآلهة القدوسين فقصصت الحلم قدامه" (دانيال 4: 8).
كان يجب أن يأمر الملك بإحضار دانيال أولاً.. لكنه لجأ إلى عرافيه وحكمائه أولاً فلما أعلنوا عجزهم التام عن تعبير حلمه لجأ أخيراً إلى رجل الله. واعترف بأن فيه روح الآلهة القدوسين. الروح القدس الذي يرشد أولاد الله إلى جميع الحق.
قضاء الساهرين القدوسين
تابع الملك نبوخذ نصر حديثه فقال لدانيال "يا بلطشاصر كبير المجوس من حيث إني أعلم أن فيك روح الآلهة القدوسين ولا يعسر عليك سر فأخبرني برؤى حمي الذي رأيته وبتعبيره. فرؤى رأسي على فراشي هي أني كنت أرى فإذا بشجرة في وسط الأرض وطولها عظيم. فكبرت الشجرة وقويت فبلغ علوها إلى السماء ومنظرها إلى أقصى الأرض. أوراقها جميلة وثمرها كثير وفيها طعام للجميع وتحتها استظل حيوان البر وفي أغصانها سكنت طيور السماء وطعم منها كل البشر. كنت أرى في رؤى رأسي على فراشي وإذا بساهر وقدوس نزل من السماء. فصرخ بشدة وقال هكذا. اقطعوا الشجرة واقبضوا أغصانها وانثروا أوراقها وابذروا ثمرها ليهرب الحيوان من تحتها والطيور من أغصانها. ولكن اتركوا ساق أصلها في الأرض وبقيد من حديد ونحاس في عشب الحقل وليبتل بندى السماء وليكن نصيبه مع الحيوان في عشب الحقل. ليتغير قلبه عن الإنسانية وليعط قلب حيوان ولتمض عليه سبعة أزمنة. هذا الأمر بقضاء الساهرين والحكم بكلمة القدوسين لكي تعلم الأحياء أن العلي متسلط في مملكة الناس فيعطيها من يشاء وينصب عليها أدنى الناس. هذا الحلم رأيته أنا نبوخذ نصر الملك. أما أنت يا بلطشاصر فبين تعبيره لأن كل حكماء مملكتي لا يستطيعون أن يعرفوني بالتعبير. أما أنت فتستطيع لأن فيك روح الآلهة القدوسين" (دانيال 4: 9 _ 18).
تعبير الحلم سيأتي فيما يلي من حديث، ولكن الذي يهمنا أن تحدث عنه هنا هو "الساهر القدوس" (دانيال 4: 13) و "قضاء الساهرين... وكلمة القدوسين" (دانيال 4: 17).
لقد أثارت هذه النصوص الكثير من الجدل بين المفسرين. فقال بعضهم أن الساهر القدوس الذي نزل من لسماء هو ملاك وبالتالي فإن الساهرين في عدد 17 هم أيضاً ملائكة واعتمدوا في تفسيرهم على كلمات سفر زكريا "فتفرح أولئك السبع.. إنما هي أعين الرب الجائلة في كل الأرض" (زكريا 4: 10) وعلى ما جاء في سفر أشعياء 62: 6 "على أسوارك يا أورشليم أقمت حراساً لا يسكتون كل النهار وكل الليل على الدوام"
ولكننا نخالف هؤلاء المفسرين ونقول أن الساهر القدوس هو الرب الذي نقرأ عنه "في كل مكان عينا الرب مراقبتين الطالحين والصالحين" (أمثال 15: 3) ونقرأ عنه أيضاً "عيناه تراقبان الأمم" (مزمور 66: 7). وهو بذاته الذي قضى وحكم على نبوخذ نصر بأن يتغير قلبه عن الإنسانية ويعطى قلب حيوان. ولا يعقل أن يصدر هذا القضاء وهذا الحكم من الملائكة إذ ليس في قدرة الملائكة أن يقضوا قضاء أو يصدروا حكماً.
ويتفق هذا التفسير مع كلمات دانيال للملك "وحيث رأى الملك ساهراً وقدوساً نزل من السماء وقال اقطعوا الشجرة وأهلكوها ولكن اتركوا ساق أصلها في الأرض... فهذا هو التعبير أيها الملك وهذا هو قضاء العلي الذي يأتي على سيدي الملك" (دانيال 4: 23 و 24).
فالقضاء هو قضاء العلي "قضاء الساهرين" والحكم هو حكم العلي "كلمة القدوسين" (دانيال4: 17).
أما كيف يتحدث الكتاب عن الله بلغة الجمع لا بلغة المفرد فأننا نرى هذا في اسم الجلالة "الوهيم" وهو اسم جمع لله. ونجد هذا الاسم "الوهيم" في تكوين 1: 1، فالذي قضى وحكم على الملك نبوخذ نصر هو الثالوث العظيم، وفي سفر دانيال يظهر الثالوث بصورة واضحة. فنحن نرى الله الآب "القديم الأيام" (دانيال 7: 9) والله الابن "مثل ابن الإنسان" (دانيال 7: 13) والله الروح القدس ساكناً في دانيال ومعطياً إياه الحكمة والمعرفة ومرشداً له في تعبير أحلام الملك. (دانيال 4: 8 و 9 و 18).
ويعترف الملك في حديثه لدانيال بأن قدرته على تعبير الحلم مصدرها الروح القدس الذي فيه فيقول له "أما أنت فتستطيع لأنك فيك روح الآلهة القدوسين" (دانيال 4: 18).
"حينئذ تحير دانيال الذي اسمه بلطشاصر ساعة واحدة وأفزعته أفكاره. أجاب الملك وقال بلطشاصر لا يفزعك الحلم ولا تعبيره. فأجاب بلطشاصر وقال يا سيدي الحلم لمبغضيك وتعبيره لأعاديك. الشجرة التي رأيتها التي كبرت وقويت وبلغ علوها إلى السماء ومنظرها إلى كل الأرض. وأوراقها جميلة وثمرها كثير وفيها طعام للجميع وتحتها سكن حيوان البر وفي أغصانها سكنت طيور السماء. إنما هي أنت يا أيها الملك الذي كبرت وتقويت وعظمتك قد زادت وبلغت علوها إلى السماء وسلطانك إلى أقصى الأرض. وحيث رأى الملك ساهراً وقدوساً نزل من السماء وقال اقطعوا الشجرة وأهلكوها ولكن اتركوا ساق أصلها في الأرض وبقيد من حديد ونحاس في عشب الحقل وليبتل بندى السماء وليكن نصيبه مع حيوان البر حتى تمضي عليه سبعة أزمنة. فهذا هو التعبير أيها الملك وهذا هو قضاء العلي الذي سيأتي على سيدي الملك. يطردونك من بين الناس وتكون سكناك مع حيوان البر ويطعمونك العشب كالثيران ويبلونك بندى السماء فتمضي عليك سبعة أزمنة حتى تعلم أن العلي متسلط في مملكة الناس ويعطيها من يشاء. وحيث أمروا بترك ساق أصول الشجرة فإن مملكتك تثبت لك عندما تعلم أن السماء سلطن. لذلك أيها الملك فلتكن مشورتي مقبولة لديك وفارق خطاياك بالبر وآثامك بالرحمة للمساكين لعله يطال اطمئنانك" (دانيال 4: 19 _ 27).
يلخص المفسر المعروف "كيل Keil" الموقف الذي مر به دانيال فيقول "لقد عرف دانيال تعبير الحلم في الحال، ولكنه تحير وأفزعته أفكاره بسبب معرفته بما قضى به الله على الملك. ولقد أفزعته أفكاره أيضاً لأنه كان يتمنى للملك نبوخذ نصر كل خير، ولأنه كان عليه أن يخبر الملك بقضاء الله المخيف عليه"
ويقيناً أن دانيال لم يبق صامتاً ساعة واحدة بسبب معرفته لتعبير الحلم وما يعنيه للملك، بل بالأكثر لأنه أراد أن يتلقى إرشاداً سماوياً عن كيف ينقل تعبير الحلم بكلمات مناسبة يخبر بها الملك عن المصير المحزن الذي قضى به الله العلي عليه.
أحس الملك بفزع دانيال، ولعله قرأ هذا الفزع على قسمات وجهه فقال ل "لا يفزعك الحلم ولا تعبيره" (دانيال 4: 19( واستخدم دانيال كلمات حكيمة تليق بملك سيمر بمحنة رهيبة، ولم تكن الكلمات تملقاً فدانيال لم يعرف التملق بل كانت إعداداً للملك ليستمع إلى التعبير.
قال دانيال للملك "يا سيدي الحلم لمبغضيك وتعبيره لأعاديك" واستطرد يقول "الشجرة التي رأيتها التي كبرت وقويت وبلغ علوها إلى السماء ومنظرها إلى كل الأرض وأوراقها جميلة وثمرها كثير وفيها طعام للجميع وتحتها سكن حيوان البر وفي أغصانها سكنت طيور السماء. إنما هي أنت يا أيها الملك الذي كبرت وتقويت وعظمتك قد زادت وبلغت إلى السماء وسلطانك إلى أقصى الأرض" (دانيال 4: 19 _ 22).
استخدم الكتاب المقدس في أكثر من موضع الشجر كرمز للإنسان سواء كان باراً أم شريراً.
يقول داود عن الإنسان البار الذي يلهج في ناموس الرب نهاراً وليلاً "فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه. التي تعطي ثمرها في أوانه. وورقها لا يذبل. وكل ما يصنعه ينجح" (مزمور 1: 3) ويقول عن الإنسان الشرير "قد رأيت الشرير عاتياً وارفاً مثل شجرة ناضرة. عبر فإذا هو ليس بموجود والتمسته فلم يوجد" (مزمور 27: 35 و 36).
ونبوخذ نصر الملك كان مثل شجرة شارقة ناضرة أكل الجميع من ثمرها وتحتها استظل حيوان البر، وبلغ سلطانه إلى أقصى الأرض.
ويتابع دانيال تعبيره فيقول "وحيث رأى الملك ساهراً وقدوساً نزل من السماء وقال اقطعوا الشجرة وأهلكوها ولكن اتركوا ساق أصلها في الأرض وبقيد من حديد ونحاس في عشب الحقل وليبتل بندى السماء وليكن نصيبه مع حيوان البر حتى تمضي سبعة أزمنة. فهذا هو التعبير أيها الملك وهذا هو قضاء العلي الذي يأتي على سيدي الملك. يطردونك من بين الناس وتكون سكناك مع حيوان البر ويطعمونك كالثيران ويبلونك بندى السماء فتمضي عليك سبعة أزمنة حتى تعلم أن العلي متسلط في مملكة الناس ويعطيها من يشاء. وحيث أمروا بترك ساق أصول لشجرة فإن مملكتك تثبت لك عندما تعلم أن السماء سلطان. لذلك أيها الملك فلتكن مشورتي مقبولة لديك وفارق خطاياك بالبر وآثامك للمساكين لعله يطال اطمئنانك" (دانيال 4: 23 _ 27).
لقد أعلن دانيال للملك نبوخذ نصر إن الغرض الإلهي من المحنة التي سيمر بها أن يعلم أن العلي متسلط في مملكة الناس ويعطيها من يشاء. وهذا ذات ما سمعه نبوخذ نصر في حلمه "هذا الأمر بقضاء الساهرين والحكم بكلمة القدوسين لكي تعلم الأحياء أن العلي متسلط في مملكة الناس فيعطيها من يشاء وينصب عليها أدنى الناس" (دانيال 4: 17).
فغرض الله من محنة نبوخذ نصر هو أن يعلن له سيادته التامة وسلطانه المطلق على خليقته. وأن يريه أن الله يأتي بأدنى الناس ويجعله سيداً لشعبه فهو وحده صاحب السلطان المطلق. وهذا ما سجله حزقيال بكلماته "هكذا قال السيد الرب.. فتعلم جميع أشجار الحقل إني أنا الرب وضعت الشجرة الرفيعة ورفعت الشجرة الوضيعة ويبست الشجرة الخضراء وأفرخت الشجرة اليابسة. أنا الرب تكلمت وفعلت" (حزقيال 17: 22 و 24).
وعرّف دانيال الملك أن محنته ستدوم "سبعة أزمنة" (دانيال 4: 23) والزمان الكتابي هو سنة، والسبعة الأزمنة سبع سنين ويتضح هذا المفهوم مما جاء في سفر رؤيا يوحنا حيث نقرأ "والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع معد من الله لكي يعولوها هناك ألفاً ومئتين وستين يوماً" (رؤيا 12: 6) أي ثلاث سنين ونصف ويعود كاتب الرؤيا فيقول "فأعطيت المرأة جناحي النسر العظيم لكي تطير إلى البرية إلى موضعها حيث تعال زماناً وزمانين ونصف زمان من وجه الحية" (رؤيا 12: 14). فالثلاث سنين ونصف عبر عنها الوحي بأنها زمان وزمانين ونصف زمان. وعلى هذا يكون الزمان سنة كاملة وتكون مدة جنون الملك نبوخذ نصر سبع سنوات.
بعد أن أنهى دانيال حديثه عن تعبير الحلم قدم للملك مشورة صالحة فقال له "فلتكن مشورتي مقبولة لديك وفارق خطاياك بالبر وآثامك بالرحمة للمساكين لعله يطال اطمئنانك" (دانيال 4: 27) هنا يقف دانيال من الملك موقف المبشر لا موقف المعبر، ويقدم له مشورة هي في مضمونها رسالة الانجيل. فهو أولاً يتعامل مع خطايا الملك بغير خوف أو تملق ويطالبه بالتوبة الحقيقية.
"فارق خطاياك" (دانيال 4: 27)
والتوبة الحقيقية هي ترك الخطية.. مفارقة الخطية "ليترك الشرير طريقه ورجل الاثم أفكاره وليتب إلى الرب فيرحمه وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران" (أشعياء 55: 6).
لقد ارتكب نبوخذ نصر الكثير من الخطايا والآثام في ملكه، وكان عليه أن يتوب ليهبه الله بره الصحيح.
وفي مشورة دانيال للملك نرى كيف أنه يتوسل إليه لكي يسلم حياته لله، وهو أمر يعلن عن مدى شجاعة دانيال كخادم للرب، ويدفعنا إلى تقدير خادم الرب الأمين كل التقدير.
لقد طبق دانيال كلمات بولس التي قالها تيموثاوس "اكرز بالكلمة اعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب. وبخ انتهر عظ بكل أناة وتعليم" (2 تيموثاوس 4: 2).
وأشار أن الملك استمع إلى مشورة دانيال بغير اكتراث، وأنه لم يتب، لكن دانيال نجى نفسه من دم الملك الذي أصر على طريقه الأثيم. (اقرأ حزقيال 33: 7 _ 10)
الملك المجنون
"كل هذا جاء على نبوخذ نصر الملك. ند نهاية اثني عشر شهراً كان يتمشى على قصر مملكة بابل. وأجاب الملك فقال أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك بقوة اقتداري ولجلال مجدي. والكلمة بعد بفم الملك وقع صوت من السماء قائلاً "لك يقولون يا نبوخذ نصر الملك إن الملك قد زال عنك. ويطردونك من بين الناس وتكون سكناك مع حيوان البر ويطعمونك العشب كالثيران فتمضي عليك سبعة أزمنة حتى تعلم أن العلي متسلط غي مملكة الناس وانه يعطيها من يشاء" (دانيال 4: 28 _ 32).
"في تلك الساعة تم الأمر على نبوخذ نصر فطرد من بين الناس وأكل العشب كالثيران وابتل جسمه بندى السماء حتى طال شعره مثل النسور وأظفاره مثل الطيور" (دانيال 4: 28 _ 33).
"الكثير التوبخ المقسى عنقه بغتة يكسّر ولا شفاء" (أمثال 29: 1).
وقد وبخ الله الملك أكثر من مرة، وكلمه بالأحلام ومع ذلك لم يسمع، وكان لا بد أن يكسر.
وقد كسر الله الملك بغتة عندما ظهرت كبرياؤه واضحة، فقال في زهوه وتجبره "أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك بقوة اقتداره؟.. وأين جلال مجده؟
لقد تغير قلبه أو بتعبير آخر تغير عقله، فالقلب والعقل مترادفان في كلمة الله، واعطى عثل حيوان.
(اقرأ جامعة 2: 1 ولوقا 2: 51) لقد ضربه الله بالجنون.. جنون من النوع الذي يسميه طب العقل
"Lycanthropy"، وهو جنون يجعل من يصاب به يتصور أنه ذئب.. وفي حالة نبوخذ نصر تصور الملك بأنه ثور. ويسجل قاموس الطب النفسي "Dictionary of Psychological Medicine" : "إن هذا النوع من الجنون يسبب الفقدان التام لشخصية المريض به واعتقاده بأنه تغير إلى حيوان.. واكتشاف هذه الحقائق يعد من أهم الاكتشافات في تاريخ علم النفس"
لقد جن الملك العظيم، ضربه الله بالجنون بسبب كبريائه "قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح" (أمثال 16: 18)
ولسبع سنين عاش الملك نبوخذ نصر في هذا الهوان.
من الذي قام بمهام العرش خلال مدة جنونه؟
لعل دانيال قد قام بدور كبير في إعطاء المشورة لرجال البلاط الملكي. ولعله أخبرهم عن المدة الزمنية التي سيقضيها الملك بمرضه العقلي الذي نزل به إلى مرتبة الحيوان. ويقال أن الملكة زوجة نبوخذ نصر قد لعبت دوراً هاماً خلال هذه الحقيبة من التاريخ، وكانت تحترم وتقدر مشورة دانيال كل التقدير (دانيال 5: 9 - 12)
الملك المتجدد المتزن
"وعند انتهاء الأيام أنا بنوخذ نصر رفعت عيني إلى السماء فرجع إلى عقلي وباركت العلي وسبحت وحمدت الحي إلى الأبد الذي سلطانه سلطان أبدي وملكوته إلى دور فدور. وحسبت جميع سكان الأرض كلا شيء وهو يفعل كما يشاء في جند السماء وسكان الأرض ولا يوجد من يمنع يده أو يقول له ماذا تفعل. في ذلك الوقت رجع إليّ عقلي وعاد إليّ جلال مملكتي ومجدي وبهائي وطلبني مشيري وعظمائي وتثبت على مملكتي وازدادت لي عظمة كثيرة. فالآن عدل ومن يسلك بالكبرياء فهو قادر على أن يذله" (دانيال 4: 34 - 37)
يقول الملك "وعند انتهاء الأيام أنا نبوخذ نصر رفعت عيني إلى السماء فرجع إليّ عقلي" (دانيال 4: 34)
لا شك أن الله أعطاه هذه المعرفة بكيفية ما، وعندئذ رفع عينيه إلى السماء. ورفع العينين إلى السماء يعني رفع العينين إلى الله ساكن السماء. وهذا نراه في كلمات دانيال "عندما تعلم أن السماء سلطان" (دانيال 4: 26) أو بمعنى آخر عندما تعلم أن ساكن السماء سلطان. وهو تعبير يقال حتى في لغتنا الحديثة فنحن نشير إلى الملك بقولنا "القصر الملكي" وحين يقوم نزاع بين الملك وبين حزب من الأحزاب يقال "نزاع بين القصر والحزب أياً كان اسمه".
وعندما رفع نبوخذ نصر عينيه إلى الله ساكن السماء يقول "فرجع إليّ عقلي" وهو هنا كالابن الضال الذي نقرأ عنه "فرجع إلى نفسه" (لوقا 15: 17)
وعندما يرجع الإنسان إلى عقله ويرفع عينيه إلى الله لا بد أن يبارك الله... لقد تجدد الملك نبوخذ نصر.. عرف الله الحي الحقيقي تاب عن كبريائه.
اسمعه يقول "فرجع إليّ عقلي وباركت العلي وسبحت وحمدت الحي إلى الأبد الذي سلطانه أبدي وملكوته إلى دور فدور" (دانيال 4: 34)
لقد مجد اسم الله، وسبح وحمد الإله الحقيقي وحده، وعرف يقيناً أنه صاحب السلطان الأبدي، وإن سلطانه لا يحد بحدود زمنية كسلطان الإمبراطورية البابلية التي ستعقبها الإمبراطورية الفارسية، وإنما سلطانه وملكوته إلى دور فدور.
وعرف نبوخذ نصر ما عرفه أشعياء النبي عنه بالكلمات "هوذا الأمم كنقطة من دلو وكغبار الميزان تحسب.. كل الأمم كلا شيء قدامه. ومن العدم والباطل تحسب عنده" (أشعياء 40: 15 و 17). وها هو الملك يقول "وحسبت جميع سكان الأرض كلا شيء".
وعرف الملك سيادة الله المطلقة في الكون كله.. في السماء وعلى الأرض.. وسلطانه الكامل الذي لا يقف أمامه أحد. "وهو يفعل كما يشاء في جند السماء وسكان الأرض ولا يوجد من يمنع يده أو يقول له ماذا يفعل" (دانيال 4: 35). قديماً قال عنه أيوب "إذا خطف فمن يرده ومن يقول له ماذا تفعل" (أيوب 9: 12) وقال عنه داود "الرب في السموات ثبت كرسيه ومملكته على الكل تسود" (مزمور 103: 19)
مع عودة الملك إلى اتزانه وعقله، أعاد الله له جلال مملكته وهذا عمل نعمة الله تغفر خطايانا، وتعطينا قلباً جديداً، وفي ذات الوقت تمنحنا كل شيء بغنى للتمتع. وهكذا يقول نبوخذ نصر "عاد إلى جلال مملكتي وبهائي... وتثبت على مملكتي وازدادت لي عظمة كثيرة" (دانيال 4: 36)
كانت آخر كلمات نبوخذ نصر في خطابه التاريخي واختباره الفريد "فالآن أنا نبوخذ نصر أسبح وأعظم وأحمد ملك السماء الذي كل أعماله حق وطرقه عدل ومن يسلك بالكبرياء فهو قادر على أن يذله" (دانيال 4: 37)
خرج نبوخذ نصر من حمأته وبدأ يسبح الله، وكأنه يقول مع داود "انتظاراً انتظرت الرب فمال إليّ وسمع صراخي. وأصعدني من جب الهلاك من طين الحمأة وأقام على صخرة رجلي. ثبت خطواتي وجعل في فمي ترنيمة جديدة تسبيحة لإلهنا. كثيرون يرون ويخافون ويتوكلون على الرب" (مزمور 40: 1 - 3)
وعرف الملك ثلاث حقائق هامة عن الله.
أولاً: أن كل أعماله حق
ثانياً: أن كل طرقه عدل "عادلة وحق هي طرقك يا ملك القديسين" (رؤيا 15: 3)
ثالثاً: أن من يسلك بالكبرياء فهو قادر على أن يذله.
ويسترعي إلى انتباهنا أن نبوخذ نصر لم يصدر أمراً ملكياً في إمبراطوريته يأمر فيه رعاياه بعبادة الله.. وذلك لأنه أدرك أن اختبار الخلاص لا يوهب بالأوامر الملكية وإنما هو اختبار فردي مؤسس على الإيمان الشخصي القلبي بالإله الحي. لقد عرف أن الله العلي ليس بحاجة إلى من يقاتل عنه. كل ما فعله الملك أنه عظم الله وحمده، وافتخر بمعرفته له وهذا قصد الله في حياة كل مؤمن.
"هكذا قال الرب. لا يفتخرن الحكيم بحكمته ولا يفتخر الجبار بجبروته ولا يفتخر الغني بغناه. بل بهذا ليفتخرن المفتخر بأنه يفهم ويعرفني أني أنا الرب الصانع رحمة وقضاء وعدلاً في الأرض لأني بهذه أسر يقول الرب" (إرميا: 9: 23 و 24)
هذا ما فعله نبوخذ نصر، وإني لفي شوق للقاء الملك العظيم، حين يتلاشى الزمن وندخل في رخاب الأبدية السعيدة..
__________________


آخر تعديل بواسطة ناجح ناصح جيد ، 30-05-2010 الساعة 09:57 PM
القس عادل منصور غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-05-2010, 09:35 PM   #2
القس عادل منصور

خادم الرب

 
الصورة الرمزية القس عادل منصور
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 876
القس عادل منصور is on a distinguished road
افتراضي تفسيركامل لسفر دانيال-الجزء الثانى-بقلم الدكتور القس لبيب ميخائيل

الفصل الخامس
نهاية الإمبراطورية البابلية

خطر ببالي عدة عناوين لهذا الفصل، كان من الممكن أن يكون العنوان "نهاية الاستهتار الملكي"، وكان من الممكن أن يكون "ملك في موازين الله"، وكان من الممكن أن يكون "اليد الكاتبة على الحائط" ولكنني فضلت أخيراً أن يكون "نهاية الإمبراطورية البابلية" لأن هذا العنوان يتفق مع المسيرة النبوية للسفر.
يقدم الإصحاح الخامس من سفر دانيال حادثاً تاريخياً كما يقدم حديثاً نبوياً. أما الحادث التاريخي فهو المشهد الذي انتهت به الإمبراطورية البابلية وحلت محلها الإمبراطورية الفارسية المادية. وأما الحديث النبوي فهو أن هذه النهاية التي وصلت إليها بابل القديمة ستكون حتماً نهاية بابل الدينية، وبابل المدينة.
في بابل القديمة نور كيف ارتبطت الخطايا الجسدية بالعبادات الوثنية "كانوا يشربون الخمر ويسبحون آلهة الذهب والفضة والنحاس والحديد والخشب والحجر" (دانيال 5: 4). وفي بابل الدينية نجد ذات الارتباط بين ما يسمونه عبادة الله وبين الخطايا الجسدية الشريرة، فبابل الدينية نراها في سفر رؤيا يوحنا الإصحاح السابع عشر "متسربلة بأرجوان وقرمز ومتحلية بذهب وحجارة كريمة ولؤلؤ ومعها كأس من ذهب في يدها مملوءة رجاسات ونجاسات زناها" (رؤيا 17: 4). في بابل القديمة كان الناس يسبحون آلهة الذهب والفضة والنحاس والحجر والخشب، وفي بابل الدينية نرى أن الناس "لم يتوبوا عن أعمال أيديهم حتى لا يسجدوا للشياطين وأصنام الذهب والفضة والنحاس والحجر والخشب" (رؤيا 9: 20). وبابل المدينة القديمة سقطت فجأة (دانيال 5: 30 و 31) وبابل المدينة الحديثة ستسقط فجأة "من أجل ذلك في يوم واحد ستأتي ضرباتها موت وحزن وجوع وتحترق بالنار لأن الرب الإله الذي يدينها قوي.. المدينة العظيمة بابل المدينة القوية. لأنه في ساعة واحدة جاءت دينونتك" (رؤيا 18: 8 و 10). ويصف يوحنا الرائي سقوط بابل الفجائي بكلماته "ورفع ملاك واحد قوي حجراً كرحى عظيمة ورماه في البحر قائلاً هكذا بدفع سترمى بابل المدينة العظيمة ولن توجد في ما بعد" (رؤيا 18: 21)
الكنيسة في هذا العصر تسير بسرعة مذهلة نحو التنظيم البابلي، حيث تتوحد الطوائف المسيحية في كنيسة واحدة تتحد مع الديانات العالمية بحجة أو هذا هو الطريق إلى السلام العالمي.
وفي بابل الدينية ترتكب أبشع وأفظع الخطايا. وفي بابل المدينة نجد التجارة في أجساد ونفوس الناس (رؤيا 18: 13)
وستنتهي بابل الدينية، وبابل المدينة كما انتهت بابل القديمة.
والملك الذي جاءت على يديه نهاية بابل القديمة "بيلشاصر"، هو رمز للحاكم العالمي القادم الذي ستأتي على يديه نهاية بابل الحديثة سواء كانت بابل الدينية أو بابل المدينة. فبيلشاصر الملك استهان بآنية بيت الله، والحاكم العالمي القادم سيكون "المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلهاً أو معبوداً" (2 تسالونيكي 2: 9) والذي سيعطيه الشيطان "قدرته وعرشه وسلطاناً عظيماً" (رؤيا 13: 2).. سيكون أن "الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه" (2 تسالونيكي 2: 8)
وهكذا نرى أن الحادث التاريخي كان رمزاً لإتمام الحديث النبوي في نهاية الأيام.
والآن إلى تفسير الإصحاح الخامس من سفر دانيال.
الخطايا الملكية
"بيلشاصر الملك صنع وليمة عظيمة لعظائمه الألف وشرب خمراً قدام الألف. وإذ كان بيلشاصر يذوق الخمر أمر بإحضار آنية الذهب والفضة التي أخرجها نبوخذ نصر أبوه من الهيكل الذي في أورشليم ليشرب بها الملك وعظماؤه وزوجاته وسراريه. حينئذ أحضروا آنية الذهب التي أخرجت من هيكل بيت الله الذي في أورشليم وشرب بها الملك وعظماؤه وزوجاته وسراريه. كانوا يشربون الخمر ويسبحون آلهة الذهب والفضة والنحاس والحديد والخشب والحجر" (دانيال 5: 1 - 4)
بيلشاصر الملك ومعنى اسمه "ليحفظ بيل الملك" هو ابن الملك نبونيدس Nabonidus، وقد جعله أبوه شريكاً له في الملك ما بين سنة 556 – 539 قبل الميلاد. وكان بيلشاصر حفيداً للملك نبوخذ نصر، ويرجح المؤرخون أنه كان شريكاً له في الملك. ويتفق التاريخ البابلي مع التاريخ الكتابي، فعندما أدخل دانيال إلى قدام الملك بيلشاصر ليقرأ الكتابة التي كتبتها اليد الكاتبة قال له الملك "فإن استطعت الآن أن تقرأ الكتابة وتعرفني بتفسيرها فتلبس الأرجوان (الرداء الملكي) وقلادة من ذهب في عنقك وتتسلط ثالثاً في المملكة" (دانيال 5: 16) كان نبونيدس هو الأول، وبيلشاصر هو الثاني، وكان الوعد الملكي أن يكون دانيال هو الحاكم الثالث في المملكة.
لا نعلم لأية مناسبة صنع بيلشاصر الملك هذه الوليمة العظيمة. لعل المناسبة كانت عيد ميلاده.. أو لعلها كانت عيد جلوسه على العرش، أو ذكرى انتصاره في معركة شهيرة.. كيفما كانت المناسبة فقد صنع الملك هذه الوليمة لعظائمه الألف. وخلال هذه الوليمة العظيمة ارتكب بيلشاصر عدة خطايا.
خطة تدنيس الأواني المقدسة الهيكلية
"وإذ كان بيلشاصر يوق الخمر أمر بإحضار آنية الذهب والفضة التي أخرجها نبوخذ نصر أبوه من الهيكل الذي في أورشليم ليشرب بها الملك وعظماؤه وزوجاته وسراريه. حينئذ أحضروا آنية الذهب التي أخرجت من هيكل الله الذي في أورشليم وشرب بها الملك وعظماؤه وزوجاته وسراريه" (دانيال 5: 2 و 3)
لقد رأينا في الإصحاح الأول كيف ذهب الملك نبوخذ نصر إلى أورشليم وحاصرها. ولم تكن قوته العسكرية هي التي أعطته النصر، بل كان الرب سيد الأرض كلها هو الذي سلم لنبوخذ نصر يهو ياقيم وبعض آنية بيت الله.
"وسلم الرب بيده يهو ياقيم ملك يهوذا مع بعض آنية بيت الله فجاء بها إلى أرض شنعار إلى بيت إلهه وأدخل الآنية إلى خزانة بيت إلهه" (دانيال 1: 2)
هذه الآنية كانت آنية مقدسة. بمعنى أنها كانت مخصصة بالكلية للاستخدام في بيت الله. ولكن بيلشاصر في كبرياء قلبه تحدى الإله الحي، واستهان بآنيته المقدسة فأمر بإحضار آنية الذهب والفضة التي أخرجها نبوخذ نصر أبوه من الهيكل ليشرب بها الخمر في وليمته الماجنة. وكان استخدام آنية بيت الله في هذه الوليمة الدنسة تعظماً على رب السماء كما قال دانيال للملك بيلشاصر "بل تعظمت على رب السماء فأحضروا قدامك آنية بيته وأنت وعظماؤك وزوجاتك وسراريك شربتم بها الخمر وسبحت آلهة الفضة والذهب والنحاس والحديد والخشب والحجر التي لا تبصر ولا تسمع ولا تعرف. أما الله الذي بيده نسمتك وله كل طرقك فلم تمجده" (دانيال 5: 23)
وهنا يجدر بنا أن نذكر أن جسد المؤمن هو آنية مقدسة لخدمة الرب.
"أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل الروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم. لأنكم قد اشتريتم بثمن. فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي الله" (1كورنثوس 6: 19 و 20)
وأن من يدنس هذا الجسد بالزنا أ, بالخمر يعرض نفسه للوقوع تحت يد التأديب الإلهي "مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي" (عبرانيين 10: 31)
"أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لأن هيكل الله مقدس الذي أنتم هو" (1 كورنثوس 2: 16 و 17)
ولقد دنس أحد المؤمنين في كنيسة كورنثوس جسده بالزنى مع امرأة أبيه، وحكم عليه بولس الرسول قائلاً "قد حكمت.. باسم ربنا يسوع المسيح.. أن يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كورنثوس 5: 3 - 5)
إ، على المؤمن أن يحفظ نفسه طاهراً لكي يستخدمه الرب حسب إرادته كما يقول بولس لتيموتاوس "ولكن في بين كبير ليس آنية من ذهب وفضة فقط بل من خشب وخزف أيضاً وتلك للكرامة وهذه للهوان. فإن طهر أحد نفسه من هذه يكون إناء للكرامة مقدساً نافعاً للسيد مستعداً لكل عمل صالح" (2 تميوثاوس 2: 20 و 21)
وكما أن حياة القداسة، أي حياة الانفصال عن الشر، والتكريس الكامل للرب هي شرط لجعل المؤمن مستعداً لكل عمل صالح، كذلك معرفة الكتاب المقدس ودرسه وفهمه والتشبع بحقائقه ومعانيه يجعل المؤمن متأهباً لكل عمل صالح كما قال بولس لتيموثاوس أيضاً "وأما أنت فاثبت على ما تعلمت وأيقنت عارفاً ممن تعلمت. وأنك منذ الطفولة تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع. كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عم لصالح" (2 تيموثاوس 3: 14 - 17)
لقد استهان الملك بيلشاصر بالله ودنّس آنية بيته.
خطية تسبيح الآلهة الوثنية
"كانوا يشربون الخمر ويسبحون آلهة الذهب والفضة والنحاس والحديد والخشب والحجر" (دانيال 5: 24)
هنا وصل الملك وعظماؤه إلى قمة الحماقة الإنسانية، إذ بدأوا يسبحون أي يحمدون ويباركون آلهة الذهب والفضة والنحاس.. وقد وصفها دانيال للملك بيلشاصر بأنها "لا تبصر ولا تسمع ولا تعرف" (دانيال 5: 23)
والإنسان في حماقته يصنع من ممتلكاته أصناماً يتعبد لها كما يقول الرب في سفر هوشع "صنعوا لأنفسهم من فضتهم وذهبهم أصناماً" (هوشع 8: 3) الناس يتعبدون ويسجدون لآلهة المال "الذهب والفضة". ولآلهة القوة "النحاس والحديد". ولآلهة الممتلكات "الخشب والحجر".
وفي الضيقة العظيمة ورغم الضربات التي سيضرب بها الله الأرض خلال الضيقة فإن الناس لن "يتوبوا عن أعمال أيديهم حتى لا يسجدوا للشياطين وأصنام الذهب والفضة والنحاس والحجر والخشب التي لا تستطيع أن تبصر ولا تسمع ولا تمشي" (رؤيا 9: 20)
أليس من الحماقة أن يصنع الإنسان بيديه الإله الذي يعبده: فيعبد صناعة يديه بدلاً من أن يعبد صانعه؟
هذه هي خطية بيلشاصر الثانية التي جلبت عليه القضاء الإلهي. (اقرأ رومية 1: 8 - 25)
خطية الانغماس في الشهوات الجسدية
"حينئذ أحضروا آنية الذهب التي أخرجت من هيكل بيت الله الذي في أورشليم وشرب بها الملك وعظماؤه وزوجاته وسراريه" (دانيال 5: 3)
"كانوا يشربون الخمر" (دانيال 5: 4)
الوليمة إذاً كانت وليمة خمر ونساء.
وحين تجتمع الخمر مع النساء فهناك الانغماس الكامل في شهوات الجسد.
"الخمر مستهزئة. المسكر عجاج ومن يترنح بهما فليس بحكيم" (أمثال 20: 1)
"لا تكن بين شريبي الخمر بين المتلفين أجسادهم. لأن السكير والمسرف يفتقران والنوم يكسو الخرق" (أمثال 23: 20)
"لمن الويل لمن الشقاوة لمن المخاصمات لمن الكرب لمن الجروح بلا سبب لمن ازمهرار العينين. للذين يدمنون الخمر الذين يدخلون في طلب الشراب الممزوج. لا تنظر إلى الخمر إذا احمرت حين تظهر حبابها في الكأس وساغت مرقرقة. في الآخر تلسع كالحية وتلدغ كالأفعوان. عيناك تنظران الأجنبيات وقلبك ينطق بأمور ملتوية. وتكون كمضجع في قلب البحر أو كمضجع على رأس سارية. يقول ضربوني ولم أتوجع. لقد لكأوني ولم أعرف. متى أستيقظ. أعود أطلبها بعد" (أمثال 23: 29 - 35)
هذا بعض ما تفعله الخمر.
فالخمر والمجون صنوان لا يقترفان. لذلك أوصى بولس الرسول القديسين في أفسس قائلاً "ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح" (أفسس 5: 18). وعلّمت أم لموئيل ملك ابنها الملك قائلة "ليس للملوك يا لموئيل ليس للملوك أن يشربوا خمراً ولا للعظماء المسكر. لئلا يشربوا وينسوا المفروض ويغيروا حجة كل بني المذلة" (أمثال 31: 4 و 5)
لكن بيلشاصر الملك شرب الخمر هو وعظماؤه وزوجاته وسراريه، وصارت الوليمة مسرحاً لكل نجاسة ودنس وفسق وفجور.
خطية تجاهل الإنذارات الإلهية
قبل أن يقرأ دانيال الكتابة التي كتبتها اليد الكاتبة على مكلس حائط قصر الملك قال له "أنت أيها الملك فالله العلي أعطى أباك نبوخذ نصر ملكوتاً وعظمة وجلالاً وبهاء. وللعظمة التي أعطاه ئغياها كانت ترتعد وتفزع قدامه جميع الشعوب والأمم والألسنة. فأيا شاء استحيا وأيا شاء رفع وأيا شاء وضع. فلما ارتفع قلبه وقست روحه تجبراً انحط عن كرسي ملكه ونزعوا عنه جلاله. وطرد من بين الناس وتساوى قلبه بالحبوان وكانت سكناه مع الحمير الوحشية فأطعموه العشب كالثيران وابتل جسمه بندى السماء حتى علم أن الله العلي سلطان في مملكة الناس وأنه يقيم عليها من يشاء. وأنت يا بيلشاصر ابنه لم تضع قلبك مع أنك عرفت كل هذا. بل تعظمت على رب السماء فأحضروا قدامك آنية بيته وأنت وعظماؤك وزوجاتك وسراريك شربتم بها الخمر وسبحت آلهة الفضة والذهب والنحاس والحديد والخشب والحجر التي لا تبصر ولا تسمع ولا تعرف. أما الله الذي بيده نسمتك وله كل طرقك فلم تمجده. حينئذ أرسل من قلبه طرف اليد فكتبت هذه الكتابة" (دانيال 5: 18 - 24)
ارتكب بيلشاصر خطية رابعة، هي خطية تجاهل ونسيان الإنذارات الإلهية.. لقد تعامل الله مع جده الأكبر نبوخذ نصر ودانيال يقول عنه "أباك نبوخذ نصر"، تماماً كما قال اليهود للمسيح "أبونا هو إبراهيم" (يوحنا 8: 39).. تعامل الله مع نبوخذ نصر فأذل عظمة كبريائه، حتى علم أن الله العلي "The Most High" سلطان في مملكة الناس وكان يجب على بيلشاصر أن يحفظ هذا الدرس القاسي في قلبه، وأن يسلك بتواضع مع الله، ولكنه تجاهل معاملات الله مع جده نبوخذ نصر مع أنه عرفها بتفاصيلها، وتعظم على رب السماء، واستهان بآنية بيته المقدسة واستخدمها في مجونه.. ولذا كان لا بد أن يوقع الله عليه قضاءه الشديد.
"وأما ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيضرب كثيراً" (لوقا 12: 47)
إن كل إنسان مسئول أن يتعلم من معاملات الله مع الآخرين. فإذا تجاهل هذه الإنذارات وحسب أنه بمأمن من القضاء الإلهي "يضرب كثيراً".
هذه هي الخطايا الملكية، الخطايا التي يسببها تعرض بيلشاصر لقضاء الله المخيف.. خطية تدنيس الأواني المقدسة الهيكلية.. خطية تسبيح الآلهة الوثنية.. خطية الانغماس في الشهوات الجسدية.. خطية تجاهل الإنذارات الإلهية.
الموازين الإلهية
"في تلك الساعة ظهرت أصابع يد إنسان وكتبت بإزاء النبراس على مكلس حائط قصرالملك والملك ينظر طرف اليد الكاتبة. حينئذ تغيرت هيئة الملك وأفزعته أفكاره وانحلت خرز حقويه واصطكت ركبتاه.. وهذه هي الكتابة منا منا تقيل وفرسين.. تقيل وزنت بالموازين فوجدت ناقصاً" (دانيال 5: 5 و 6 و 25 و 26)
"في تلك الساعة".. ساعة الاستهانة بالله وبآنية بيته.
"في تلك الساعة".. ساعة احتساء الخمر والخضوع لتأثيرها. الساعة التي فيها حركت الخمر الحيوان الكامل في الإنسان، وبدأ كل عظيم يراقص امرأة عارية أ, تكاد.. وانتزعت قوانين الحياء.. وتدانى فيها الملك تحت سلطان الخمر فصار كأحد السفهاء..
"في تلك الساعة".. في وسط الموسيقى الصاخبة، والكؤوس تدور فتدير الرؤوس.. والبهجة في دور اكتمالها.. والمكان يتلألأ بالأنوار وتفوح منه رائحة الزهور.
"في تلك الساعة ظهرت أصابع يد إنسان" (دانيال 5: 5)
يد من هذه اليد الإنسانية
هل هي يد ملاك أرسله الله ليكتب قضاءه الأخير على الملك بيلشاصر؟
أم هي يد المسيح سجلت قضاءه على ذلك الملك الشرير؟ في اعتقادي أنها يد الرب يسوع المسيح.. فالدينونة والقضاء له "لأن الآب لا يدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للابن. لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب" (يوحنا 5: 22 و 23)
هذه اليد الإنسانية الكاتبة هي إذاً يد الرب يسوع المسيح "الرب الديان العادل" (2 تيموثاوس 4: 8). وقد سجلت هذه اليد كلماتها النارية.
"وزنت بالموازين فوجدت ناقصاً" (دانيال 5: 27)
وكل إنسان عاش على أرضنا لا بد أن يوزن بموازين الله. والرب يزن كل دوائر حياة الإنسان.
فو يزن روح الإنسان.
"كل طرق الإنسان نقية في عيني نفسه. والرب وازن الأرواح" (أمثال 16: 20)
وهو يزن قلب الإنسان.
"كل طرق الإنسان مستقيمة في عينيه والرب وازن القلوب" (أمثال 21: 2)
"أنقذ المنقادين إلى الموت والممدودين للقتل. لا تمتنع. إن قلت هوذا لم نعرف هذا. أفلا يفهم وازن القلوب.. فيرد على الإنسان مثل عمله" (أمثال 24: 11 و 12).
وهو يزن طرق الإنسان.
"لأن طرق الإنسان أمام عيني الرب وه يزن كل سبله" (أمثال 5: 21)
إن الله يزن روح الإنسان ليظهر له مدى إخلاصه في عبادته، فالروح هي مركز عبادة الله (رومية 1: 9). ويزن قلب الإنسان ليعلن له ما فيه من ميول، ومشاعر، ودوافع. (مزمور 139: 23 و 24). وهو يزن طرق الإنسان ليريه مدى البعد بينها وبين طرقه. (أشعياء 55: 8 و 9)
ولا بد أن يأتي اليوم الذي فيه يعلن على الملأ نتيجة الوزن، هذا اليوم سيكون رهيباًً، كتب بولس الرسول عنه يقول "إذاً لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب. وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله" (1 كورنثوس 4: 5).
وطوبى للإنسان الذي يعرف فكر الله عنه قبل يوم الحساب. هذا الإنسان هو الذي يرفع صلاته لله قائلاً مع داود "اختبرني يا الله وأعرف قلبي امتحني وأعرف أفكاري. وانظر إن كان في طريق باطل وأهدني طريقاً أبدياً" (مزمور 139: 23 و 24).
وزن الله كل دوائر حياة الملك بيلشاصر.. لكن السؤال هو: بأي موازين وزن الله حياة بيلشاصر؟
وزن الله حياة بيلشاصر في ميزان الحق.
قال أيوب "ليزني في ميزان الحق فيعرف الله كمالي" (أيوب 31: 6) وميزان الحق هو ميزات كلمة الله "قدسهم في حقك. كلامك هو حق" (يوحنا 17: 17)
فحياة كل إنسان ستوزن بهذا الميزان "في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح" (رومية 2: 16). "لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته. وليست خليقة غير ظاهرة قدامه بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا" (عبرانيين 4: 12 و 13)
ولأن الرب سيزن كل إنسان في ميزان كلمته الموحى بها في كتابه الكريم، لذلك فمن واجبك أ، تقرأ هذا الكتاب المقدس، وأن تعرف حقائقه، وأن تدرس نصوصه، وأن تتشبع بمحتوياته، وأن تطبقه على حياتك. لأنه أحد الموازين التي سيزنك الله بها.
وزن الله حياة بيلشاصر في ميزان الحب.
والحب أنواع.. هناك الحب الشهواني الذي يهدف إلى التمتع بجسد المحبوب. وهناك الحب الإنساني، حب الأصدقاء والخلان.. وهناك الحب الإلهي الحب الذي مصدره الروح القدس في حياة المؤمن "لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رومية 5: 5)
هذا الحب الأخير هو الحب الذي يطلبه الله من كل واحد.. هو الحب الذي وصفه بولس في إصحاحه العظيم في رسالته للكورنثيين.
"المحبة تتأنى وترفق. المحبة لا تحسد. المحبة لا تتفاخر ولا تننتفخ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء. ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق. وتحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط أبداً" (1 كورنثوس 13: 4 - 8)
فالحب الذي مصدره الروح القدس يتأنى ويرفق، ولا يحسد، ولا يتفاخر ولا ينتفخ، ولا يقبح، ولا يطلب ما لنفسه فهو ليس حباً أنانياً نفسانياً، ولا يحتد، ولا يظن السوء، ولا يفرح بالإثم فهو يتألم حين يرى الإثم منتشراً، بل يفرح بالحق.. إنه حب يحتمل كل شيء.. ويصدق كل شيء.. ويرجو كل شيء.. ويصبر على كل شيء.. إنه حب أبدي "لأن الله محبة"
ومن يقف أمام ميزان الحب؟
لقد وزن الله بيلشاصر الملك في الميزان، وأعلن له نتيجة وزنه "وزنت بالموازين فوجدت ناقصاً"
وزن الله حياة بيلشاصر في ميزان الاحتمال.
وأعني بميزان الاحتمال.. احتمال النجاح، واحتمال الفشل وقد وجد ناقصاً في الدائرتين.
ففي دائرة النجاح قاده النجاح إلى التعظم على رب السماء. تماماً كما حدث مع عزيا الملك الذي نقرأ عنه "وفي أيام طلبه الرب أنجحه الله.. وامتد اسمه إلى بعيد إذ عجبت مساعدته حتى تشدد. ولما تشدد ارتفع قلبه إلى الهلاك وخان الرب إلهه" (2 أخبار 26: 5 و 15 و 16).
أجل تعاظم بيلشاصر على رب السماء ودنّس في كبرياء قلبه آنية بيت الله.
وفي دائرة الفشل ارتعب أمام طرف اليد الكاتبة.
والتجارب قد تحرقك فتحولك إلى رماد. والتجارب قد تثير شكوكك فتحولك إلى ملحد.
والتجارب قد تصقلك وتزيل زغل حياتك فتحولك إلى سراج موقد.
لقد حذّر موسى الشعب القديم من تجارب النجاح فقال "لأن الرب إلهك آت بك إلى أرض جيدة أرض أنهار من عيون وغمار تنبع في البقاع والجبال. أرض حنطة وشعير وكرم تين ورمان. أرض زيتون زيت وعسل. أرض ليس بالمسكنة تأكل فيها خبزاً ولا يعوزك فيها شيء. أرض حجارتها حديد ومن جبالها تحفر نحاساً. فمتى أكلت وشبعت تبارك الرب إلهك لأجل الأرض الجيدة التي أعطاك. احترز من أن تنسى الرب إلهك.. لئلا إذا أكلت وشبعت وبنيت بيوتاً جيدة وسكنت يرتفع قلبك وتنسى الرب إلهك" (تثنية 8: 7 - 18)
وزن الله حياة بيلشاصر في ميزان الحياة المقدسة
إن الله خلق الإنسان لمجده.. خلقه ليعيش حياة القداسة على الأرض إلى أن يلتقي به في المجد. والكثيرون نسوا أهمية حياة القداسة، مع أنها الحياة التي طالب بها الرب شعبه في العهدين القديم والجديد، وحياة القداسة تعني حياة انفصال عن النجاسة والشر وتخصيص الحياة بجملتها للرب.
يقول الرب لشعبه القديم "لا تدنسوا أنفسكم.. ولا تتنجسوا.. ولا تكونوا نجسين. إني أنا الرب إلهكم فتتقدسون وتكونون قديسين لأني أنا قدوس" (لاويين 11: 43 و 44) والقداسة هنا تعني الانفصال عن كل ما هو نجس، وهي قداسة رئيس كهنتنا المسيح "لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عبرانيين 7: 26).
ونقرأ في العهد الجديد هذه النصوص التي تطالبنا بحياة القداسة.
"لأنه كما قدمتم أعضاءكم عبيداً للنجاسة والإثم للإثم هكذا الآن قدموا أعضاءكم عبيداً للبر للقداسة" (رومية 6: 19)
"فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله" (2 كورنثوس 7: 1)
"لأن هذه هي إرادة الله قداستكم. أن تمتنعوا عن الزنا. أن يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه بقداسة وكرامة. لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله" (1 تسالونيكي 4: 3 - 5)
"اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" (عبرانيين 12: 14)
لقد وزن الله بيلشاصر الملك في ميزان الحق، وفي ميزان الحب، وفي ميزان الاحتمال، وفي ميزان الحياة المقدسة، وأعلن نتيجة الوزن.. لقد كان ناقصاً في حبه، وفي احتماله، وفي قداسة حياته.
"وزنت بالموازين فوجدت ناقصاً"
والآن تعال معي لنلق نظرة على الملك بيلشاصر وهو ينظر طرف اليد التي سجلت قضاء الله عليه.
لقد تغيرت هيئة الملك.
وأفزعته أفكاره.
وانحلت خرز حقويه.
واصطكت ركبتاه.
ما أشد ضعف الإنسان حين يواجه قضاء الله.
إن الملحد قد يجدف على العلي
والمستهزئ قد يستهزئ بكلامه.
والمستهتر قد لا يخطر على باله يوم دينونته.
ولكن حين يواجه الإنسان الملحد، أو المستهزئ، أو المستهتر دينونة الله ستصطك ركبتاه.
أين جلال الملك بيلشاصر؟
أين الجيش الكلداني القوي ليحمي عرشك؟
ها هم عظماؤك الألف يحيطون بك فماذا فعلوا لك؟ إن عظمة الإنسان توضع في مواجهة دينونة الله، وسوف يأتي اليوم الذي فيه تتم بالحرف الكلمات التي سجلها يوحنا الرسول "ونظرت لما فتح الختم السادس وإذا زلزلة عظيمة حدثت والشمس صارت سوداء كمسح من شعر والقمر صار كالدم. ونجوم السماء سقطت إلى الأرض كما تطرح شجرة التين سقاطها إذا هزتها ريح عظيمة. والسماء انفلقت كدرج ملتف وكل جبل وجزيرة تزحزحا من موضعهما. وملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء وكل عبد وكل حر أخفوا أنفسهم في المغاير وفي صخور الجبال. وهم يقولون للجبال والصخور اسقطي علينا وأخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف. لأنه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف" (رؤيا 6: 12 - 17)
هكذا ارتعب صاحب الجلالة الملكية عندما نظر أصابع اليد الإلهية.
الأحكام النهائية
عندما نظر الملك بيلشاصر طرف اليد الكاتبة "صرخ بشدة لإدخال السحرة والكلدانيين والمنجمين. فأجاب الملك وقال لحكماء بابل أي رجل يقرأ هذه الكتابة ويبين لي تفسيرها فإنه يلبّس الأرجوان وقلادة من ذهب في عنقه ويتسلط ثالثاً في المملكة. ثم دخل كل حكماء الملك فلم يستطيعوا أن يقرأوا الكتابة ولا أن يعرفوا الملك بتفسيرها"
يلجأ الإنسان في محنته إلى ما يؤمن به، وقد آمن بيلشاصر بسحرة مملكته وحكمائها، ومنجميها فلجأ إليهم ليقرأوا له الكتابة ويعرفوه بتفسيرها، لكنهم عجزوا عن قراءة الكتابة وبالتالي عن تعريف الملك بتفسيرها.
لقد قيل "لا يهم ما تؤمن به طالما كنت مخلصاً في إيمانك".. لكن الإخلاص وحده لا يكفي.. إن الوثنيين مخلصون جداً في عبادتهم لتماثيل أصنامهم، ولكن إخلاصهم لا يجعل هذه الأصنام التي لا تبصر ولا تسمع أن تفعل لهم خيراً أو شراً.
كان أنبياء البعل في أيام إيليا النبي مخلصين تماماً عندما دعوا إلههم ليستجيب لهم ويرسل النار على الذبيحة فوق جبل الكرمل. كانوا مخلصين لدرجة أنهم صرخوا بصوت عال وتقطعوا بالسيوف والرماح حتى سال منهم الدم، ولكن إخلاصهم الشديد لم ينفعهم، إذ لم يعطهم البعل جواباً لصلواتهم. (1 ملوك 18: 25 - 29)
الإخلاص في الإيمان لا يكفي، إذ يجب أن تؤمن بالإله الحي الحقيقي.
وهكذا أعلن حكماء بابل بكل فئاتهم عجزهم عن قراءة الكتابة.. لقد كانت الكتابة كتابة الله وليس قدرة أتباع الشيطان أن يفسروا أو يعرفوا كلمة الله.
"ففزع الملك بيلشاصر جداً وتغيرت فيه هيئته واضطرب عظماؤه. أما الملكة فلسبب كلام الملك وعظمائه دخلت بيت الوليمة فأجابت الملكة وقال أيها الملك عش إلى الأبد. لا تفزعك أفكارك ولا تتغير هيئتك. يوجد في مملكتك رجل فيه روح الآلهة القدوسين وفي أيام أبيك وجدت فيه نبرة وفطنة وحكمة كحكمة الآلهة والملك نبوخذ نصر أبوك جعله كبير المجوس والسحرة والكلدانيين والمنجمين. أبوك الملك. من حيث إن روحاً فاضلة ومعرفة وفطنة وتعبير الأحلام وتبيين ألغاز وحل عقد وجدت في دانيال هذا الذي سماه الملك بلطشاصر. فليدع الآن دانيال فيبين التفسير.
حينئذ أدخل دانيال إلى قدام الملك. فأجاب الملك وقال لدانيال أأنت هو دانيال من بني يهوذا الذي جلبه أبي الملك من يهوذا. قد سمعت عنك أن فيك روح الآلهة وأن فيك نيرة وفطنة وحكمة فاضلة. والآن أدخل قدامي الحكماء والسحرة ليقرأوا هذه الكتابة ويعرفوني بتفسيرها فلم يستطيعوا أن يبينوا تفسير الكلام. وأنا قد سمعت عنك أنك تستطيع أن تفسر تفسيراً وتحل عقداً. فإن استطعت الآن أن تقرأ الكتابة وتعرفني بتفسيرها فتلبس الأرجوان وقلادة من ذهب في عنقك وتتسلط ثالثاً في المملكة" (دانيال 5: 9 - 16)
أولاد الله الأمناء بركة حيث يوجدون، فوجدهم يحول الفزع إلى هدوء، والخوف إلى ارتياح.. وهكذا كان وجود دانيال المؤمن الأمين بركة المملكة البابلية كلها.
وشهادة الملكة التي يبدو أنها لم تحضر الوليمة الماجنة بل دخلتها بعد أن عرفت بحالة الاضطراب والخوف والفزع التي سادتها عن دانيال ترينا تقدير الملكة الجديرة لدانيال فهي تصفه بأن فيه روح الله "روح الآلهة القدوسين" وبأن فيه نيرة أي نوراً، وفطنة أي فهماً، وحكمة أي قدرة على تطبيق معرفته في الحياة العملية، وأنه يستطيع تعبير الأحلام، وبأنه مع كل هذه الصفات به "روح فاضلة".
ها هو الملك يعرض عليه عطاياه أن "يلبّس الأرجوان وقلادة من ذهب في عنقه ويتسلط ثالثاً في المملكة" إذا استطاع قراءة الكتابة وتفسيرها.
لقد كانت الكتابة واضحة على مكلس حائط قصر الملك، وبقيت في مكانها.. وقرأ دانيال الكتابة وعرف لغة الله الذي يعبده.
إ، كتابة الله لا يفسرها أحد إلا إذا كان ممتلئاً بروح الله "هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله" (1 كورنثوس 2: 11) فكلمة الله لا تعرف معانيها بالعقل البشري المجرد بل بنور الروح القدس المرشد.
"فأجاب دانيال وقال قدام الملك. لتكن عطاياك لنفسك وهب هباتك لغيري. لكني أقرأ الكتابة للملك وأعرفه بالتفسير. أنت أيها الملك فالله العلي أعطى أباك نبوخذ نصر ملكوتاً وعظمة وجلالاً وبهاء. وللعظمة التي أعطاه إياها كانت ترتعد وتفزع قدامه جميع الشعوب والأمم والألسنة. فأياً شاء قتل وأياً شاء استحيا وأياً شاء رفع وأياً شاء وضع. فلما ارتفع قلبه وقست روحه تجبراً انحط عن كرسي ملكه ونزعوا عنه جلاله. وطرد من بين الناس وتساوى قلبه بالحيوان وكانت سكناه مع الحمير الوحشية فأطعموه العشب كالثيران وابتل جسمه بندى السماء حتى علم أن الله العلي سلطان في مملكة الناس وأنه يقيم عليها من يشاء وأنت يا بيلشاصر ابنه لم تضع قلبك مع أنك عرفت كل هذا، بل تعظمت على رب السماء فأحضروا قدامك آنية بيته وأنت وعظماؤك وزوجاتك وسراريك شربتم بها الخمر وسبحت آلهة الفضة والذهب والنحاس والحديد والخشب والحجر التي لا تبصر ولا تسمع ولا تعرف. أما الله الذي بيده نسمتك وله كل طرقك فلم تمجده. حينئذ أرسل من قلبه طرف اليد فكتبت هذه الكتابة" (دانيال 5: 17 - 24)
ما أروع وأعظم دانيال في هذا الموقف التاريخي.. لقد رفض عطايا الملك "لتكن عطاياك لنفسك وهب هباتك لغيري" ثم بدأ بتوبيخ الملك على خطاياه.. ذكره بإذلال الله لأبيه نبوخذ نصر حين ارتفع قلبه وقست روحه.. وذكره بتوبة الملك نبوخذ نصر واعترافه الكامل بسيادة الله المطلقة. ثم وبخه على تجاهله ما عمله الله لأبيه الملك، أظهر له فظاعة خطيته، وتعظمه على رب السماء، واستخدام آنية بيته المقدسة في وليمته الماجنة، وأعلن له أن الله بيده نسمته، فهو يميت ويحيي يهبط إلى الهاوية ويصعد.. واختتم حديثه بالقول بسبب خطاياك الفظيعة أرسل الله في قلبه طرف اليد فكتبت هذه الكتابة. فهو إله قدوس وعادل وجبار وليس في قدرة أحد ان يتحداه.
"إن رأيت ظلم الفقير ونزع الحق والعدل في البلاد فلا ترتع من الأمر. لأن فوق العالي عالياً يلاحظ والأعلى فوقهما" (جامعة 5: 8)
واستطرد دانيال يقول:
"وهذه هي الكتابة التي سطرت. منا منا تقيل وفرسين. وهذا تفسير الكلام. منا أحصى الله ملكوتك أنهاه. تقيل وزنت بالموازين فوجدت ناقصاً في قداسة حياته، وناقصاً في حبه، وناقصاً في عدله، وناقصاً في أدبياته، وناقصاً في احتماله، وبالإجمال ناقصاً في كل دوائر حياته.. وكان حكمه:
"أحصى الله ملكوتك وأنهاه"
ولكل واحد مملكته الخاصة، وحين يتحدى الإنسان الله، ويضرب بوصاياه عرض الحائط يحصي الله ملكوته وينهيه، ويسمعه كلمات داود القائلة:

"لماذا تفتخر بالشر أيها الجبار.. لسانك يخترع مفاسد كموسى مسنونة يعمل بالغش. أحببت الشر أكثر من الخير. الكذب أكثر من التكلم بالصدق.. أحببت كل كلام مهلك ولسان غش. أيضاً يهدمك الله إلى الأبد. يخطفك ويقلعك من مسكنك ويستأصلك من أرض الأحياء.. فيرى الصديقون ويخافون وعليه يضحكون. هوذا الإنسان الذي لم يجعل الله حصنه بل اتكل على كثرة غناه واعتز بفساده" (مزمور 52: 1 - 7)
لقد أحصى الله حدود مملكة بيلشاصر.. أحصى غناه الموجود في خزائنه.. أحصى جيشه الكلداني القوي. أحصى كل ما ذخره آباؤه.. أحصى كل ما في ملكوته، وأنهاه.
صدر الحكم الإلهي بإنهاء الإمبراطورية البابلية.
وفي كل يوم يصدر الله أحكامه على المتكبرين، والمستهترين، والمتكلين على غناهم وثروتهم وقوتهم ومراكزهم.. وينهي حياتهم.
ضرب المسيح لسامعيه مثلاً قائلاً "إنسان غني أخصبت كورته. ففكر في نفسه قائلاً ماذا أعمل لأن ليس لي موضع أجمع فيه أثماري. وقال أعمل هذا. أهدم مخازني وأبني أعظم وأجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي. وأقول لنفسي يا نفسي لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي. فقال له الله يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك. فهذه التي أعددتها لمن تكون. هكذا الذي يكنز لنفسه وليس هو غنياً لله" (لوقا 12: 16 - 21)
لقد كان هذا الرجل غنياً، وكان غبياً والفرق بين الاثنين نقطة تهبط إلى أسفل بدلاً إن كانت إلى أعلى.. وكان غبياً لأنه جعل نفسه "مركز الحياة".. وكان غبياً لأنه كان أنانياً. فقال "أثماري" "مخازني" "غلاتي" "خيراتي" "وأقول لنفسي" "استريحي وكلي واشربي وافرحي"
وكان غبياً لأنه خطط لحياته ومستقبله دون أن يعمل لله حساباً.
وكان غبياً لأنه خطط للمجهول الذي ليس له سلطان عليه "ليس لإنسان سلطان على الروح ليمسك الروح ولا سلطان على يوم الموت" (8: 8)
وكان غبياًً لأنه ظن أن نفسه يمكن أن تحيا على الغلال مع أنه من الواضح أنه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (لوقا 12: 20)
هكذا أصدر الله حكمه بإنهاء ملك بيلشاصر
قسمت مملكتك وأعطيت لمادي وفارس
ما أدق كلمات النبوة.. لقد أعلن الله للملك نبوخذ نصر أنه بعد الرأس الذهبي الذي يرمز للإمبراطورية البابلية "تقوم مملكة أخرى أصغر منك" (دانيال 2: 39) وما قاله الله في النبوة لا بد أن يتم بكل دقة، فالله هو صاحب السيادة المطلقة والسلطان الكلي على التاريخ، هو الذي يعزل ملوكاً وينصب ملوكاً، هو المتسلط في مملكة الناس.
قرأ دانيال النبي للملك بيلشاصر الكتابة التي كتبتها اليد الكاتبة "حينئذ أمر بيلشاصر أن يلبسوا دانيال الأرجوان وقلادة من ذهب في عنقه وينادوا عليه أنه يكون متسلطاً ثالثاً في المملكة" (دانيال 5: 29)
هذا أمر ملكي من بيلشاصر الملك.. لكن ما قيمته؟ والملك سيقتل في ذات الليلة التي أصدر فيها أمره الكريم.
"لا تتكلوا على الرؤساء ولا على ابن آدم حيث لا خلاص عنده. تخرج روحه فيعود إلى ترابه. في ذلك اليوم نفسه تهلك أفكاره" (مزمور 146: 3)
"في تلك الليلة قتل بيلشاصر ملك الكلدانيين. فأخذ المملكة داريوس المادي وهو ابن اثنتين وستين سنة" (دانيال 5: 30 و 31)
بينما كان دانيال يفسر للملك بيلشاصر الكتابة كانت الجيوش المادية الفارسية تدخل مدينة بابل من قناة فتحتها تحت سور المدينة الضخم. اقتحم الجنود قاعة الوليمة وفي الحال اختلطت الخمر الحمراء بالدم الملكي البابلي.
في تلك الليلة قتل بيلشاصر على عرش أبيه
قتل بقضاء إلهي
ورقدت جثته على الأرض
بغير تاج وبغير صولجان
رقدت في رداء أرجواني.. كتلة من الطين
انتهت الإمبراطورية البابلية بعد أن امتلأ مكيال إثمها وتمت كلمات النبي إرميا التي قالها رب الجنود:
"إني أنا صنعت الأرض والإنسان والحيوان الذي على وجه الأرض بقوتي العظيمة وبذراعي الممدودة وأعطيتها لمن حسن في عيني. والآن قد دفعت كل هذه الأراضي ليد نبوخذ نصر ملك بابل عبدي وأعطيته أيضاً حيوان الحقل ليخدمه. فتخدمه كل الشعوب وابنه وابن ابنه حتى يأتي وقت أرضه فتستخدمه شعوب كثيرة وملوك عظام" (إرميا 27: 5 - 7)
وها قد جاء وقت بابل وانتهى ملكوتها
وتظهر دقة النبوة في أنها حددت أن المملكة تقسم بين مادي وفارس – وقد حكمها الماديون لفترة قصيرة من الزمن ثم حكمها الفارسيون لوقت غير قليل.
وكما صدقت النبوة من المملكة البابلية، ستتم بدقة في كل ما قالته بخصوص المجيء الثاني للمسيح. اسهروا....
الفصل السادس
سدوا أفواه أسود

مع أن الإصحاح السادس من سفر دانيال يسجل حادثاً تاريخياً إلا أنه في ذات الوقت يحوي بين طياته حديثاً نبوياً.
فداريوس الملك المادي يرمز إلى الحاكم العالمي القادم حين يعلن نفسه إلهاً للعالم، ويطلب من الجميع عبادته وحده، ورفع الصلاة إليه، وتجاهل كل إله غيره. وقد كان عصيان أمر داريوس يعني الطرح في جب الأسود، وعصيان الحاكم العالمي القادم سيعني الموت المحقق "الذين لا يسجدون لصورة الوحش يقتلون" (رؤيا 13: 15)
وتحدي أمر الملك داريوس كان يتطلب الولاء التام لله، والإصرار على احتمال الموت لأجله، وهكذا خلال الضيقة العظيمة سيحتاج القديسون إلى الصبر والولاء الكامل للرب والعزم على الموت أفضل من قبول سمة الوحش أو السجود لصورته "هنا صبر القديسون هنا الذين يحفظون وصايا الله وإيمان يسوع" (رؤيا 14: 12) وأولئك الذين سيصبرون إلى المنتهى في تلك الفترة المظلمة سيخلصون جسدياً عند مجيء ابن الإنسان "ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (متى 24: 13) وفي نفس الوقت فإن الذين سيحسبون أهلاً للملك مع المسيح في ملكه الألفي السعيد سيقومون من قبورهم وهي يقيناً أعمق من جب الأسود وسيخرجون منها هاتفين "أين شوكتك يا موت. أين غلبتك يا هاوية" (1 كورنثوس 15: 55) لكي يملكوا مع المسيح ألف سنة كما أخذ دانيال سلطة عظمى بعد خروجه من جب الأسود.
والآن إلى تفسير الإصحاح السادس
حسد الشيطان
"حسن عند داريوس أن يولي على المملكة مئة وعشرين مرزباناً يكونون على المملكة كلها. وعلى هؤلاء ثلاثة وزراء أحدهم دانيال لتؤدي المرازبة إليهم الحساب فلا تصيب الملك خسارة. ففاق دانيال هذا على الوزراء والمرازبة لأن فيه روحاً فاضلة وفكر الملك في أن يوليه على المملكة كلها. ثم إن الوزراء والمرازبة كانوا يطلبون علة يجدونها على دانيال من جهة المملكة فلم يقدروا أن يجدوا علة ولا ذنباً لأنه كان أميناً ولم يوجد فيه خطأ ولا ذنب" (دانيال 6: 1 - 4)
يقول النقاد الذين يريدون هدم سفر دانيال والتشكيك في وحيه، إن الإصحاح السادس من هذا السفر النبوي العظيم يحوي تاريخاً زائفاً، لأنه يقدم الملك المادي داريوس باعتباره الملك الذي ارتقى عرش الملك بعد قتل بيلشاصر الملك، بينما التاريخ العالمي يسجل أن "كورش" الفارسي كان هو الملك الذي قاد الحملة التي هاجمت بابل وأنهى حكم الإمبراطورية البابلية.
وقد رد العلماء المسيحيون على هذا النقد، أظهروا بما لا يدع مجالاً للشك بأن سفر دانيال لا يتحدث عن مملكتي مادي وفارس كمملكتين منفصلتين، بل يتحدث عن مملكة متحدة تحت اسم المملكة المادية الفارسية وهذا واضح من الكلمات "فثبت الآن النهي أيها الملك وأمضى الكتابة لكي لا تتغير كشريعة مادي وفارس التي لا تنسخ" (دانيال 6: 8)
فالشعبان المادي والفارسي حسبا أمة واحدة.
وداريوس المادي الذي أكد الدكتور فريدريك تاتفورد أن "داريوس" ليس اسمه، لأنه ليس اسم علم بل لقب استخدمه عدة ملوك ومعناه "القاهر"، كما أكد الثقاة من علماء المسيحيين أنه المعروف باسم "جوبارو Gubaru". وقد جعله كورش الفارسي ملكاً على بابل والمنطقة الكلدانية المحيطة بها كما يتضح من النص القائل "في السنة الأولى لداريوس بن أحشو يروش من نسل الماديين الذي ملّك على مملكة الكلدانيين" (دانيال 9: 1) فهو قد ملّك بسلطة كورش الملك على مملكة الكلدانيين.
والماديون من نسل "ماداي" ابن يافث "بنو يافث جومر وماجوج وماداي" (تكوين 10: 2) وقد سجل قاموس الكتاب المقدس "أنهم اشتهروا بخيولهم وأفراسهم وكانوا يتصلون بالفرس في الجنسية واللغة والثقافة والتاريخ. وقد جاء الماديون إلى الحكم قبل الفرس، ولكن هؤلاء فاقوهم قوة وسلطاناً"
هذا هو داريوس الملك، وقد حسن عند أن يولي المملكة مئة وعشرين مرزباناً. والمرزبان عند الفرس هو الرئيس وكان بمقام أعلى من الوالي حيث تتقدم لفظة مرازبة لفظة ولاة (دانيال 3: 3).. "وحسن عند داريوس أن يولي على المملكة مئة وعشرين [رئيساً] يكونون على المملكة كلها. وعلى هؤلاء ثلاثة وزراء أحدهم دانيال.. ففاق دانيال على هذا الوزراء والمرازبة لأن فيه روحاً فاضلة وفكر الملك في أن يوليه على المملكة كلها" (دانيال 6: 1 - 3)
ووصف دانيال بأن فيه روحاً فاضلة يتكرر في هذا السفر (دانيال 5: 12). ويبدو أنه اشتهر بهذه الروح الفاضلة، وهي تعني روحاً ممتازة، أو سجايا نادرة حتى أن الملك فكر أن يوليه على المملكة كلها.
إن نجاح المؤمن في حياته الزمنية يأتي من رفقة الرب له كما نقرأ "وكان الرب مع يوسف فكان رجلاً ناجحاً" (تكوين 2: 39)
لقد كان من الممكن أن يقضي الغزاة الماديين على كل رؤساء الملك السابق بيلشاصر وبينهم دانيال، ولكن الله أنجح دانيال خلال حكم نبوخذ نصر وحتى حكم كورش الفارسي "إن كان الله معنا فمن علينا" (رومية 8: 31)
لكن النجاح له ضريبة، هي ضريبة حسد الحاسدين وحقد الحاقدين. والحسد يعني زوال النعمة من المحسود وتحولها إلأى الحاسد. والحسد خطية منتشرة بين الناس.. بين غير المؤمنين وبين المؤمنين الجسديين على السواء.
فعن حسد غير المؤمنين نقرأ الكلمات "مشحونين حسداً وقتلاً وخصاماً ومكراً وسوءاً" (رومية 1: 29)
وعن حسد المؤمنين الجسديين نقرأ "فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر" (1 كورنثوس 3: 3)
والحسد يفتت ويبلي عظام الحاسد كما نقرأ في سفر الأمثال "ونخر العظام الحسد" (أمثال 14: 30). كما أنه يدفع الحاسد إلى تدبير كل شر للمحسود "ومن يقف قدام الحسد" (أمثال 27: 4)
حسد الوزراء والرؤساء دانيال، وكانوا يطلبون عليه علة من جهة المملكة "فلم يقدروا أن يجدوا علة ولا ذنباً لأنه كان أميناً ولم يوجد فيه خطأ ولا ذنب" (دانيال 6: 4)
والمؤمن الأمين المدقق في سلوكه هو محط أنظار الناس حوله، كما كتب بولس الرسول للكورنثيين يقول "أنتم رسالتنا مكتوبة في قلوبنا معروفة ومقروءة من جميع الناس. ظاهرين أنكم رسالة المسيح مخدومة منا مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي. لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية" (2 كورنثوس 3: 2 و 3)
"لأننا صرنا منظراً للعالم للملائكة والناس" (1 كورنثوس 4: 9) ولقد راقب الوزراء والرؤساء دانيال علهم يجدون فيه علة، أو خيانة، أو تصرفاً غير سليم من جهة المملكة ليرفعوا ما يجدوه إلى الملك ويتخلصوا منه وتقول الكلمة المقدسة "فلم يقدروا أن يجدوا علة" لقد بذلوا جهداً كبيراً في البحث عن علة وباؤا بالفشل الذريع..
وقد نسأل: لكن لماذا أرادوا التخلص من دانيال؟ وفي اعتقادنا أنهم أرادوا التخلص منه ليخلوا لهو الجو للرشوة والاختلاس دون حسيب أو رقيب.
لم يجدوا في دانيال على ولا ذنباً!
والسر وراء حياة دانيال النقية أنه "آمن بإلهه" (دانيال 6: 23) "والبار بإيمانه يحيا" (حبقوق 2: 4) "وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا" (1 يوحنا 5: 4).
وقد عاش دانيال أميناً لله، أمينا للملك، فأعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله.
كبرياء الإنسان
"فقال هؤلاء الرجال لا نجد على دانيال هذا علة إلا أن نجدها من جهة شريعة إلهه. حينئذ اجتمع هؤلاء الوزراء والمرازبة عند الملك وقالوا له هكذا. أيها الملك داريوس عش إلى الأبد. إن جميع وزراء المملكة والشحن والمرازبة والمشيرين والولاة قد تشاوروا على أن يضعوا أمراً ملكياً ويشددوا نهياً بأن كل من يطلب طلبة حتى ثلاثين يوماً من إله أو إنسان إلا منك أيها الملك يطرح في جب الأسود. فثبّت الآن النهي أيها الملك وأمضي الكتابة لكي لا تتغير كشريعة مادي وفارس التي لا تنسخ. لأجل ذلك أمضى لملك داريوس الكتابة والنهي" (دانيال 6: 5 - 9)
يقيناً أن هؤلاء الوزراء أكلهم الحسد أكلاً حتى باتوا وأصبحوا لا يفكرون ولا يدبرون إلا الأذى لدانيال، وبدلاً من أن يقضوا وقتهم في خدمة الملك والدولة وهذا هو واجبهم الأول، قضوا وقتهم في التآمر ضد دانيال.
وقد عرف هؤلاء الوزراء والرؤساء بما لا يدع الشك مجالاً أمانة دانيال لشريعة إلهه.. وتيقنوا أنه لن يصلي لإله غير إلهه، ولن يعطي ولاء قلبه لأحد سواه.
وهنا وجدوا الثغرة التي منها يمكن القضاء على دانيال، فاجتمعوا عند الملك ولجأوا إلى الضرب على وتر كبريائه، وطلبوا منه أن يجعل من نفسه إلهاً يُعبَد لمدة ثلاثين يوماً. ولم يفطن الملك إلى المؤامرة الكبرى.
وخدعته كبرياء قلبه.
"لأجل لك أمضى الملك داريوس الكتابة والنهي" (دانيال 6: 9) أمضى الكتابة والنهي وهو لا يعرف فداحة ما عمله.
هل يقدر أن يسمع لمدة ثلاثين يوماً أنين المظلومين، وصراخ المتألمين، وطلبات المصلين؟
هل يقدر أن يستجيب طلبة كل من يطلب منه طلبة، فيعزي الحزين، ويشفي المريض، ويجبر كسر القلوب، ويشبع حاجات النفوس؟
وهل هو موجود في كل مكان يمكن أن يسمع طلبات الطالبين؟
غبي هذا الملك!!
مغرور هذا الملك!!
لأن الإله المطلق الوجود هو الله الحي لا سواه، ولا شريك له، هو وحده الذي قيل عنه "يا سامع الصلاة إليك يأتي كل بشر" (مزمور 65: 2)
لكن الوزراء والرؤساء خاطبوا ناحية الضعف فيه.. خاطبوا كبرياء قلبه.. وانخدع الملك ووقع الأمر فأصبح كشريعة مادي وفارس التي لا تنسخ. وكلمة "نسخ" معناها تزال أو تبطل.
لقد أصبح أمر الملك ثابتاً لا يمكن إبطاله أو إزالته.
عجز السلطان
"فلما علم دانيال بإمضاء الكتابة ذهب إلى بيته وكواه مفتوحة في عليته نحو أورشليم فجثا على ركبتيه ثلاث مرات في اليوم وصلى وحمد قدام إلهه كما كان يفعل قبل ذلك. فاجتمع حينئذ هؤلاء الرجال فوجدوا دانيال يطلب ويتضرع قدام إلهه. فتقدموا وتكلموا قدام الملك في نهي الملك. ألم تمضي أيها الملك نهياً بأن كل إنسان يطلب من إله أو إنسان حتى ثلاثين يوماً إلا منك أيها الملك يطرح في جب الأسود. فأجاب الملك وقال الأمر صحيح كشريعة مادي وفارس التي لا تنسخ. حينئذ أجابوا وقالوا قدام الملك إن دانيال الذي من بني سبي يهوذا لم يجعل لك أيها الملك اعتباراً ولا للنهي الذي أمضيته بل ثلاث مرات في اليوم يطلب طلبته. فلما سمع الملك هذا الكلام اغتاظ على نفسه جداً وجعل قلبه على دانيال لينجيه واجتهد إلى غروب الشمس لينقذه. فاجتمع أولئك الرجال إلى الملك وقالوا للملك أعلم أيها الملك أن شريعة مادي وفارس هي أن كل نهي أو أمر يضعه الملك لا يتغير. حينئذ أمر الملك فأحضروا دانيال وطرحوه في جب الأسود. أجاب الملك وقال لدانيال إن إلهك الذي تعبده دائماً ينجيك. وأتى بحجر ووضع على فم الجب وختمه الملك بخاتمه وخاتم عظماؤه لئلا يتغير القصد في دانيال. حينئذ مضى الملك إلى قصره وبات صائماً ولم يؤت قدامه بسراريه وطار عنه نومه" (دانيال 6: 10 - 18)
لقد رأينا في الإصحاح الثالث شدرخ وميشخ وعبدنغو وهم يعلنون وفضهم للسجود لتمثال نبوخذ نصر وكيف نجاهم الله وأكرمهم. وهنا نرى رجلاً واحداً يرفض الصلاة لإنسان فيكرمه الله وينجيه ويستخدمه امجد اسمه.
لما علم دانيال بإمضاء الأمر الملكي بالطلب من الملك ولا سواه، أدرك أن هذا الوقت الذي يحتاج فيه أكثر من أي وقت مضى أن يصلي إلى الله.
كان الوقف دقيقاً، وكان امتحاناً لإعلان دانيال لله أكثر م أي شخص سواه.
"أعطوا.. ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (لوقا 20: 25)
وقيصر له الحق في الضرائب.
وقيصر له الحق في إصدار القوانين لصالح الدولة، وعلى المؤمن الأمين أن يخضع لهذه القوانين "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة. لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله. حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة" (رومية 13: 1 و 2) "فاخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب. إن كان الملك فكمن هو من فوق الكل. أو للولاة فكمرسلين منه للانتقام من فاعلي الشر وللمدح لفاعلي الخير" (1 بطرس 2: 13 و 14)
لكن ماذا لو تعارض قانون قيصر مع وصايا الله؟
إن بطرس الرسول الذي أوصانا بالخضوع لكل ترتيب بشري يقول لنا "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس" (أعمال 5: 29)
وهكذا فعل دانيال.. لقد كان ولاؤه الأول لله، ولما تعارض قانون الملك مع وصية الله.. أطاع دانيال الله رغم معرفته بالخطر الذي سيتعرض له بسبب طاعته لله.
"فلما علم دانيال بإمضاء الكتابة ذهب إلى بيته وكواه مفتوحة في عليته نحو أورشليم فجثا على ركبتيه ثلاث مرات في اليوم وصلى وحمد قدام إلهه كما كان يفعل دائماً" (دانيال 6: 10)
وقد يخطر ببالنا سؤال: ألم يكن من الممكن أن يذهب دانيال إلى بيته ويغلق كواه، ويسدل الستائر على أبوابه ويصلي إلى إلهه؟!
لو فعل دانيال ذلك، لكان تصرفه خيانة الله..
ذلك لأنه لم يعتمد فتح كواه تحدياً للأمر الملكي بل كانت كواه مفتوحة، وإغلاقها يعني خوفه من الناس، وعدم أمانته لإلهه.
ولماذا كانت كواه مفتوحة نحو أورشليم؟
لقد كانت كواه مفتوحة نحو أورشليم إطاعة للكلمة الموحى بها من الله في كتابه.
عندما دشن الملك سليمان الهيكل الذي بناه، رفع لله هذه الصلاة "إذا خرج شعبك لمحاربة أعدائه في الطريق الذي ترسلهم فيه وصلوا إليك نحو هذه المدينة التي اخترتها والبيت الذي بنيت لاسمك. فاسمع من السماء صلاتهم وتضرعاتهم واقض قضاءهم." (2 أخبار 6: 34 و 35) [اقرأ أيضاً 2 أخبار 6: 34 و 49 و1 ملوك 8: 44 – 50]
وواضح من هذا النص أن أورشليم كانت في العهد القديم المدينة المقدسة لدى العبرانيين، ومهما بعدت المسافة بينهم وبينها كان عليهم أن يصلوا تجاه أورشليمن وهكذا فعل دانيال. أما في العهد الجديد فنحن تحت النعمة، وتحت النعمة لا يوجد مكان أفضل من الآخر نتجه إليه حين نرفع صلاتنا لله.
سألن المرأة السامرية المسيح قائلة "آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه. قال لها يسوع يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجيل ولا في أورشليم تسجدون للآب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون. أما نحن فنسجد لما نعلم. لأن الخلاص هو من اليهود. ولكن تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أو يسجدوا" (يوحنا 4: 20 - 24)
كان دانيال تحت الناموس، ولم يكن أمامه خيار إلا أن يصلي وكواه مفتوحة نحو أورشليم إطاعة لكلمة إلهه.
ومع معرفة دانيال بالخطر الآتي عليه لم يسمح لنفسه أن يتلاعب بمبادئ إلهه، أو أن يبتكر طريقاً جسدياً للنجاة بحياته، أو يقطع صلته بإلهه مصدر حياته وقوته والقادر على حمايته.
لقد كانت العادة التي سار عليها دانيال أن يصلي ثلاث مرات في اليوم، وليت أولاد وبنات الله يتعلمون هذا الدرس ويقدرون قيمة الصلاة والشركة مع الله مهما كانت مشاغلهم أ وعظمة مراكزهم. فدانيال كان من أعظم رجال السياسة والحكم لكنه كان في نفس الوقت من أعظم رجال الصلاة. (حزقيال 14: 14)
خصص دانيال مكاناً يلجأ إليه ساعة الصلاة، كان هذا المكان هو عليته المفتوحة الكوى نحو أورشليم. وقد طالبنا الرب بتخصيص مكان للصلاة في بيوتنا بكلماته "وأما أنت فمتى صليت فادخل مخدعك وأغلق بابك وصل إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية" (متى 6: 6). وكان المكان الذي اختاره اسحق للتأمل هو الحقل "خرج اسحق ليتأمل في الحقل عند إقبال المساء" (تكوين 24: 63). ويسوع كان يذهب إلى موضع خلاء أو إلى البراري أو إلى الجبل ليصلي إلى الآب.
"وفي الصبح باكراً جداً قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلي هناك" (مرقس 1: 35).
"أما هو فكان يعتزل في البراري ويصلي" (لوقا 5: 16).
"وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي. وقضى الليل كله في الصلاة لله" (لوقا 6: 12)
وجوناثان إدواردز، وتشارلس فني، وعمالقة الخدمة كان لكل منهم مكاناً مخصصاً للصلاة والشركة والاعتزال مع الله.
فهل لديك مكاناً مخصصاً للصلاة؟
"ذهب إلى بيته.. فجثا على ركبتيه ثلاث مرات في اليوم" (دانيال 6: 10)
ومع أنني لا أحدد وضعاً معيناً للصلاة إلا أنني أعتقد أن الجثو هو الوضع المناسب للصلاة.
فيسوع وهو مثالنا الأعظم في كل شيء كان يجثو للصلاة "وانفصل عنهم نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلى" (لوقا 22: 41) واستفانوس أول شهداء المسيحية جثا على ركبتيه للصلاة "فكانوا يرجمون استفانوس وهو يدعو ويقول أيها الرب يسوع اقبل روحي. ثم جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم يا رب لا تقم لهم هذه الخطية" (أعمال 7: 59 و 60). وبطرس حين صلى في العلية التي رقد فيها جسد طابيثا، صلى جاثياً على ركبتيه "فأخرج بطرس الجميع خارجاً وجثا على ركبتيه وصلى" (أعمال 20: 36). وبعد أن ختم زيارته لصور شيعه التلاميذ هناك وجثوا جميعاً للصلاة "فجثونا على ركبنا على الشاطئ وصلينا" (أعمال 21: 5).
ما أجمل منظر النبي الشيخ دانيال وهو جاث يصلي إلى إلهه. اذكر دائماً أن أقصر مسافة بين أي مشكلة وحلها هي المسافة بين ركبتيك وأرض مخدعك.
في العلية صلى دانيال وحمد قدام إلهه.
والصلاة هي الدعاء إلى الله (تكوين 4: 26). وهي التوسل لله(قضاة 16: 28). وهي سكب النفس أمام الله (1 صموئيل 1: 15) وهي الطلب من الله (تكوين 25: 21). وهي طلب وجه الله (2 أخبار 7: 14) وهي البخور العطر الذي نرفعه لله (مزمور 141: 2 ورؤيا 5: 8). وقد حوت صلاة دانيال هذا كله، فهو في هذا الموقف الخطير الدقيق استودع نفسه لله بالصلاة "فإذاً الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين في عمل الخير" (1 بطرس 4: 19)
ومع الصلاة شكر دانيال الله "حمد قدام إلهه".. (دانيال 6: 10)
وكم من مرات تخلو صلواتنا من موسيقى الشكر..
ويخطر ببالنا السؤال: كيف يمكن لإنسان أن يشكر الله وهو يواجه الموت؟
والجواب: أن هناك دائماً ناحية منيرة في تجاربنا يحاول الشيطان جاهداً أن يخفيها عنا، ليحول شكرنا إلى تذمر.
لما هاجم الشيطان أيوب بعنف شديد، وأفقده ممتلكاته وأولاده.. كانت هناك ناحية منيرة في حياته هو أنه بقي صحيحاً وقوياً في جسده. وقد كان الشيطان يعرف هذه الناحية المنيرة (أيوب 2: 4 و 5) وفي كل تجربة تصيبنا ناحية مضيئة يمكننا أن نشكر الله لأجلها.
ويقيناً أن دانيال كان يرى هذه الناحية المضيئة، كان يرى وجود الله في حياته، وإحساسه برفقته والشركة معه يدفعه إلى الشكر الدائم في كل الظروف.
"أشكروا في كل شيء. لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم" (1 تسالونيكي 5: 18)
"لا تهتموا بشيء بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر لتعلم طلباتكم لدى الله. وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" (فيلبي 4: 6 و 7)
وألا توجد في حياتنا بركات روحية وجسدية لا يمكن لأحد أن يأخذها منا؟
لقد عرف داود هذه البركات فشد أوتار حياته الداخلية وعزف أعذب موسيقى الشكر قائلاً: "باركي يا نفسي الرب وكل ما في باطني ليبارك اسمه القدوس. باركي يا نفسي ولا تنسي كل حسناته. الذي يغفر جميع ذنوبك الذي يشفي كل أمراضك. الذي يفدي من الحفرة حياتك الذي يكللك بالرحمة والرأفة. الذي يشبع بالخير عمرك فيتجدد مثل النسر شبابك" (مزمور 103: 1 - 5)
"صلى [دانيال] وحمد قدام إلهه كما كان يفعل قبل ذلك". لم تدفع الأزمة دانيال للصلاة. لقد كانت الصلاة عادته ولذته طول حياته.
وحين يطلب المؤمن الله أيام نجاحه يجده في أيام فشله.
وحين يطلب المؤمن الله وهو في أوج صحته يجده في أيام مرضه.
وحين يطلب المؤمن الله في أيام شبابه يجده في أيام شيخوخته.
لقد اعتاد دانيال أن يصلي ويحمد إلهه ثلاث مرات في اليوم.. فكم مرة تصلي كل يوم وكم مرة تحمد الرب؟
بينما كان دانيال يستمتع بأوقات الشركة مع الله، كان الملك داريوس يجتاز أزمة عجز تماماً عن وجود مخرج منها.
فالرجال الذين تآمروا ضد دانيال وجدوا الفرصة السانحة للقضائ عليه "فتقدموا وتكلموا قدام الملك في نهي الملك. ألم تمضي أيها الملك نهياً بأن كل إنسان يطلب من إله أو إنسان حتى ثلاثين يوماً إلا منك أيها الملك يطرح في جب الأسود. فأجاب الملك وقال صحيح كشريعة مادي وفارس التي لا تنسخ. حينئذ أجابوا وقالوا قدام الملك إن دانيال الذي من بني سبي يهوذا لم يجعل لك أيها الملك اعتباراً ولا للنهي الذي أمضيته بل ثلاث مرات في اليوم يطلب طلبته. فلما سمع الملك هذا الكلام اغتاظ على نفسه جداً وجعل قلبه على دانيال لينجيه واجتهد إلى غروب الشمس لينقذه فاجتمع أولئك الرجال إلى الملك وقالوا للملك أيها الملك أن شريعة مادي وفارس هي أن كل نهي أو أمر يضعه الملك لا يتغير. حينئذ أمر الملك فأحضروا دانيال وطرحوه في جب الأسود. أجاب الملك وقال لدانيال إن إلهك الذي تعبده دائماً ينجيك. وأتى بحجر ووضع على فم الجب وختمه الملك بخاتمه وخاتم عظمائه لئلا يتغير القصد في دانيال" (دانيال 6: 2)
أين الألوهية التي ادعاها الملك داريوس لنفسه؟
أين القوة الملكية التي تستطيع إخراجه من أزمته؟
أحمق الإنسان الذي يعتقد أنه المسيطر على ظروف حياته.
أحمق الإنسان الذي يدعي الألوهية لنفسه.
"عرفت يا رب أنه ليس للإنسان طريقه. ليس لإنسان يمشي أن يهدي خطواته" (إرميا 10: 23)
هكذا ظهر عجز السلطان الذي أراد أن يكون إلهاً للناس لمدة ثلاثين يوماً.
أدرك الملك غفلته وحقيقة المؤامرة التي حيكت ضد دانيال، واستخدمه رجاله في إتمامها و"اغتاظ على نفسه جداً" أو بمعنى آخر اغتاظ من نفسه.. قال: كيف كانت من الغفلة والحماقة حتى أوقع أمراً ونهياً مثل هذا؟ وحاول بكل الطرق القانونية أن يجد طريقاً لإنقاذ دانيال ولكنه فشل...
وعرف عندئذ أنه الإله الفاشل.
الإله الذي قيد نفسه بقانون لا يستطيع إلغاؤه وهو في ذات الوقت يقضي على دانيال أعظم الرجال أمانة وفضيلة ونزاهة بين رجاله.
ما أكبر الفرق بين عجز الإنسان وقوة وحكمة الله.
لقد وضع الله قانونه الذي لا يتغير "النفس التي تخطئ هي تموت" (حزقيال 18: 4)
ولما أخطأ الإنسان واستحق الموت، ظهرت حكمة الله وقوته في إنقاذ الإنسان بموت المسيح على الصليب.
"ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة. وأما للمدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله" (1 كورنثوس 1: 23 و 24)
أجل في الصليب احتفظ الله ببره وبرر الخاطئ الراجع إليه في ذات الوقت.
"وأما الآن فقد ظهر بر الله... بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون. لأنه لا فرق. إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله. متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح. الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره في الزمان الحاضر ليكون باراً ويبرر من هو من الإيمان بيسوع" (رومية 3: 21 - 26)
"يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء" (رومية 11: 33)
لكن الملك داريوس عجز عن إنقاذ دانيال. لأن الملك كان مجرد إنسان.
وأمر الملك فأحضروا دانيال الشيخ الأمين لإلهه، وطرحوه في جب الأسود.. ومن العجيب أ، الملك لم يخش على دانيال من الأسود، بل خاف عليه من رجاله الأشرار المتآمرين "وأتى بحجر ووضع على فم الجب وختمه الملك بخاتمه.. لئلا يتغير القصد في دانيال"
ومضى السلطان العاجز حزيناً إلى قصره.
وبات صائماً من فرط أساه.
ولم يؤت قدامه بسراريه.
وطار عنه نومه.
هذا هو الملك الذي أراد أن يكون إلهاً لمدة ثلاثين يوماً وإذا به يصل إلى هذه الخاتمة المحزنة في فترة ألوهيته.
قوة الإيمان
"ثم قام الملك باكراً عند الفجر وذهب مسرعاً إلى جب الأسود. فلما اقترب إلى الجب نادى دانيال بصوت أسيف. أجاب الملك وقال لدانيال يا دانيال يا عبد الله الحي هل إلهك الذي تعبده دائماً قدر على أن ينجيك من الأسود. فتكلم دانيال مع الملك يا أيها الملك عش إلى الأبد. إلهي أرسل ملاكه وسد أفواه الأسود فلم تضرني لأني وجدت بريئاً قدامه وقدامك أيضاً أيها الملك لم أفعل ذنباً. حينئذ فرح الملك به وأمر بأن يصعد دانيال من الجب فأصعد دانيال من الجب ولم يوجد فيه ضرر لأنه آمن بإلهه" (دانيال 6: 19 - 23)
على عكس الملك نبوخذ نصر كان الملك داريوس. فالملك نبوخذ نصر حين تحداه الرجال الثلاثة شدرخ وميشخ وعبدنغو قال لهم "ومن هو الإله الذي ينقذكم من يدي" (دانيال 3: 15) فهو رغم الحلم الذي رآه، ورغم تعبير دانيال لحلمه، ورغم اعترافه بأن إله دانيال وشدرخ وميشخ وعبدنغو هو إله الآلهة ورب الملوك وكاشف الأسرار (دانيال 2: 47) إلا أنه لم يؤمن بقدرة الله على كل شيء.. أما الملك داريوس فقال لدانيال "إن إلهك الذي تعبده دائماً هو ينجيك" (دانيال 6: 16)
وكلمات الملك داريوس لدانيال ترينا أن دانيال اشتهر بعبادته الدائمة لله. بثبات حياته الروحية وعلاقته بإلهه ووصلت شهرته في هذه الدائرة إلى الملك نفسه.
وقد تنازع الملك عاملان، عامل الإيمان في أن دانيال يقدر على أن ينجيه، وعامل الخوف على دانيال من أن تفترسه الأسود.
لقد قضى الملك ليلة سوداء وهو يلوم نفسه على غفلته، وعلى أنه كان السبب في طرح دانيال في جب الأسود، بينما قضى دانيال ليلة مضيئة مع الملاك الذي جاء لسد أفواه الأسود.
والملائكة هم خدام الله، والكتاب المقدس من تكوينه إلى رؤياه ملآن بحركة الملائكة ومتابعة حركة الملائكة تملأ قلب المؤمن بالاطمئنان.
"لأنك قلت أنت يا رب ملجأي. جعلت العلى مسكنك. لا يلاقيك شر ولا تدنو ضربة من خيمتك. لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك. على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك" (مزمور 91: 9 - 12)
"ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم" (مزمور 34: 7)
"باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه" (مزمور 103: 20)
"الملائكة.. جميعهم أرواحاً خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عبرانيين 1: 13 و 14)
"الصانع ملائكته رياحاً وخدامه لهيب نار" (مزمور 104: 4)
مع ملاك أرسله الله من السماء لسد أفواه الأسود قضى دانيال ليلته..
هل نام عاجلاً من أحد الأسود وسادة ومن الآخر غطاء في الجب البارد؟
أو قضى ليلته يتحدث إلى الزائر السماوي الذي أضاء الجب المظلم بنوره الملائكي؟
الذي ندريه أن الملاك سد أفواه الأسود.
ويسجل كاتب الرسالة إلى العبرانيين هذا الحادث، مؤكداً أن الإيمان كان هو السر في نجاة دانيال فيقول "وماذا أقول أيضاً لأنه يعوزني الوقت إن أخبرت عن.. الأنبياء الذي بالإيمان سدوا أفواه الأسود" (عبرانيين 11: 32 و 33)
جاء الملك داريوس باكراً عند الفجر إلى جب الأسود، ولما اقترب من الجب قال "يا دانيال عبد الله الحي هل إلهك الذي تعبده دائماً قدر أن ينجيك من الأسود" (دانيال 6: 20)
لقد كان تبديد اليهود عقاباً لهم بسبب كثرة خطاياهم، لكن الأمناء منهم كانوا شهوداً لله، أعلنوا اسمه للأمم البعيدة، وهكذا عرف الملك المادي داريوس الله الحي، وعرف دانيال عبده الذي يعبده دائماً.
"أنتم شهودي يقول الرب وعبدي الذي اخترته لكي تعرفوا وتؤمنوا بي وتفهموا أني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون. أنا أنا الرب وليس غيري مخلص" (أشعياء 43: 10 و 11)
لكن الملك داريوس كان آسفاً لأنه لم يختبر شخصياً قدرة إله دانيال في الإنقاذ فسأل دانيال "هل إلهك الذي تعبده دائماً قدر على أن ينجيك من الأسود؟"
وقد رد دانيال على الملك من داخل الجب "يا أيها الملك عش إلى الأبد. إلهي أرسل ملاكه وسد أفواه الأسود فلم تضرني" ويجدر بنا هنا ملاحظة أن الملك يقول لدانيال "هل إلهك.. قدر أن ينجيك؟" لقد عرف عن الله ولكنه لم يتخذه إلهاً له، أما دانيال فأجاب "إلهي" وطوبى للإنسان الذي الله إلهه، والذي له ارتباط شخصي، ومعرفة قلبية حقيقية لهذا الإله. قال داود مخاطباً الله "يا الله إلهي أنت" (مزمور 63: 1)
لقد أنقذ الله دانيال من أفواه الأسود لأنه كان بريئاً قدامه، وكان بريئاً قدام الملك فهو لم يرتكب أية خيانة ضد الملك أو ضد الدولة، ولم يوجد في دانيال ضرر "لأنه آمن بإلهه".. وكما أن النار لم تأت رائحتها على الرجال الثلاثة حين ألقاهم رجال نبوخذ نصر الأشداء في الأتون المتقد، كذلك لم تمس الأسود المفترسة الجائعة جسد دانيال. مبارك اسم الرب إلى الأبد.
أمر الملك وقد غمره الفرح بإصعاد دانيال من الجب وتأكد كل من رآه بعد خروجه من الجب أن الأسود المتوحشة لم تمسه.
عقاب المتآمرين
"فأمر الملك فأحضروا أولئك الرجال الذين اشتكوا على دانيال وطرحوهم في جب الأسود هم وأولادهم ونساءهم ولم يصلوا إلى أسفل الجب حتى بطشت بهم الأسود وسحقت عظامهم" (دانيال 6: 24)
لو عرف الأشرار مدى ما يجلبه شرهم لتابوا عن ارتكاب الشر.
قال داود عن الإنسان الشرير "كره جباً. حفره فسقط في الهوة التي صنع. يرجع تعبه على رأسه وعلى هامته يهبط ظلمه" (مزمور 7: 15 و 16) وقال كاتب الأمثال "من يحفر حفرة يسقط فيها ومن يدحرج حجراً يرجع عليه" (أمثال 26: 27)
وقال بولس الرسول "لا تضلوا. الله لا يشمخ عليه. فإن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصده أيضاً" (غلاطية 6: 7)
هكذا حصد المتآمرون الزرع الذي زرعوه بفارق واحد أن دانيال آمن بإله قادر سد أفواه الأسود، أما هم فلم يجدوا إلهاً يلجأون إليه في وقت محنتهم. "ولم يصلوا إلى أسفل الجب حتى بطشت بهم الأسود وسحقت عظامهم" ويجدر بنا أن نلاحظ هنا أن طرح الأولاد والنساء في جب الأسود مع الرجال المتآمرين لم يكن بحسب الناموس الإلهي، لأن ناموس الله يقول "لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء. كل إنسان بخطيته يقتل" (تثنية 24: 16) لكن شريعة مادي وفارس الوثنية كانت تحتم القضاء على المجرم وأفراد أسرته.
الأمر الملكي للسكان
"ثم كتب الملك داريوس إلى كل الشعوب والأمم والألسنة الساكنين في الأرض كلها. ليكثر سلامكم. من قبلي صدر أمر بأنه في كل سلطان مملكتي يرتعدون ويخافون قدام إله دانيال لأنه هو الإله الحي القيوم إلى الأبد وملكوته لن يزول وسلطانه إلى المنتهى. هو ينجي وينقذ ويعمل الآيات والعجائب في السموات وفي الأرض. هو الذي نجى دانيال من يد الأسود" (دانيال 6: 25 - 27)
مؤمن واحد أمين لإلهه. لا يحب حياته حتى الموت يمكن أن يكون سبباً لمجد الله في أماكن كثيرة، بل في إمبراطورية واسعة بأسرها.
خرج دانيال سالماً. لكن الملك داريوس أصدر أمراً وفي أمره طلب
الارتعاد والخوف قدام إله دانيال.
وخوف الله هو بداية الحكمة..
"مخافة الرب رأس المعرفة" (أمثال 1: 7)
"وتخاف سكان الأقاصي من آياتك" (مزمور 2: 11)
أعلن أنه الإله الحي القيوم إلى الأبد أي أنه الإله الذي لا ند ولا شبيه له، وهو الباقي إلى الأبد.
وأعلن أن ملكوته لن يزول.
وأن سلطانه إلى المنتهى
وأعلن أنه ينجي وينقذ ويعمل الآيات والعجائب في السموات وعلى الأرض.
كل هذا أعلنه الملك لأن الله "نجى دانيال من يد الأسود"
ويختتم الإصحاح بالكلمات
"فنجح دانيال هذا في ملك داريوس وفي ملك كورش الفارسي" (دانيال 6: 28)
والنجاح يأتي للمؤمن من الله.
فهو البركة التي وعد بها الرب من يلهج ويتأمل في كلمته نهاراً وليلاً (مزمور 1: 3)
وهو بركة رفقة الرب لنا "وكان الرب مع يوسف فكان رجلاً ناجحاً" (تكوين 39: 3) "لأن الرب كان معه ومهما صنع كان الرب ينجحه" (تكوين 39: 3)
وهو البركة التي نحصل عليها إذا طلبنا الرب "عزيا.. كان يطلب الله في أيام زكريا الفاهم بمناظر الله وفي أيام طلبه الرب أنجحه الله" (2 أخبار 26: 5)
ودانيال كانت فيه كل هذه الامتيازات، لذلك فقد نجح في حياته السياسية كما نجح في حياته الروحية. وأعظم نجاح هو نجاح المؤمن في حياته الروحية.
الفصل السابع
الحيوانات الحاكمة

بهذا الفصل نبدأ الحديث عن الجزء النبوي في سفر دانيال، الإصحاح السابع الذي سيكون موضوع حديثنا في هذا الفصل كتب في الأصل باللغة الآرامية، وهو يرينا حكم الأمم وطبيعة هذا الحكم الوحشية.
والآن إلى كلمات الإصحاح السابع من سفر دانيال.
"في السنة الأولى لبيلشاصر ملك بابل رأى دانيال حالماً ورؤى رأسه على فراشه. حينئذ كتب الحلم وأخبر برأس الكلام. أجاب دانيال وقال كنت أرى في رؤياي ليلاً وإذا بأربع رياح السماء هجمت على البحر الكبير. وصعد من البحر أربعة حيوانات عظيمة هذا مخالف ذاك. الأول كالأسد وله جناحا نسر. وكنت أنظر حتى انتتف جناحاه وانتصب عن الأرض وأوقف على رجلين كإنسان وأعطى قلب إنسان.وإذ بحيوان آخر ثان شبيه بالدب فارتفع على جنب واحد وفي فمه ثلاث أضلع بين أسنانه فقالوا له هكذا. قم كل لحماً كثيراً. وبعد هذا كنت أرى وإذا بآخر مثل النمر وله على ظهره أربعة أجنحة طائر. وكان للحيوان أربعة رؤوس وأعطى سلطاناً. بعد هذا كنت أرى في رؤى الليل وإذا بحيوان رابع هائل وقوي وشديد جداً وله أسنان كثيرة من حديد كبيرة. أكل وسحق وداس الباقي برجليه. كان مخالفاً لكل الحيوانات الذين قبله. وله عشرة قرون." (دانيال 7: 1- 7).
في الحلم الذي رآه نبوخذ نصر رأينا أربع ممالك تتسلط على الأرض قبل مجيء ربنا يسوع المسيح لتأسيس ملكه الألفي السعيد على الأرض. هذه الممالك الأربع يرمز إليها في الحلم الذي رآه دانيال في هذا الإصحاح بأربعة حيوانات.
وقد يخطر ببالنا السؤال: كيف رأى الملك نبوخذ نصر في حلمه هذه الممالك الأربع مرموزاً إليها بالذهب، والفضة، والنحاس، والحديد المختلط بالخزف، بينما رآها دانيال مرموزاً إليها بحيوانات أربعة؟
ونجيب: إن حلم الملك نبوخذ نصر رآه ملك وثنى، وأراه الله في هذا الحلم ممالك العالم خلال أزمنة الأمم كما يراها الإنسان الطبيعي في مظهرها الخارجي البهي، وفي غناها، ومجدها، وقوتها العسكرية.
أما حلم دانيال فقد رآه نبي عبراني، وأراه الله ذات الممالك الأربعة في طبيعتها الداخلية الحقيقية.... الطبيعة الوحشية المفترسة..... وأنه لما يسترعى الانتباه أن الدول القديمة والحديثة قد اختارت رمزاً لها من الوحوش أو الطيور الجارحة.... وقد عرفنا الأسد البريطاني، والدب الروسي والنسر الأمريكي في ترينا الحديث.
قال دانيال "كنت أرى رؤياي ليلاً وإذا بأربع رياح السماء هجمت على البحر الكبير" (دانيال 27: 2).
وقد تكررت كلمة "رياح السماء" عدة مرات في هذا السفر. ففي دانيال 8: 8 نقرأ "فتعظم تيس المعز جداً ولما اعتز انكسر القرن العظيم وطلع عوضاً عنه أربعة قرون معتبرة نحو رياح السماء الأربع" وفي دانيال 11: 4 نقرأ "وكقيامة تنكسر مملكته وتنقسم إلى رياح السماء الأربع"
ويبدو أن استخدام كلمة "رياح السماء" في دانيال 8: 8 و 11: 4 نجد أن رياح السماء ترمز إلى العالم بجهاته الأربع كما نقرأ في إنجيل متى "فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء السموات إلى أقصائها" (متى 24: 31)
فرياح السماء المذكورة في دانيال 7: 2 والتي هجمت على البحر الكبير ترمز إلى القوى التي يستخدمها الله لتنفيذ مقاصده سواء في السماء أو على الأرض،وهي بغير شك قوى ملائكية كما قال كاتب المزمور "الصانع ملائكته رياحاً وخدامه ناراً ملتهبة" (مزمور 104: 4)، ونحن نقرأ في سفر الرؤيا عن رياح الأرض في الكلمات "بعد هذا رأيت أربع ملائكة واقفين على أربع زوايا الأرض ممسكين أربع رياح الأرض لكي لا تهب ريح على أرض ولا على البحر ولا على شجرة ما" (رؤيا 7: 1)
وفي اعتقادنا أن هناك ملائكة مكلفين بتنفيذ مقاصد الله في السماء وعلى الأرض، كل فريق يقوم بعمله بحسب الخطة الإلهية المرسومة.
أما البحر الكبير الذي ذكره دانيال، فهو البحر الأبيض المتوسط، ويتضح هذا مما جاء في سفر العدد 34: 6 و 7 "وأما تخم الغرب فيكون البحر الكبير لكم تخماً. هذا يكون لكم تخم الغرب. وهذا يكون لكم تخم الشمال. من البحر الكبير ترسمون لكم إلى جبل هور" ويتضح كذلك مما جاء في سفر يشوع "من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم" (يشوع 1: 4). ]اقرأ أيضاً يشوع 9: 1، يشوع 15: 11 و12 و 47، يشوع 23: 4، حزقيال 47: 10 و15 و19 و20 وحزقيال 48: 28[.
ويرمز البحر أيضاً في مواضع أخرى من الكتاب المقدس إلى القوى الأممية المعادية لله كما يقول أشعياء النبي "آه ضجيج شعوب كثيرة تضج كضجيج البحر وهدير قبائل تهدر كهدير مياه غزيرة" (أشعياء 17: 12) وكما يقول أيضاً "وأما الأشرار فكالبحر المضطرب لأنه لا يستطيع أن يهدأ وتقذف مياهه حمأة وطنياً" (أشعياء 57: 20) ]اقرأ أيضاً أرميا 46: 7 – 9 و 47: 2، رؤيا 13: 1 و 17: 1 و 15[.
فمن وسط الأمم المضطربة العائشة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط خرجت الحيوانات الأربعة، واضطرت هذه الأمم وحيرها ستزايد مع الأيام...
ويقينا أن هذه الحيرة ظاهرة اليوم بصورة لا تنكر إحدى علامات قرب عودة المسيح كما قال بفمه المبارك "وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم. وعلى الأرض كرب أمم بحيرة البحر والأمواج تضج. والناس يغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي عل المسكونة لأن قوات السموات تتزعزع. وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتياً في سحابة بقوة ومجد كثير" (لوقا 21: 25 - 27)
يقول دانيال النبي "وصعد من البحر أربعة حيوانات عظيمة هذا مخاف ذاك. الأول كالأسد وله جناحا نسر. وكنت أنظر حتى انتتف جناحاه وانتصب عن الأرض وأوقف على رجلين كإنسان وأعطى قلب الإنسان" (دانيال 7: 2 - 4)
هذا الحيوان الأول الذي رآه دانيال كالأسد له جناحا نسر، يرينا بصورته هذه الجلال الملكي والقوة العسكرية الباطشة، وفي ذلك الوقت البصر الحاد وسرعة الانقضاض التي يتميز بها النسر. وهذا الحيوان الأول يرمز إلى الإمبراطورية البابلية التي رمز إليها التمثال العظيم بالرأس من ذهب.
وقد يخطر ببالنا السؤال: كيف يمكن أن يكون حلم دانيال نبوياً يتحدث عن ممالك مستقبلية، بينما الحيوان الأول الذي رآه يرمز إلى الإمبراطورية البابلية التي كانت عندئذ موجودة على الأرض كما يؤكد دانيال في كلماته "في السنة الأولى لبيلشاصر ملك بابل رأى دانيال حلماً" (دانيال 7: 1)؟!؟
ونجيب: يقيناً أن الإمبراطورية البابلية كانت موجودة في الوقت الذي رأى دانيال فيه حلمه النبوي.... لكننا لا يجب أن ننسى أن الإمبراطورية البابلية حين رأى الملك نبوخذ نصر حلمه النبوي أيضاً... وفي اعتقادنا أن وجود الرأس من ذهب في التمثال الذي رآه الملك نبوخذ نصر، ووجود الحيوان الذي كالأسد في الحلم الذي رآه دانيال هو لإعطاء القارئ أو السامع صورة متكاملة للإمبراطوريات التي حكمت وستحكم الأرض خلال أزمنة الأمم - الصورة التي يراها الإنسان، والصورة التي يراها الله.
يستطرد دانيال قائلاً: "كنت أرى... وإذ بحيوان آخر ثان شبيه بالدب فارتفع على جنب واحد وفي فمه ثلاث أضلع بين أسنانه فقالوا له هكذا. قم كل لحماً كثيراً" (دانيال 7: 5).
هذا الحيوان الثاني كان شبيهاً بالدب، والدب أقل قوة من الأسد، تماماً كما أن الفضة في التمثال العظيم الذي رآه نبوخذ نصر الملك أقل قيمة من الذهب. وهنا نرى بداية التدهور في الحكم الأممي خلال أزمنة الأمم هذا الحكم الذي سيصل في نهايته إلى الحديد المختلط بالطين.
هذا الحيوان الشبيه بالدب يرمز إلى مملكة مادي وفارس، ويشار إليها في التمثال بالصدر والذراعين من فضة، وقد كانت هذه المملكة مكونة من اتحاد شعبين.. المادي والفارسي، والشعب المادي من نسل "ماداي ابن يافت" (تكوين 10: 2 و 1أخبار 1: 5)، أما الشعب الفارسي فهو من أصل آري، قريب من العنصر المادي، ولم يذكر أصله في جدول الأمم في تكوين 10. وقد أصبحت فارس هي القوة الأكثر تسلطاً وهذا يظهر في النبوة في ارتفاع الدب على جنب واحد وهو جنب الفارسي، أما الثلاث أضلع بين أسنان الدب فهي تشير إلى الممالك التي هزمها الدب المادي الفارسي.... بابل، ومصر، وليديا. وكانت ليديا واقعة على ساحل آسيا الصغرى عاصمتها ساردس ومن مدنها أيضاً ثياتيريا وفيلادلفيا، وقد انتصر كورش الفارسي على ملكها كريسوس وأصبحت ليديا مستعمرة فارسية، ولم تسترد حريتها منذ ذلك الحين.
وبسبب استخدام الأعداد الضخمة من الجيوش الفارسية نقرأ الكلمات "قم كل لحماً كثيراً" (دانيال 7: 5). مما يؤكد مدى فداحة الخسائر البشرية في حروب مادي وفارس.
ولقد كانت النبوة دقيقة كل الدقة في تصويرها مملكة مادي وفارس بالصدر والذراعين من فضة في التمثال العظيم، فمع أنها كانت مملكة واحدة إلا أنها تكونت من شعبين أشير إليهما بالذراعين.
يستطرد دانيال فيقول "وبعد هذا كنت أرى وإذ بآخر مثل النمر وله على ظهره أربعة أجنحة طائر. وكان للحيوان أربعة رؤوس وأعطى سلطاناً" (دانيال 7: 6)
النمر وحش مفترس يتميز بخفة الحركة والذكاء، وفي النبوة نجد أن هذا النمر له على ظهره أربعة أجنحة طائر مما يظهر سرعته الفائق الحدود.
هذا الحيوان الثالث يرمز إلى الإمبراطورية اليونانية التي تميزت بسرعة توسعها وانقضاضها تحت قيادة الإسكندر الأكبر. ولقد هزمت الإمبراطورية اليونانية أعداءها بسرعة منقطعة النظير تحت قيادة هذا الإمبراطور الشاب.
أما أربعة رؤوس هذا النمر فهي تشير إلى تقسيم الإمبراطورية اليونانية بين أربعة من قادة الجيش اليوناني.... حكموا سوريا، ومصر، ومكدونية، وأسيا الصغرى هم بطليموس Ptolemy، وسيلوقوس Seleucs، وفيليب Philip، وأنتيجونوس Antigonus. ويعتقد أدوارد يونج أن الأربعة رؤوس تشير أربعة أطراف الأرض، ويبنى اعتقاده على أن الملوك يشار إليهم بالقرون في سفر دانيال، ويقول أن الرؤوس الأربعة تشير إلى تسلط الإمبراطورية اليونانية على الأرض كما تقول كلمات النبوة "ومملكة ثالثة من نحاس فتتسلط على كل الأرض" (دانيال 2: 39).
وقد استمرت الإمبراطورية اليونانية في الوجود حتى هزمتها الدولة الرومانية.
أما عبارة "فأعطى سلطاناً" فهي ترينا سيادة اله المطلقة، فهو الذي يعطى للملوك والرؤساء السلطة على شعوبهم..... إن رؤساء الشعوب لا يستطيعون السير أكثر مما سمح الله لهم.
إن هذا النمر الخفيف الحركة، يسير جنباً إلى جنب مع ما رآه نبوخذ نصر في التمثال العظيم "بطنه وفخذاه من نحاس" (دانيال 2: 32). وألفت النظر هنا إلى التدهور المضطرد في الحكم العالمي من الذهب إلى الفضة إلى النحاس. ومن الأسد إلى الدب إلى النمر.
ورقف دارس سفر دانيال وقد غمرته الدهشة أمام دقة الكلمة النبوية وإيجازها البديع. ففي سطور قليلة كتب لنا الروح القدس كل تاريخ الحكومات العالمية التي حكمت وستحكم العالم خلال "أزمنة الأمم" وهذا هو الإعجاز الفريد الذي لا يجاريه إعجاز.
"وبعد هذا كنت أرى في رؤى الليل وإذا بحيوان رابع وهائل وقوي وشديد جداً وله أسنان من حديد كبيرة. أكل وسحق وداس الباقي برجليه. وكان مخالفاً لكل الحيوانات التي قبله. وله عشرة قرون" (دانيال 7: 7).
سكتت النبوة عن إظهار شخصية هذا الحيوان الرابع، وكل ما قالته أنه "قوي وشديد جداً وله أسنان من حديد كبيرة، وأنه أكل وسحق وداس الباقي برجليه، وأن له عشرة قرون" فالحيوان الموصوف هنا مخيف يأكل بأسنانه الحديدية، ويدوس من لا يأكله برجليه.
وهذا الحيوان الباطش يتفق تماماً مع ساقي التمثال العظيم "ساقاه من حديد. قدماه بعضهما من حديد والبعض من خزف" (دانيال 2: 33) فالأسنان الحديدية الكبيرة تشير إلى القوة العسكرية الساحقة التي تميز بها الحيوان، وتصرفاته تعلن عن جبروته وقسوته، أما العشرة قرون فهي ترمز إلى عشرة ملوك سيظهرون من الدول التي ستحكمها هذه الإمبراطورية الأخيرة في صورتها النهائية، ويلعبون دورهم المخطط لهم مع الوحش الذي تحدث عنه يوحنا في الإصحاح الثالث عشر من سفر رؤيا يوحنا، وبما أن هذا الوحش سيصعد من الهاوية (رؤيا 11: 7 و 17: 18) وهو أحد أباطرة الدولة الرومانية إذاً يمكننا القول بأن هذا الحيوان الرابع يشير إلى الإمبراطورية الرومانية التي امتد ووجودها حتى زمن المسيح (لوقا 2: 1) والتي منها سيخرج الحاكم العالمي القادم الذي سيحكم الأرض خلال الضيقة العظيمة.
"كنت متأملاً بالقرون وإذا بقرن آخر صغير طلع بينها وقلعت ثلاثة من القرون الأولى من قدامه وإذا بعيون كعيون الإنسان في هذا القرن وفم متكلم بعظائم.كنت أرى أنه قد وضعت عروش وجلس قديم الأيام. لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار وبكراته نار متقدة. نهر نار جرى وخرج من قدامه، ألوف ألوف تخدمه وربوات ربوات وقوف قدامه. فجلس الدين وفتحت الأسفار. كنت أنظر حينئذ من اجل صوت الكلمات العظيمة التي تكلم بها القرن. كنت أرى إلى أن قتل الحيوان وهلك جسمه ودفع لوقيد. النار. أما باقي الحيوانات فنزع عنهم سلطانهم ولكن أعطوا طول حياة إلى زمان وقت" (دانيال 7: 8 - 12)
المنظر الذي رآه دانيال في حلمه وسجله هنا بكلماته وهو منظر محكمة السماء وقد انعقدت لتحكم على حكومات الأرض وتعلن مصيرها المحترم، وفي اعتقادنا أن منظر الدينونة الذي سجله يوحنا في سفر الرؤيا عن الدينونة الأخيرة أمام العرش العظيم الأبيض (رؤيا 20: 11 - 15). فالديان الذي جلس على عرش في حلم دانيال هو "القديم الأيام" الله الأب الذي قال عنه موسى "الإله القديم ملجأ والأذرع الأبدية من تحت" (تثنية 33: 27) والذي جاء إليه الابن، فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة (دانيال 7: 13 و 14) أما الديان الذي رآه يوحنا جلساً على العرش العظيم الأبيض فهو "الله الابن" الآتي لدينونة العالم الشرير "لأن الآب لا يدين أحد بل قد أعطى كل الدينونة للابن" (يوحنا 5: 22.
والمنظر الذي رآه دانيال هو منظر الدينونة المعدة للحكومات وسيتم قبل الألف السنة، أما المنظر الذي رآه يوحنا هو منظر الدينونة الأخيرة بعد الألف السنة وهو دينونة للأفراد. أما الجالس على عرش الدينونة هنا فهو القديم الأيام "لباسه أبيض كالثلج" اللباس الأبيض يشير إلى الجلال، والوقار، والطهر. "وشعر رأسه كالصوف النقي" وهذا يعني أنه الأزلي القديم الأيام. "وعرشه لهيب نار" والنار دائماً ترتبط بحضور الله (خروج 19: 18 و 20: 18 وحزقيال 1: 4 و 13 و 27) "وبكراته نار متقدة" وهذا يرينا أن العرش كان كأنه مركبة ملكية يحيطها المجد والجلال. وتكرار ذكر النار، يرينا أن حضور الله هنا كان للدينونة "لأن الرب إلهك هو نار آكلة إله غيور" (تثنية 4: 24) ]اقرأ عبرانيين 12: 29[.وفي نفس المنظر رأى دانيال ألوف ألوف الملائكة تخدم الله وربوات ربوات وقوف قدامه. أي ملايين الملائكة وقوف قدامه. فالسماء ممتلئة بالحركة التي لا نستطيع تصورها، وبأعداد من الملائكة لا يمكن حصرها.
ويجدر بنا قبل أن نترك هذا النص أ نقول أن الوصف الذي سجله دانيال عن الله الآب القديم الأيام، يقارب الوصف الذي سجله يوحنا عن المسيح في سفر الرؤيا في الكلمات "فالتفت لأنظر..... ولما التفت شبه ابن الإنسان متسر بلا بثوب إلى الرجلين..... وأما رأسه وشعره فأبيضان كالصوف الأبيض كالثلج وعيناه كلهيب نار.....ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها" (رؤيا 1: 12 - 16) وهذا يعني مساواة الآب بالابن تماماً كما قال المسيح لفيلبس "الذي رآني فقد رأى الآب" (يوحنا 14: 9)
وأما الأسفار التي فتحت ورآها دانيال، فهبي ليست الأسفار التي انفتحت ورآها يوحنا، فالأسفار التي رآها دانيال كانت أسفار هذه الحيوانات الحاكمة التي ذكرها في نبوته، والحكم الذي صدر ونفذ اختص بها وحدها. أما الأسفار التي رآها يوحنا فقد فتحت بعد القيامة الثانية، وكانت أسفار أولئك الذين وقفوا أمام العرش العظيم الأبيض وقد انفتح معها سفر الحياة. (رؤيا 20: 12).
لذا ففي اعتقادي أن المنظر الذي رآه دانيال هو منظر الدينونة التي تمت في السماء، وهو منظر المحكمة الإلهية هناك والحكم الذي أصدرته ونفذته هذه المحكمة هو حكم القضاء على الحيوان الرابع الذي هلك جسمه ودفع لوقيد النار "وهو الحكم بنزع السلطان عن الحيوانات الثلاثة الأولى". وهكذا نرى نهاية الإمبراطورية الرومانية كقوة سياسية وعسكرية.
وهنا يعترضنا السؤال: إذا كانت هذه الحيوانات التي رآها دانيال في حلمه وتحدث عنها بإيجاز في هذا الإصحاح تشير إلى الإمبراطوريات المتتابعة في التاريخ..... الإمبراطورية البابلية، و الإمبراطورية المادية الفارسية، و الإمبراطورية اليونانية، و الإمبراطورية الرومانية..... وقد قضت كل إمبراطورية على سابقتها فكيف بقت هذه الإمبراطوريات الثلاثة بعد القضاء على الإمبراطورية الرابعة كما يسجل دانيال بكلماته "وأما باقي الحيوانات فنزع عنهم سلطانهم ولكن أعطوا طول حياة إلى زمان ووقت"؟ (دانيال 7: 12).
والجواب: أن الإمبراطورية الرومانية وهي آخر الإمبراطوريات العالمية المذكورة، والقرن الصغير أحد أباطرتها وهو الذي سيقوم بالدور الأخير في المأساة العالمية القادمة خلال الضيقة العظيمة وقد تبنت الحضارات السابقة والمدنيات التي تميزت بها الإمبراطوريات التي سبقتها ومع انتهاء سلطان هذه الإمبراطوريات عسكرياً إلا أن حضارتها ومدنيتها وديانتها بقت إلى زمان ووقت. والكلمات "ولكن أعطوا طول حياة إلى زمان ووقت" ترينا سيادة الله المطلقة على الأمم والشعوب والحضارات لأنه تبارك اسمه وتعالى "صنع من دم واحد كل أمة من الناس يسمنون على كل وجه الأرض وحتم بالأوقات المعينة وبحدود مسكنهم" (أعمال 1: 26) فالكلمات "أعطوا طول حياة إلى زمان ووقت" تعبر عن التخطيط الإلهي المحدد بوقت معين لكل هذه الإمبراطوريات.
ويستطرد دانيال فيقول "كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن الإنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطى سلطاناً ومجد ملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا نقرض" (دانيال : 13 و 14).
هذه الرؤيا ترينا الرب يسوع المسيح آتياً كالملك، ونحن نراه هنا "مثل ابن إنسان" فهو ليس مجرد إنسان، لكنه ذلك الذي قال عنه بولس الرسول "الذي إذا كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (فيلبي 2: 6 - 8)
لقد صار "مثل ابن الإنسان" ليتم عمل الفداء العظيم، ويسحق كل قوات الظلام، وبهذا أصبح له الحق أن يتقدم إلى الأب "فأتى وأخذ السفر من يمين الجالس على العرش" (رؤيا 5: 7)
"فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة" وهذه الكلمات تتفق تماماً مع كلمات بول الرسول "لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم. لكي تجثوا باسكم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (فيلبي 2" 9 - 11)
نقرأ في خروج 20: 2 "أنا الرب إلهك..... لا يكن لك آلهة أخرى أمامي..... لا تسجد لهن ولا تعبدهن".
ونقرأ في أشعياء 42: 8 "أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر"
كيف إذا أعطى هذا لآتي مع سحب السماء سلطاناً ومجداً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة؟
الجواب: إن هذا الآتي مع السحب مع كونه "مثل ابن الإنسان" هو أيضاً الكلمة الكائن مع الآب منذ الأزل، هو الذي يقول عنه داود في المزمور "قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك" (مزمور 10" 1) هو الذي "سلطانه سلطان أبدي ما لم يزول وملكوته ما لم ينقرض" تماماً كما قال المجد لتلاميذه "دفع إلى كل سلطان في لسماء وعلى الأرض" (متى 28: 18) وكما قال جبرائيل الملاك وهو يبشر العذراء مريم "وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلى يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية" (لوقا 1: 31 و 32) فملك المسيح لم تستطيع قوة أن تنهيه كما انتهت الإمبراطوريات العظمى في التاريخ.
ولأن المسيح هو الله الابن فستتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. (رؤيا 5: 8 – 14).
توقف دانيال يطلب الحقيقة من جهة الحيوان الرابع الهائل جداً.
والآن تعال معي لنقرأ معاً كلماته:
"وأما أنا دانيال فحزنت روحي في وسط جسمي وأفزعتني رؤى رأسي. فاقتربت إلى واحد من الوقوف وطلبت منه الحقيقة في كل هذا. وعرفني تفسير الأمور. هؤلاء الحيوانات العظيمة هي أربعة ملوك يقومون على الأرض. أما قديسو العلى فيأخذون المملكة ويمتلكون الملكة إلى الأبد وإلى أبد الآبدين؟ حينئذ رمت الحقيقة من جهة الحيوان الرابع الذي كان مخالفاً لكلها وهائلاً جداً وأسنانه من حديد وأظفاره من نحاس وقد أكل وسحق وداس الباقي برجليه. وعن القرون العشرة التي برأسه وعن الآخر الذي طلع فسقطت قدامه ثلاثة وهذا القرن له عيون وفم متكلم بعظائم ومنظره أشد من رفقائه. وكنت أنظر وإذا هذا القرن يحارب القديسين فغلبهم حتى جاء قديم الأيام وأعطى الدين لقديسي العلى وبلغ الوقت فامتلك القديسون المملكة.
فقال هكذا. أما لحيوان الرابع فتكون مملكة رابعة على الأرض مخالفة لسائر المالك فتأكل الأرض كلها وتدوسها وتسحقها. والقرون العشرة من هذه المملكة هي عشرة ملوك يقومون ويقوم بعدهم آخر وهو مخالف الأولين ويذل ثلاثة ملوك. ويتكلم بكلام ضد العلى ويبلي قديسي العلى ويظن أنه يغير الأوقات والسنة ويسلمون ليده إلى زمان وأزمنة ونصف زمان. فيجلس الدين وينزعون عنه سلطانه ليفنوا ويبيدوا إلى المنتهى. والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت كل السماء تعطى لشعب قديسي العلى. ملكوته ملكوت أبدي وجميع السلاطين إياه يعبدون ويطيعون. إلى هنا نهاية الأمر" (دانيال 7: 15-28).
طلب دانيال تفسير ما رأى، وكان ما رآه سبباً في حزن روحه وفزعه. ولأول مرة نقرأ تحديداً لمكان الروح في الإنسان فدانيال يقول "فحزنت روحي في وسط جسمي" وبغير شك إن الروح خليقة قائمة بذاتها كما نقرأ في سفر زكريا "يقول الرب باسط السموات ومؤسس الأرض وجابل روح الإنسان في داخله" (زكريا 12: 1) فالروح مكانها وسط جسم الإنسان فهي مركز العبادة فيه.
بشعور الحزن الذي غمر دانيال والفزع الذي ملأ كيانه اقترب إلى واحد من الوقوف (دانيال 7: 10) وفي اعتقادنا أنه اقترب إلى واحد من أصحاب الرتب العليا في السماء وطلب منه الحقيقة في كل هذا الذي رآه في حلمه.
وقد أخبره هذا الواحد وعرّفه تفسير الأمور. وكان أول ما قال إن الحيوانات العظيمة هي أربعة ملوك يقومون على الأرض، أو بتعبير آخر أربعة ممالك فلا ملوك بغير ممالك، وإذا عدنا إلى الإصحاح الثاني لرأينا أن الممالك والملوك مترادفان (دانيال 2: 37- 44). فالحيوانات الأربعة تشير إلى أربعة ممالك تقوم على الأرض، إحدى هذه الممالك وهي المملكة البابلية كانت موجودة وقت أن رأى دانيال الحلم (دانيال 7: 1) وكون دانيال يقول "يقومون" هي من باب تغليب الكل على الجزء. والتمثال العظيم الذي رآه نبوخذ نصر كان يحمل ذات المعنى، فنبوخذ نصر كان موجوداً حين أرآه الله حلمه العجيب المتصل بالممالك القادمة بعده.
الحيوان الرابع والقرن الصغير
كان أهم ما شغل دانيال هو دانيال هو معرفة حقيقية الحيوان الرابع الهائل، والقرون العشرة التي برأسه، والقرن الصغير المتكلم بعظائم. وقد راعه أن هذا القرن يحارب القديسين ويغلبهم. (دانيال 7: 19- 22).
تكلم الواحد الذي اقترب إليه دانيال فقال " أما الحيوان الرابع فتكون مملكة رابعة على الأرض مخالفة لسائر الممالك فتأكل الأرض كلها وتدوسها وتسحقها." (دانيال 7: 23) هذه المملكة هي الإمبراطورية الرومانية التي كانت مخالفة لسائر الممالك في قوتها العسكرية، وقوانينها الصارمة. والنبوة تتحدث في هذا الإصحاح عن هذه المملكة في صورتها النهائية التي ستكون عليها في الأيام الأخيرة التي تسبق مباشرة عودة المسيح. وتركز النبوة حديثها في القرن الآخر الصغير الذي له عيون وفم متكلم بعظائم ومنظره أشد من رفقائه، وفي اعتقادنا أن هذه العيون تشير إلى الاختراعات الالكترونية الحديثة التي تمكن الحاكم من التجسس على رعاياه ومعرفة خفايا أمورهم. وتقول النبوة "وكانت أنظر وإذا هذا القرن يحارب القديسين فغلبهم" وبهذا ترينا أن هذه الحرب ستستمر إلى أن يأتي المسيح ليملك في ملكه الألفي السعيد (دانيال 7: 21- 22) ومن هنا يتضح أن هذه النبوة ترتبط بأحداث الضيقة العظيمة.
وانتقال النبوة من الأحداث البعيدة إلى الأحداث البعيدة ليس بدعاً في الكتاب المقدس، لأننا نرى هذا أشعياء (61: 1- 2) حيث غطى إتمام النبوة المجيئين الأول والثاني للمسيح.
يقول الواحد الذي عرّف دانيال تفسير الأمور "والقرون العشرة من هذه المملكة هي عشرة ملوك يقومون ويقوم بعدهم آخر وهو مخالف الأولين ويذل ثلاثة ملوك. ويتكلم بكلام ضد العلى ويظن أنه يغير الأوقات والسنة ويسلمون ليده إلى زمان وأزمنة ونصف زمان" (دانيال 7: 24- 25).
القرن الصغير
الملك الآخر المسمى بالقرن الصغير سيظهر من بين أباطرة الإمبراطورية الرومانية، ونلاحظ في ظهره ما يلي[1] يقوم قبله عشرة ملوك من ذات الإمبراطورية، ويذل ثلاثة منهم، ويتحدون معه عند ظهوره. والملوك برأسه (دانيال 7: 20) وهذا يعني أنه سيكون صاحب السلطة العليا عليهم، وهو القوة المفكرة الموجهة لهم، وهؤلاء الملوك العشرة يشار إليهم أيضاً بأصابع التمثال (دانيال 2: 42- 44). [2] يتكلم بكلام ضد العلى. [3] يظن أنه يغير الأوقات والسنة. [4] يسلم القديسون ليده إلى زمان وأزمنة ونصف زمان.
ومن يكون هذا غير الدكتاتور العالمي القادم؟
من يكون غير الوحش الذي ذكر يوحنا أوصافه في سفر الرؤيا بالكلمات "ثم وقفت على رمل البحر. فرأيت وحشاً طالعاً من البحر لع سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى قرونه عشرة تيجان وعلى رؤوسه اسم تجديف. والوحش الذي رأيته كان شبه نمر (الإمبراطورية اليونانية) وقوائمه كقوائم دب (الإمبراطورية الفارسية) وفمه كفم أسد (الإمبراطورية البابلية)" (رؤيا 1: 1- 2).
ومن هذا الوصف نرى أن الحاكم العالمي القادم، القرن الصغير، سيتبنى الفلسفة اليونانية، والقوة الباطشة الفارسية، والديانة البابلية، ديانة عبادة الإنسان. ويسترعى انتباهنا أن الإمبراطوريات القديمة تذكر بترتيب عكسي فتبدأ باليونان وتنتهي ببابل مما يؤكد أن فلسفة الإنسان ستطغى خلال حكم هذا الحاكم القادم وتلعب دوراً هاماً في تضليل الجماهير.
ويؤكد يوحنا في سفر الرؤيا أن هذا الحاكم سيصعد من الهاوية فيقول "الوحش الصاعد من الهاوية" (رؤيا 11: 9) "الوحش الذي رأيت كان وليس الآن وهو عتيد أن يصعد من الهاوية" (رؤيا17: 8).
ويؤكد يوحنا كذلك أن هذا الوحش هو أحد أباطرة الرومان السابقين "الوحش الذي رأيت كان وليس الآن.. والوحش الذي كان وليس الآن فهو ثامن وهو من السبعة ويمضي إلى الهلاك" (رؤيا 17" 8- 11).
وما قيل عن تجديف القرن الصغير ومحاربته الحاكم العالمي القادم ومحاربته للقديسين "وأعطى فماً يتكلم بعظائم وتجاديف.. ففتح فمه بالتجديف على الله ليجدف على اسمه وعلى مسكنه وعلى الساكنين في السماء. وأعطى أن يصنع حرباً مع القديسين ويغلبهم وأعطى سلطاناً على كل قبيلة ولسان وأمة. فسيسجد له جميع الساكنين على الأرض الذين أسماؤهم مكتوبة منذ تأسس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذبح" (رؤيا 13" 5- 8).
مملكة هذا الحاكم إذاً ستشمل العالم كله بكل قبائله، ولغاته، وأممه.
وسيحاول هذا الحاكم أن يغير الأوقات والسنة، أي سيحاول تغيير الأسس التي عاش بها الناس، كما سيحاول تغيير ناموس الله الأزلي الذي أعطاه للناس، ولعل المعنى يفيد تغيير الأوقات التي حددها الله لإتمام مقاصده وخططه (تكوين 1: 14- 17: 21- 18: 14) وزمان سيادة هذا الحاكم القادم محددة بدقة من الله "ويسلمون ليده إلى زمان وأزمنة ونصف زمان" (دانيال 7: 25) "وأعطى سلطاناً أن يفعل اثنين وأربعين شهراً" (رؤيا 13: 5)، فمدة حكم هذه الطاغية سيكون ثلاث سنين ونصف، خلالها يعلن نفسه إلهاً ويسجد له الساكنون على الأرض (اقرأ 2 تسالونيكي 2: 3- 11).
وسيستمر هذا الحاكم في استبداده، وإيذائهن وتقتيله، وإذلاله للقديسين إلى أن يأتي الرب يسوع المسيح.
"فيجلس الدين وينزعون عنه سلطانه.. والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت السماء تعطى لشعب قديسي العلى. ملكوته ملكوت أبدي وجميع السلاطين إياه يعبدون ويطيعون" (دانيال 7: 26- 27).
هنا نرى محكمة المسيح، وقد جلس هو على كرسي القضاء، وحكم لصالح القديسين "وأعطى الدين لقديسي العلى" (دانيال 7: 22).
وبالقضاء على الوحش، وببدء مملكة من نوع جديد تتميز بالعظمة والعدل والجلال، وفيها يكون الرب يسوع هو معبود جميع السلاطين (مزمور 2: 7- 12).
يختم دانيال الإصحاح بكلماته "أما أنا دانيال فأفكاري أفزعتني كثيراً وتغيرت على هيئتي وحفظت المر في قلبي".
ومن ذا الذي يتصور مدى الآلام والاضطهاد الذي ينتظر أولئك القديسين الذين سيعيشون في فترة الضيقة العظيمة تحت حكم الوحش، ولا يمتلئ فزعاً؟!
الفصل الثامن
الملك الجافي الوجه
لغة هذا الإصحاح
ابتدأ من العدد الأول في الإصحاح الثامن من سفر دانيال، بجد أن دانيال يستخدم اللغة العبرية. ويبدو أن سبب الانتقال من اللغة الآرامية وهي اللغة التي عم استخدامها في بابل. إلى اللغة العبرانية وهو لغة الشعب القديم هو أن الإصحاحات القادمة في سفر دانيال تتعامل بصورة مركزة مع النبوات التي لها علاقة مباشرو مع الشعب القديم وبملكوت الله.

زمان ومكان رؤية دانيال الثانية

"في السنة الثالثة من ملك بيلشاصر الملك ظهرت لي أنا دانيال رؤيا بعد التي ظهرت في الابتداء. فرأيت في الرؤيا وكان في رؤياي وأنا في شوشان القصر الذي في ولاية عيلام, ورأيت في الرؤيا وأنا عند نهر أولاي" (دانيال 8: 1- 2).

يسجل دانيال بكلماته زمان ومكان الرؤيا التي رآها، ويعلن أنها رؤيا ثانية "بعد التي ظهرت في الابتداء". أما زمان هذه الرؤيا الثانية فهو السنة الثالثة من ملك بيلشاصر، أي قرب نهاية الإمبراطورية البابلية، وبعد سنتين من زمان الحلم الذي سجله في الإصحاح السابع. ويجدر بنا أن نلاحظ أنه في الإصحاح السابع رأى دانيال حلماً وهو على فراشه. أما في هذا الإصحاح فقد رأى رؤيا وهو مستيقظ ومكان الرؤيا عند نهر أولاي، وهو مجرى مائي، ماؤه بلون الدم كما يقول "اشور بانيبال" موقعه مدينة شوشان، أو شوشن وهي المدينة التي ذكرت في سفر استير (استير 3: 15) وفي سفر نحميا (نحميا 1" 1) والواقعة في ولاية عيلام.

الرؤية ذاتها
يضيف دانيال بكلماته النبوية في هذا الإصحاح تفاصيل جديدة لها أهميتها، فبينما الحلم الذي رآه في الإصحاح السابع في السنة الأولى لبيلشاصر ملك بابل يقدم الممالك الأربع التي ذكرت أولاً في حلم الملك نبوخذ نصر في التمثال العظيم الذي تدرج من الذهب إلى الفضة، إلى النحاس، على الحديد المختلط بخزف الطين. بينما هو يقدم هذه الممالك في صورة أربعة حيوانات ويوجه الالتفات بصورة خاصة إلى الحيوان الرابع الذي يشير إلى الإمبراطورية الرومانية وعلى الأخص في صورتها النهائية عند ظهور وحش سفر الرؤيا. فإنه في هذه الرؤيا الثانية التي نحن بصدد شرحها في هذا الفصل يوجه الالتفات خاصة إلى الإمبراطوريتين الثانية والثالثة.. الإمبراطورية المادية والفارسية، والإمبراطورية اليونانية.

وقبل أن نستطرد في شرحنا لمحتويات هذا الإصحاح نقول أن التاريخ الذي ذكره دانيال وهو " السنة الثالثة من ملك بيلشاصر" يرينا أن سفر دانيال لم يكتب بترتيب تاريخي، فالإصحاح الخامس الذي يسجل نهاية الإمبراطورية البابلية كتب في السفر قبل الإصحاح الثامن الذي سجل فيه دانيال رؤياه الثانية التي رآها خلال ملك بيلشاصر.

كذلك نقول أن ذكر دانيال لاسمه بصيغة المتكلم "ظهرت لي أنا دانيال" (دانيال 8: 1) "وكان لما رأيت أنا دانيال" (دانيال 8: 15) يؤكد وحدة السفر، كما يؤكد أن كاتبه هو دانيال النبي.

الكبش ذو القرنين

"فرفعت عيني ورأيت وإذا بكبش واقف عند النهر وله قرنان والقرنان عاليان والواحد أعلى من الآخر والأعلى طالع أخيراً" (دانيال 8: 3).

تظهر دقة النبوة في وصف الكبش، فمع أنه كبش واحد إلا أن له قرنان. هذا الكبش يشير إلى الإمبراطورية المادية الفارسية كما نقرأ في (دانيال 8: 20) "أما الكبش الذي رأيته ذا القرنين فهو ملوك مادى وفارس" وهذا يتفق مع الصدر والذراعين في التمثال الذي رآه نبوخذ نصر (دانيال 2: 32).

والكبش له قرنان والقرنان عاليان والواحد أعلى من الآخر والأعلى طالع أخيراً.

القرن الأعلى هو فارس، والأدنى هو مادى، وطلوع القرن الأعلى أخيراً يرينا أن الفارسيين جاؤا إلى مركز القوة بعد الماديين، وأخذوا مكان القيادة والسيطرة في الإمبراطورية تحت حكم الملك كورش.

"رأيت الكبش ينطح غرباً وشمالاً وجنوباً فلم يقف حيوان قدامه ولا منقذ من يده وفعل كمرضاته وعظم" (دانيال 8:4).

والنبوة ترينا كيف وسعت الإمبراطورية الفارسية حدودها من بلادها الأصلية نحو الغرب إلى سوريا وأسيا الصغرى، ونحو الشمال إلى أرمينيا والمنطقة الواقعة حول بحر قزوين، ونحو الجنوب، إلى مصر والحبشة. وتعلن النبوة أنه لم تقف قوة أمام الإمبراطورية الفارسية، ولم يكن هناك من ينقذ الشعوب من سطوتها حتى بلغت نهايتها.

تيس المعز

"وبينما كنت متأملاً إذا بتيس من المعز جاء من الغرب على وجه كل الأرض ولم يمس الأرض وللتيس قرن معتبر بين عينيه" (دانيال 8: 5).

كان دانيال يتأمل ما يرى، وإذا به يرى تيساً من المعز جاء من الغرب على وجه كل الأرض ولم يمس الأرض. وقد أعلن الملاك جبرائيل لدانيال ما يشير إليه هذا التيس فقال "والتيس العافي ملك اليونان والقرن العظيم الذي بين عينيه هو الملك الأول" (دانيال 8: 21).

بهذا عرفنا أن تيس المعز يشير إلى الإمبراطورية اليونانية، إمبراطورية النحاس في التمثال الذي رآه نبوخذ نصر، وعرفنا كذلك أن القرن المعتبر العظيم في هذه الإمبراطورية هو أول ملك وسع حدودها، هو الإسكندر الأكبر الذي تولى الحكم بعد اغتيال أبيه الملك فيليب ملك مكدونية.

"وجاء إلى الكبش صاحب القرنين الذي رأيته واقفاً عند النهر وركض إليه بشدة قوته. ورأيته قد وصل إلى جانب الكبش فاستشاط عليه وضرب الكبش وكسّر قرنيه فلم تكن للكبش قوة على الوقوف أمامه وطرحه على الأرض وداسه ولم يكن للكبش منقذ من يده" (دانيال 8: 6- 7).

قام الملك الإسكندر الأكبر بعد توليه الحكم بقيادة جيشه لغزو الإمبراطورية الفارسية انتقاماً منها بسبب غزوها السابق لليونان، وبعد عدة حملات موفقة، رائعة، حاسمة، قضى الإسكندر الأكبر تماماً على قوة الإمبراطورية الفارسية. والتعبير "ولم يمس الأرض " يشير إلى سرعة انقضاض جيوش الاسكندر الخاطفة في غزواته.

ونقول أنه كان من تدبير الله أن تعد غزوات الإسكندر الطريق لانتشار اللغة اليونانية حول المنطقة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، واستخدام هذه اللغة الدقيقة التعبير في كتابة العهد الجديد.

"فتعظم تيس المعز جداً ولما اعتز انكسر القرن العظيم وطلع عوضاً عنه أربعة قرون معتبرة نحو رياح السماء الأربع" (دانيال 8: 8).

يقف دارس سفر دانيال متعجباً من الدقة المتناهية لكلمات النبوة، فالنبوة تتحدث عن عظمة الإمبراطورية اليونانية، إمبراطورية الفلسفة وأساطير الآلهة، ثم تنتقل بدقتها الرائعة إلى القرن العظيم فتقول عنه "ولما اعتز انكسر القرن العظيم".. وهذا ما حدث تماماً لإمبراطورية الاسكندر الأكبر ولشخصه. فلقد كان الاسكندر بكل يقين أحد عباقرة القادة العسكريين في التاريخ، وكان في الثانية والعشرين من عمره عندما عبر حدود الدولة الهلينية اليونانية لبدء غزواته العسكرية. وتقول أسطورة تحكي عنه أنه بكي لأنه لم يجد أرضاً أخرى يغزوها. وقد انكسر هذا القرن العظيم "الاسكندر" إذ مات في بابل سنة 323 قبل المسيح وهو في الثالثة والثلاثين من عمره. وبعد موته، وبعد سنوات من الحرب بين قواد جيشه، قسّم أربعة من قادة الجيش الإمبراطورية اليونانية فيما بينهم.. وهذا هو التقسيم الذي تم:

[1] مكدونية تحت سيطرة كاساندر

[2] آسيا الصغرى تحت سيطرة ليسيماخوس

[3] سوريا تحت سيطرة سيلقوس

[4] مصر تحت سيطرة بطليموس

وهكذا تقسمت الإمبراطورية "نحو رياح السماء الأربع" وتم التفسير الذي قاله الملاك جبرائيل لدانيال " وإذ انكسر – أي الاسكندر الأكبر- وقام أربعة عوضاً عنه فستقوم أربعة ممالك من الأمة ولكن ليس في قوته" (دانيال 8: 22).

الملك الجافي الوجه

" ومن واحد منها خرج قرن صغير وعظم جداً نحو الجنوب ونحو الشرق ونحو فخر الأراضي" (دانيال 8: 9)

بينما نقرأ في الإصحاح السابع عن قرن صغير آخر خرج من الإمبراطورية الرومانية "وقلعت ثلاثة من القرون الأولى من قدامه" (دانيال 7: 8). نجد أن هذا القرن الصغير خرج من واحد من القرون الأربعة.. أي القادة الأربعة الذين قسموا الإمبراطورية اليونانية فيما بينهم، ويهمنا من هؤلاء القادة اثنين: بطليموس الذي حكم مصر، وسيلقوس الذي حكم سوريا. والتاريخ النبوي لهذين الدولتين معطى ببعض التفصيل في الإصحاح الحادي عشر من سفر دانيال.

وتنتقل النبوة في الإصحاح الثامن إلى شخص "القرن الصغير"، وهو الذي خرج من سلالة السلوقيين.

لقد أسس سيلقوس عاصمة ملكه في مدينة جديدة أسماها "أنطاكية" تخليداً لذكرى أبيه انطيوخوس" وقد اشتهرت هذه المدينة في زمن العهد الجديد إذ نقرأ عنها "ودعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولاً" (أعمال 11: 26) وكانت المركز الذي بدأ منه بولس الرسول رحلته التبشيرية (أعمال 13: 1- 3).

هذا القرن الصغير الذي خرج من سلالة السلوقيين، سمّي في النبوة بهذا الاسم لأنه خرج من حالة كونه صغيراً إلى مركز العظمة. وهناك جماع يكون تاماً على أن هذا القرن الصغير هو "انطيوخوس ابيفانس" الملك الجافي الوجه، والذي وصفته النبوة في (دانيال 8: 23- 25). وهو يظهر مرة أخرة في النبوة في لإصحاح الحادي عشر.

ولا يجب أن نخلط بأية صورة بين القرن الصغير المذكور في الإصحاح السابع، والقرن الصغير المذكور هنا في الإصحاح الثامن. فالقرن الصغير في القرن السابع سيظهر من بين القرون العشرة للحيوان الرابع، الإمبراطورية الرومانية، ومازال ظهوره مستقبلاً. أما القرن الصغير في الإصحاح الثامن فقد ظهر من أحج أقسام الإمبراطورية اليونانية وقد ظهر فعلاً في التاريخ باسم "انطونيوخوس ابيفانس"، مع أن ظهوره كان مازال في المستقبل حين كتب دانيال نبوته، أما الآن فإن حياته بالنسبة إلينا تعبيراً تاريخياً قديماً. هذا القرن الصغير "انطيوخوس ابيفانس" عظم جداً نحو الجنوب والشرق ونحو فخر الأراضي. وفخر الأراضي اسم كتابي لفلسطين كما نقرأ في سفر حزقيال عن الشعب القديم "في ذلك اليوم رفعت لهم يدي لأخرجهم من أرض مصر إلى الأرض التي تجسستها لهم تفيض لبناً وعسلاً هي فخر كل الأراضي" (حرقيال 20: 6) [اقرأ أيضاً أرميا 3: 19 ودانيال 11: 16].

وقد ركز "انطيوخوس ابيفانس" جهوده ضد "فخر الأراضي" أرض كنعان، أرض إسرائيل ولذا أعطته النبوة هذه الأهمية.

"وتعظم حتى إلى جند السموات وطرح بعضاً من الجند والنجوم إلى الأرض وداسهم، وحتى إلى رئيس الجند تعظم وبه أبطلت المحرقة الدائمة وهدم مسكن مقدسه. وجعل جند على المحرقة الدائمة بالمعصية فطرح الحق على الأرض وفعل ونجح" (دانيال 8: 10- 12).

"جند السموات" تعبير مجازي عن الشعب القديم كما قال الرب لموسى وهرون "ولا يسمع لكما فرعون حتى أجعل يدي على مصر فأخرج أجنادى شعبي بني إسرائيل من أرض مصر بأحكام عظيمة" (خروج 7: 4) وفي سفر رؤيا نقرأ عن القديسين العائدين مع الرب "والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بذا أبيض ونقياً" (رؤيا 19: 14).

أما النجوم فهي اسم مجازي للقديسين الذين ردوا كثيرين إلى البر. فبينما المدعين الإيمان هم "نجوم تائهة محفوظ لها قتام الظلام إلى الأبد" (يهوذا 13) فإن الذين ردوا كثيرين إلى البريضيئون " كالكواكب إلى أبد الدهور" (دانيال 12: 3) فأنطيوخوس ابيفانس تعظم على القديسين أجناد الرب، وطرح بعضاً من الجند والنجوم إلى الأرض وداسهم. فازداد في غرور كبريائه فتعظم على الرب "رئيس الجند" الذي ظهر ليسوع وقال له "أنا رئيس جند الرب" ؛يسوع 5: 14).

وقد أبطل انطيوخوس المحرقة الدائمة إمعاناً في اضطهاده الأسود للشعب القديم، والمحرقة الدائمة تشير ليس فقط إلى المحرقة اليومية (لاويين 6: 12- 13) بل إلى كل المحرقات الدائمة التي تقدم على المذبح. وبهذا أوقف كل أنواع الخدمة في الهيكل، وقد عبّر دانيال في نبوته عن هذا العمل بكلماته "وهدم مسكن مقدسه". ومسن مقدسه هو المسكن الذي عينه الرب لعبادته (خروج 15: 17).

"وجعل جند على المحرقة الدائمة بالمعصية" وقد شرح "مورير " و"هافرنك" و"كيل" هذا النص بأن عدداً من الإسرائيليين ارتدوا عن الرب مع إبطال المحرقة الدائمة. لكنني أرى في النص أن انطيوخوس ابيفانس جعل حراسة بوليسية على الهيكل وهو مكان تقديم المحرقة الدائمة، بسبب معصيته وتحديه لله ولكل ما هو مقدس. "فطرح الحق على الأرض وفعل ونجح"... والحق هو عبادة الله الحي كما قال يسوع للمرأة السامرية "الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يوحنا 4: 24). وقد نجح انطيوخوس ابيفانس فيما فعل حتى حان وقت نهايته.

مدة الألفين وثلاث مئة صباح ومساء

"فسمعت قدوساً واحداً يتكلم فقال قدوس واحد لفلان المتكلم إلى متى الرؤيا من جهة المحرقة الدائمة ومعصية الخراب لبذل الجند والقدس مدوسين. فقال لي إلى ألفين وثلاث مئة صباح فيتبرأ القدس" (دانيال 8: 13- 14\\\9\ز

تنتقل الرؤيا الآن من الصور المرئية إلى الأصوات المسموعة. فقد سمع دانيال "قدوساَ واحداَ يتكلم"، هذا القدوس هو ملاك من الملائكة القديسين (اقرأ متى 25: 31)، ونحن نجد حديثاً مماثلاً في سفر زكريا "فأجاب ملاك الرب وقال. يا رب الجنود إلى متى أنت لا ترحم أورشليم ومدن يهوذا التي غضبت عليها هذا السبعين سنة" (زكريا 1: 12). تكلم هذا الملاك وإذا بملاك آخر يسأله عن الزمن الذي تستغرقه حوادث الرؤيا، وإبطال المحرقة الدائمة، ودياسة جند الرب؟

وقد رد الملاك لا على الملاك الذي سأله بل على دانيال قائلاً "إلى ألفين وثلاث مئة صباح ومساء فيتبرأ القدس" (دانيال 8: 14). هذه هي المدة التي حددتها النبوة لاضطهاد انطيوخوس ابيفانس للشعب القديم وحرمانه من عبادة إلهه.

كثيرون من المفسرين تخبطوا في شرحهم في هذه المدة. فقال بعضهم إن ال 2300 صباح ومساء هي 2300 سنة باعتبار أن اليوم سنة. وهؤلاء المفسرون حاولوا أ يربطوا نبوة دانيال من وقت وجوده بالأيام الأخيرة التي تسبق المجيء الثاني للمسيح.

لكن الكلمة العبرية لهذه الحقبة الزمنية تحرسنا من الوقوع في هذا الخطأ إذ ترينا أن المدة هي أيام حرفية فهي حرفياً 2300 صباح ومساء وهي بالقطع تشير إلى المدة التي توقفت خلالها المحروقات التي كانت تقدم على المذبح كل صباح ومساء يومياً في العبادة الطقسية اليهودية.

وهذه المدة ألفان وثلاث مئة صباح ومساء هي مدة اضطهاد انطيوخوس ابيفانس للشعب القديم، وقد أعطى انطيوخوس لنفسه اسم ابيفانس الذي معناه "المجيد" وقد استمر الاضطهاد من سنة 171 قبل المسيح إلى سنة 165 قبل الميلاد. وانتهت مدة الاضطهاد بثورة اليهود التي قادها كاهن شيخ اسمه ماتاسياس . وقد صار أولاد ماتاسياس القادة العسكريين لهذا التمرد ولاسيما يهوذا الذي لقب باسم يهوذا المكابى ومعناه "المطرقة"، وقد عرف إتباع يهوذا المكابى في التاريخ باسم المكابيين.

في سنة 165 ق.م. طرد يهوذا المكابى الغزاة الوثنيين، وطهر الهيكل، واحتفل بهذا الحادث بتأسيس عيد التجديد لذكراه، وهو العيد المذكور في زمن العهد الجديد خلال مدة خدمة ربنا يسوع المسيح على الأرض (يوحنا 10: 22).

ولقد مات انطيوخوس ابيفانس بمرض خطير جاء كعقاب من الله وتمت فيه كلمة النبوة " وبلا يد ينكسر" (دانيال 8: 25).

لقد أطلق بعض المفسرين على انطيوخوس ابيفانس اسم "الدكتاتور العالمي للعهد القديم" وذلك لتشابه أفعال وتصرفاته لأفعال وتصرفات الدكتاتور القادم المذكور في (رؤيا 13: 1- 8). ولكن علينا أن لا نخلط بين الشخصيتين.

حركة الملائكة في سفر دانيال

وكان لما رأيت دانيال الرؤيا وطلبت المعنى إذا بشبه إنسان واقف قبالتي وسمعت صوت إنسان بين أولاى فنادى وقال يا جبرائيل فهّم هذا الرجل الرؤيا" (دانيال 8: 5- 16) حرّكت الرؤيا فكر دانيال، وحاول أن يفهم المعنى، ولعله في ذلك الوقت رفع قلبه إلى الله ليشرح له المعنى "ادعني فأجيبك وأخبرك بعظائم وعوائص لم تعرفها" (ارميا 33: 3) وإذا به يرى شبه إنسان واقف قبالته. هذا الذي جاء في شبه إنسان كان هو جبرائيل الملاك، وقد قال عنه دانيال فيما بعد "وبينما أن أتكلم وأصلي.. إذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا في الابتداء مطاراً واغفاً لمسنى" 0دانيال 9: 20- 21) وهذه أول مرة يذكر فيها اسم جبرائيل (دانيال 8: 16) ثم ذكر بعدئذ (في دانيال 9: 20- 21) وذكر في العهد الجديد في (لوقا 1: 19- 26). وهو أحد ملاكين نعرف اسميهما، والملاك الثاني المذكور بالاسم في سفر دانيال هو "ميخائيل".

ويهمنا هنا أن نقول أن سفر دانيال يموج بحركة الملائكة كسفر رؤيا يوحنا، ففي الإصحاح السادس نرى ملاكاً يقضي الليلة مع دانيال في جب الأسود (دانيال 6: 22)، وفي الإصحاح السابع نقرأ عن "ألوف ألوف يخدمه وربوات ربوات وقوف قدامه" (دانيال 7: 10) وفي الإصحاح الثامن نسمع قدوساً يتكلم إلى قدوس آخر، ثم نرى ونسمع جبرائيل الملاك (دانيال 8: 13- 15- 16- 17)، وفي الإصحاح التاسع نرى ونسمع جبرائيل أيضاً (دانيال 9: 21- 22) وفي الإصحاح العاشر نقرأ عن ميخائيل واحد من الرؤساء الأولين (دانيال 10: 13) وفي الإصحاح الثاني عشر نقرأ عن ميخائيل الرئيس العظيم (دانيال 12: 1).

رأى دانيال جبرائيل في شبه إنسان، وسمع صوت إنسان ينادي جبرائيل آمراً إياه "يا جبرائيل فهّم هذا الرجل الرؤيا" كان هذا الصوت هو صوت الله صاحب السلطة العليا، والذي يأمر الملائكة فيفعلون أمره عند سماع صوت كلامه (مزمور 103: 20) وهكذا أطاع جبرائيل الملاك الأمر الإلهي الصادر إليه. "فجاء إلي حيث وقفت ولما جاء خفت وخررت على وجهي. فقال لي افهم يا ابن آدم. إن الرؤيا لوقت المنتهى" (دانيال 8: 17). ومع أن الملاك جبرائيل ظهر لدانيال في شبه صورة إنسان، إلا أن الخوف سيطر على دانيال حتى دفعه للسقوط على وجهه، لأنه كمخلوق ساقط لا يستطيع أن يحتمل مواجهة القداسة الكاملة التي ظهرت له في الملاك، وسقوطه على وجهه يعني إدراكه لعدم استحقاقه. ونقرأ عن زكريا أنه عندما رأى جبرائيل في الهيكل "اضطرب ووقع عليه خوفاً" (لوقا 1: 12)، وكذلك نقرأ أ،ه عندما وقف ملاك الرب أمام الرعاة عندما ولد المسيح "خافوا خوفاً عظيماً" (لوقا 2:9) فالمخلوق الترابي يصعب عليه مواجهة سكان العالم السماوي.

قال جبرائيل لدانيال "افهم يا ابن آدم. إن الرؤيا لوقت المنتهى" (دانيال 8: 27) وقد يظن القارئ السطحي أن الوقت المنتهى هنا هو نهاية هذا الدهر ولكن عدد 19 يريق نوراً على المعنى " وقال هاأنذا أعرفك ما يكون في آخر السخط, لأن لميعاد الانتهاء" ثم نجد في عدد 23 نوراً أكثر "وفي آخر مملكتهم عند تمام المعاصي يقوم ملك جافي الوجه وفاهم الحيل".

ووضع هذه النصوص معاً يوضح لنا معنى الكلمات "إن الرؤيا لوقت المنتهى" فوقت المنتهى يشير إلى الوقت الذي يسمح فيه الرب بوقوع الذي والاضطهاد على إسرائيل بسبب معاصيهم التي ملأت مكيال آثامهم وذلك خلال حكم انطيوخوس ابيفانس الملك الجافي الوجه أي القاسي في منظره، والذي لا يخضع لعاطفة إنسانية، ويأتي ملكه في الحقبة الأخيرة لحكم السلوقيين في سوريا. وقد كان ملكاً سياسياً من طراز فريد، وكانت لديه القدرة على إخفاء خططه عن طريق الكلام الغامض وبهذا وصل إلى أهدافه ولذا أسمته النبوة "فاهم الحيل" "وتعظم قوته ولكن ليس بقوته. يهلك عجباً وينجح ويفعل ويبيد العظماء وشعب القديسين" (دانيال 8: 24).

وتعني هذه الكلمات أن انطيوخوس ابيفانس تعظم قوته بالسماح الإلهي، وقد تعني أيضاً أنها تعظم بالحيل السياسية وليس بالقوة الذاتية أو العسكرية. وانطيوخوس ابيفانس سيهلك الكثيرين بصورة تدعو للعجب، ويبيد العظماء وهم أعداءه السياسيين، كما يبيد الإسرائيليين الذين تصفهم النبوة في ذلك الوقت بأنهم "شعب القديسين". "وبحذاقته ينجح أيضاً المكر في يده ويتعظم بقلبه وفي الاطمئنان يهلك كثيرين ويقوم على رئيس الرؤساء وبلا يد ينكسر" (دانيال 8: 25).

وتعني هذه الكلمات أنه بسبب ذكائه سينجح المكر الذي يستخدمه. ويتعظم بقلبه المملوء بالكبرياء فيبتكر خططاً لتمجيد ذاته. وفي الاطمئنان يهلك كثيرون أي يأتي على المطمئنين ويهلكهم دون أن يتوقعوا هجومه عليهم. تماماً كما فعل سبط دان في القديم إذ "جاؤا إلى لايش شعب مستريح مطمئن وضربوهم بحد السيف وأحرقوا المدينة بالنار" (قضاة 18: 27) "ويقوم على رئيس الرؤساء" إي على الله ذاته الذي نقرأ عنه في (دانيال 8: 11) ـنه "رئيس الجند" "فيجدف عليه ويستهين بناموسه ويذل شعبه وبلا يد ينكسر". إذ ضربه الرب بمرض خطير قضى عليه كما ذكرنا فيما سبق.

"فرؤيا المساء والصباح التي قيلت هي حق"

أي الرؤيا التي رآها في الصور المرئية

والرؤيا التي سمعها ورآها في الكلمات المسموعة.

ويقول جبرائيل لدانيال في نهاية حديثه له "أما أنت فاكتم الرؤيا لأنها إلى أيام كثيرة" (دانيال 8: 26) ومعنى اكتم الرؤيا يحمل معنى حفظها لأيام كثيرة، لأن كلماتها ستكون سبب قوة وتعزية للقديسين.

"وأنا دانيال ضعفت ونحلت أياماً ثم قمت وباشرت أعمال الملك. وكنت متحيراً من الرؤيا ولا فاهم" (دانيال 8: 27).

لقد كان التأثير النفسي لهذه الرؤيا من القوة بحيث أضعف دانيال، ونحل أياماً إلى أن استعاد قوته وعاد إلى أعماله.

ولقد استمرت محتويات الرؤيا مطبوعة في ذهن دانيال وملأته حيرة. لأن الرؤيا تتحدث عن أحداث ستتم في المستقبل البعيد فإنه لم يفهمها. ونجد اعتراف دانيال بعدم فهمه مرة أخرى في (دانيال 12: 8) "وأنا سمعت وما فهمت"

يقول دكتور فريد مارتن "بغير افتخار بشري، أو غرور إنساني يمكننا القول بأن المؤمن الذي يدرس كلمات النبوة بتفكير وفهم وخضوع للروح القدس، يمكنه فهم نبوات دانيال أكثر من دانيال نفسه. لأن المؤمن المحب للكلمة النبوية له ثلاث امتيازات لم تكن لدانيال:

أولها: الإتمام التاريخي لكثير من أجزاء هذه النبوات.

ثانياً: العهد الجديد بكماله بإعلان الله في المسيح.

ثالثاً: سكنى الروح القدس الذي هو مفسر الكلمة كما أنه هو الذي أوحى بها.

نقرأ في ختام سفر دانيال الكلمات "... ولا يفهم أحد الأشرار لكن الفاهمون يفهمون" (دانيال 12: 10).

أما اعتراف دانيال بعدم فهمه وقت إعطائه النبوة فهو يؤكد لنا صدق كلمات بطرس الرسول عن الأنبياء "الذين أعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور" (1 بطرس 1: 12) بل أيضاً صدق كلماته "عالمين هذا أولاً أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأتي نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بطرس 1:20- 21).


__________________

القس عادل منصور غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-05-2010, 09:58 PM   #3
القس عادل منصور

خادم الرب

 
الصورة الرمزية القس عادل منصور
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 876
القس عادل منصور is on a distinguished road
افتراضي تفسيركامل لسفر دانيال-الجزء الثالث-بقلم الدكتور القس لبيب ميخائيل

الفصل التاسع

السبعون أسبوعاً

نعرف من مطلع الإصحاح التاسع في سفر دانيال أن نبوات دانيال لم تأت دفعة واحدة بل استغرقت عدة سنين فالحلم الأول الذي رآه دانيال، رآه في السنة الأولى لبيلشاصر الملك. والرؤيا الثانية ظهرت لدانيال في السنة الثالثة لملك بيلشاصر. أما الحديث عن السبعين أسبوعاً فقد جاء في السنة الأولى لداريوس المادي، الذي يقال أن كورش ملكه على مملكة الكلدانيين. وأكبر الظن أن دانيال في ذلك الوقت كان قد أصبح شيخاً ولكنه كان في شيخوخته رجل الكتاب كما كان في شبابه.لقد كانت شركته مع الله شركة مستمرة لم تنقطع. وما أحلى العمر الذي يقضى في شركة دائمة مع الرب.
والآن إلى كلمات الإصحاح التاسع.
"وفي السنة الأولى لداريوس بن أحشو يرش من نسل الماديين الذي ملك على مملكة الكلدانيين. في السنة الأولى من ملكه أنا دانيال فهمت من الكتب عدد السنين التي كانت عنها كلمة الرب إلى ارميا النبي لكمالة سبعين سنة على خراب أورشليم" (دانيال 9: 1- 2).
واضح أن دانيال كان يفحص كتب الأنبياء في العهد القديم، ويقيناً أنه كان يؤمن بصدق وحرفية النبوات، وقد فهم من هذه النبوات ما جاء بخصوص خراب أورشليم سبعين سنة.
وقد وردت هذه النبوات في موضعين من سفر أرميا.
الموضع الأول نقرأ فيه الكلمات "لذلك هكذا قال رب الجنود. من أجل أنكم لم تسمعا لكلامي. هاأنذا أرسل فآخذ كل عشائر الشمال يقول الرب وإلى نبوخذ راصر عبدي ملك بابل وأتى بهم على هذه الأرض وعلى كل سكانها وعلى كل هذه الشعوب حواليها فأحرمهم وأجعلهم دهشاً وصفيراً وخرباً أبدية. وأبيد منهم صوت الطرب وصوت الفرح صوت العريس وصوت العروس صوت الأرحية ونور السراج. وتصير كل هذه الأرض خراباً ودهشاً وتخدم هذه الشعوب ملك بابل سبعين سنة. ويكون عند تمام السبعين سنة أنى أعاقب ملك بابل وتلك الأمة يقول الرب" (إرميا 25: 8- 12).
الموضع الثاني نقرأ فيه الكلمات "لأنه هكذا قال الرب. إني عند تمام سبعين سنة لبابل أتعهدكم وأقيم لكم كلامي الصالح بردكم إلى هذا الموضع" (إرميا 29: 10).
عندما أعطى الرب لدانيال رؤياه الثالثة، كانت الإمبراطورية البابلية قد زالت من الوجود. وكان الماديون والفارسيون تحت قيادة قورش الفارسي قد هزموا البابليين وملكوا إمبراطوريتهم، وأعطيت بابل والمنطقة الكلدانية لداريوس المادي الذي قرأنا عنه في الإصحاح السادس.
وهاهو دانيال يفهم من الكتب كمالة السبعين سنو خراب أورشليم ويسجل صلاته في هذا الإصحاح.
ولنلاحظ أن رجال الله في كل العصور ربطوا دراسة الكلمة بالصلاة. فقراءة الكلمة بدون الصلاة تقود إلى البرودة الروحية، والصلاة بدون دراسة الكلمة تقود إلى التطرف غير الكتابي، وإلى انعدام التوازن في الحياة الروحية.
وينقسم هذا الإصحاح إلى قسمين:
القسم الأول: صلاة دانيال المسبي
القسم الثاني: مدة القضاء الإلهي
القسم الأول: صلاة دانيال المسبي:
فهم دانيال من النبوات، بعد أن قضى حوالي سبعين سنة في بابل، أن الوقت قرب ليتمم الرب وعده بخصوص أورشليم.
فماذا كان رد الفعل لمعرفته؟
كان من الممكن أن يعد رسالة ويقدم حديثاً عن علامات الأزمنة. كان من الممكن أن يقول أن وعد الرب سيتم على أية حال فلا داعي للتفكير في هذا الأمر. لكن دانيال لم يفعل شيئاً من ذلك وإنما وجه وجهه إلى الله وصلى "فوجهت وجهي إلى الله السيد طالباً بالصلاة والتضرعات بالصوم والمسح والرماد" (دانيال 9: 3).
لقد رتب الرب أن تكون الصلاة إحدى الوسائل التي يستخدمها لإتمام مقاصده. وقد عرف دانيال بحساسيته الروحية أن الشعب القديم ليس في الحالة الروحية التي تؤهله لإتمام الوعد الإلهي برجوعه، ولذا صلى لأجل هذا الشعب المتمرد العنيد.
ويجدر بكل قديس مكرس للرب أن يصلي حتى يتمم الرب مجيئه. هذا ما قاله بطرس الرسول "فبما أن هذه كلها تنحل أي أناس يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدسة وتقوى. منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الرب" (2 بطرس 3: 11 و 12). وهذا ما فعله يوحنا بعد أن رأى رؤياه بكل تفاصيل أحداث الضيقة العظيمة، والمجد العتيد، وبعد أن سمع وعد الرب "أنا آتي سريعاً" (رؤيا 22: 20) فقد رفع الصلاة قائلاً "آمين. تعال أيها الرب يسوع" (رؤيا 22: 20).
في صلاة دانيال وجه وجهه إلى الله السيد.
لقد نسي كل ما حوله، وركز نظره كله في الله، ويسميه هنا "الله السيد" اعترافاً بسيادته على الكون كله وعلى كل أحداث التاريخ.
وكانت صلاته طلبات، وتضرعات، ارتبطت بالصوم للتفرغ التام لها، والمسح للإذلال والاتضاع، والرماد للندم والحزن على الخطية.
"وصليت إلى الرب إلهي واعترفت وقلت أيها الرب الإله العظيم المهوب حافظ العهد والرحمة لمحبيه وحافظي وصاياه" (دانيال 9: 4).
إن صلاة دانيال في هذا الإصحاح هي إحدى الصلوات الفريدة التي سجلت كلها في الإصحاح التاسع من كل سفر ذكرت فيه. فهنا في الإصحاح التاسع نقرأ صلاة دانيال، وفي الإصحاح التاسع من سفر عزرا، في الإصحاح التاسع من سفر نحميا نقرأ صلاة نحميا.
لم تكن صلاة دانيال كمعظم صلواتنا.. مجرد طلبات من الله وإنما كانت صلاة تميزت بكثير من المميزات التي يجب أن تتصف بها صلواتنا.
ففيها نجد اعترافاً بعظمة وهيبة الله (عدد 4)
وفيها نجد اعترافاً بأمانة الله وحفظه لعهوده (عدد 4)
وفيها نجد اعترافاً بأن أمانة الله في حفظه لعهوده ورحمته تتجه إلى محبيه وحافظي وصاياه. (عدد4)
"أخطأنا وأثمنا وعملنا الشر وتمردنا وحدنا عن وصاياك وعن أحكامك. وما سمعنا من عبيدك الأنبياء الذين باسمك كلموا ملوكنا ورؤساءنا وآباءنا وكل شعب الأرض" (دانيال 9: 5 و 6)
لقد تميزت صلاة دانيال بعلاقته الخاصة بإلهه فهو يقول "صليت إلى الرب إلهي"، فقد كان الله العظيم إلهه... كانت له شركة خاصة معه. وكان الدافع وراء صلاة دانيال لا أن يعرف الحساب الزمني لمدة السبي، بل أن يطلب الرحمة من الله لشعبه المرتد الأثيم. وفي عددي 5 و 6 نرى خطية الشعب القديم في مجموعها "أخطأنا" أي تعدينا على وصاياك "لأن الخطية هي التعدي" (1 يوحنا 3: 4) "وأثمنا" أ يتصرفنا بحسب طبيعتنا الساقطة ولوثنا حياتنا (مزمور 51: 2) "وعملنا الشر وتمردنا وحدنا عن وصاياك وعن أحكامك" وسر عمل الشر هو التمرد على الله والحيدان عن وصاياه وأحكامه "وما سمعنا من عبيدك الأنبياء الذين باسمك كلموا ملوكنا ورؤساءنا وآباءنا وكل الشعب" (دانيال 9: 6) وهنا لا عذر لأحد فالجميع من الملك إلى رجل الشارع قد سمعوا رسالة الله بواسطة الأنبياء. وهنا نجد اعترافاً بأن كلام الأنبياء هو كلام الله، وكم من مرات نسمع النبي يقول "وكان إلى كلام الرب قائلاً" (حزقيال 25: 1)
إن دانيال يضع نفسه بين الخطاة، فهو لا يتعالى عنهم، بل يعترف بخطيته معهم، فالمؤمن المكرس للرب يعرف مدى شر طبيعته في الداخل.
"لك يا سيد البر. أما لنا فخزي الوجوه كما هو اليوم لرجال يهوذا ولسكان أورشليم ولكل إسرائيل القريبين والبعيدين في كل الأراضي التي طردتهم إليها من أجل خيانتهم التي خانوك إياها. يا سيد لنا خزي الوجوه لملوكنا لرؤسائنا ولآبائنا لأننا أخطأنا إليك. للرب إلهنا المراحم والمغفرة لأننا تمردنا عليه، وما سمعنا صوت الرب إلهنا لنسلك في شرائعه التي جعلها أمامنا عن يد عبيده الأنبياء. وكل إسرائيل قد تعدى شريعتك وحادوا لئلا يسمعوا صوتك فسكبت اللعنة والحلف المكتوب في شريعة موسى عبد الله لأننا أخطأنا إليه. وقد أقام كلماته التي تكلم بها علينا وعلى قضاتنا الذين قضوا لنا ليجلب علينا شراً عظيماً ما لم يجر تحت السموات كلها. كما أجرى على أورشليم. كما كتب في شريعة موسى قد جاء علينا كل هذا الشر ولم نتضرع إلى وجه الرب إلهنا لنرجع من آثامنا ونفطن بحقك. فسهر الرب على الشر ولم نتضرع إلى وجه الرب إلهنا لنرجع من آثامنا ونفطن بحقك. فسهر الرب على الشر وجلبه علينا لأن إلهنا بار في كل أعماله التي عملها إذ لم نسمع صوته" (دانيال 9: 7 - 14).
في هذا الجزء من صلاة دانيال نجد أن دانيال يعترف بأن الله بار في كل أفعاله مع شعبه "لك يا سيد البر"، وقد ظهر بر الله في إرساله الأنبياء لتحذير وإنذار شعبه من السير في طريق الخطية، كما ظهر في إرساله إياهم إلى السبي عقاباً لخطاياهم.
ويعلن استحقاقه وشعبه لخزي الوجوه، أي للخجل والحيرة. ويبدأ الخزي من المناصب العليا ويتدرج إلى المناصب الأدنى "لملوكنا لرؤسائنا ولآبائنا".. وإن الخزي والخجل والحيرة كانت نتيجة منطقية "لأننا أخطأنا إليك".
ويعود دانيال فيعلن أن الله له المراحم والمغفرة "فالمغفرة للرب وحده. لأن عندك المغفرة لكي يخاف منك" (مزمور 13: 4) ويستطرد دانيال في صلاته فيقول أن الشعب القديم لم يسمع لصوت الرب ليسلك شرائعه، وأن كل إسرائيل قد تعدي على شريعة الله وحادوا لئلا يسمعوا صوته، كما يقول إرميا النبي "لأن شعبي عمل شرين. تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم آباراً مشققة لا تضبط ماء" (إرميا 2: 13).
ويعلن دانيال أنه بسبب جيدان شعب الله عن وصاياه أنه سكب عليهم اللعنة والحلف المكتوب في شريعة موسى عبد الله. اللعنة التي نجدها في الكلمات "لا يشاء الرب أن يرفق به بل يدخن حينئذ غضب الرب وغيرته على ذلك الرجل فتحل عليه كل اللعنات المكتوبة في هذا الكتاب ويمحو الرب اسمه من تحت السماء" (تثنية 29: 20) (اقرأ تثنية 28: 15 – 68 و 29: 1 - 28) ونجدها أيضاً في الكلمات "لكن إن لم تسمعوا لي ولم تعملوا كل هذه الوصايا. إن رفضتم فرائضي وكرهت أنفسكم أحكامي فما عملتم كل وصاياي بل نكثتم ميثاقي.. أصير مدنكم خربة ومقادسكم موحشة ولا أشتم رائحة سروركم.. وأذريكم بين الأمم وأجرد وراءكم السيف فتصير أرضكم موحشة ومدنكم تصير خربة" (لاويين 26: 14 و 15 و 31 و 33).
إن ذكر دانيال لشريعة موسى عبد الله يؤكد إيمانه المطلق بوحي كلمة الله وبحرفية هذا الوحي.
ويكرر دانيال استحقاق الشعب القديم للعقاب "لأننا أخطأنا إليك".. ويعلن أن الله عادل في إقامة كلماته كما سجلها موسى عبده. وأنه رغم هذا العقاب الفظيع الذي أوقعه الله على الشعب المرتد "لم نتضرع إلى وجه الرب إلهنا لنرجع من آثامنا ونفطن بحقك" فالشعب استمر في ارتداده وتمرده، ولم يرجع عن آثامه، ولم يعد إلى كلمة الرب ليتعلم منها كيف يميز بين الطاهر والنجس، وهذه هي الفطنة الحقيقية كما قال كاتب المزمور "أكثر من الشيوخ فطنت لأني حفظت وصاياك" (مزمور 119: 100).
ويختتم دانيال هذا القسم من صلاته فيقول "فسهر الرب على الشر وجلبه علينا لأن الرب إلهنا بار في كل أعماله التي عملها إذ لم نسمع صوته" (دانيال 9: 14).
لم ينطق دانيال بكلمة تذمر ضد تصرفات الله كما يفعل الكثيرون حين يقعون تحت التأديب الإلهي، ولكنه أعلن أن الله سهر على الشر، أي رصد الشر ليوقع قصاصه على الشعب العاصي في الوقت المناسب، وهو تعبير مأخوذ من إرميا 1: 12 "فقال الرب لي أحسنت الرؤية لأني أنا ساهر على كلمتي لأجريها".
ويعلن دانيال مرة ثانية أن الله بار في كل أعماله. بار في عقابه الرهيب الذي أنزله على شعبه بسبب عصيانهم لكلمته.
"والآن أيها السيد إلهنا الذي أخرجت شعبك من أرض مصر بيد قوية وجعلت لنفسك اسماً كما هو هذا اليوم قد أخطأنا عملنا شراً. يا سيد حسب رحمتك اصرف سخطك وغضبك عن مدينتك أورشليم جب قدسك إذ لخطايانا ولآثام آبائنا صارت أورشليم وشعبك عاراً عند جميع الذين حولنا. فاسمع الآن يا إلهنا صلاة عبدك وتضرعاته وأضئ بوجهك على مقدسك الخرب من أجل السيد. أمل أذنك يا إلهي واسمع افتح عينيك وانظر خربنا والمدينة التي دعي اسمك عليها لأنه لا لأجل برنا نطرح تضرعاتنا أمام وجهك بل لأجل مراحمك العظيمة. يا سيد اسمع يا سيد اغفر يا سيد أصغ واصنع. لا تؤخر من أجل نفسك يا إلهي لأن اسمك دعي على مدينتك وعلى شعبك" (دانيال 9: 15).
في هذا القسم من صلاة دانيال نرى مدى معرفة هذا الرجل بأسفار العهد القديم، واستخدامه لكلمة الله في الصلاة. فهو يعرف أن الله سيد الأرض كلها كما يدعوه "والآن أيها السيد".. هو الذي أخرج شعبه من أرض مصر بيد قوية، ويعرف أنه بهذا الفعل العظيم جعل الرب لنفسه اسماً كما قال لفرعون عن يد موسى "ولكن لأجل هذا أقمتك لكي أريك قوتي ولكي يخبر باسمي في كل الأرض" (خروج 9: 16).
ويعترف مكرراً بخطيته وخطية شعبه "قد أخطأنا عملنا شراً" ويلجأ إلى رخمة الله كما لجأ داود عندما أخطأ خطيته المعروفة (المزمور 51: 1) فيقول "يا سيد حسب كل رحمتك اصرف سخطك وغضبك عن مدينتك أورشليم".
ومدينة أورشليم سميت "مدينة الله" (مزمور 87: 3) و"مدينة الملك العظيم" (متى 5: 35) و"المدينة المقدسة" (رؤيا 11: 2) و"المدينة العظيمة" (رؤيا 16: 19).
ويقول دانيال للرب "اصرف سخطك عن مدينتك أورشليم" وأورشليم هي مدينة الله لأنها المكان الذي اختاره الرب ليحل اسمه فيه كما يقول موسى "فالمكان الذب يختاره الرب إلهكم ليحل اسمه فيه تحملون إليه كل ما أنا أوصيكم به محرقاتكم وذبائحكم وعشوركم ورفائع أيديكم وكل خيار نذوركم التي تنذرونها للرب" (تثنية 12: 11) وكما نقرأ في سفر زكريا "لينتهرك الرب الذي اختار أورشليم" (زكريا 3: 2) [اقرأ أيضاً تثنية 16: 11 و 16 و 26: 2].
ويعلن دانيال أنه بسبب خطايا الشعب القديم وآثام آبائه صارت أورشليم والشعب القديم عاراً عند جميع الذين حولهم "البر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب خطية" (أمثال 14: 34).
ويصل دانيال إلى نهاية وهدف صلاته فيطلب من الله أن يسمع صلاته وتضرعاته، وأن يضيء بوجهه على مقدسه الخرب بمعنى أن يبارك هذا المقدس كما قال الرب لموسى "كلم هارون وبنيه قائلاً هكذا تباركون بني إسرائيل قائلين لهم. يباركك الرب ويحرسك. يضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلاماً، فيجعلون اسمي على بني إسرائيل وأنا أباركهم" (عدد 6: 23 - 27) وهو يطلب استجابة صلاته "من أجل السيد" (عدد 17) فهل كان يعني من أجل اسمك؟ أو كان يعني "من أجل السيد" أي الرب يسوع الذي قال عنه داود في المزمور "قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك" (مزمور 110: 1) والذي رآه دانيال في رؤياه الأولى آتياً مع سحب السماء (دانيال 7: 13 و 14) والذي نقرأ عنه في زكريا 3: 2 "فقال الرب للشيطان لينتهرك الرب يا شيطان. لينتهرك الرب الذي اختار أورشليم". في اعتقادنا أن دانيال قد رفع صلاته هنا باسم المسيح الذي كان عتيداً أن يتجسد في ملء الزمان.
ودانيال يتوسل إلى إلهه أن يمي أذنه، معلناً مرة ثانية علاقته الشخصية وشركته القوية معه "أمل أذنك يا إلهي"، وأن يسمع، ويفتح عينيه، لينظر خراب المدينة التي دعى اسمه عليها.
لقد جاء هذا الخراب كعقاب لشر الشعب القديم كما يقول إرميا "ها إنكم متكلون على كلام الكذب الذي لا ينفع. أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذباً وتبخرون للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها. ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دعي باسمي عليه وتقولون قد أنقذنا. حين تعلمون كل هذه الرجاسات. هل صار هذا البيت الذي دعي باسمي عليه مغارة لصوص في أعينكم. هأنذا قد رأيت يقول الرب. لكن اذهبوا إلى موضعي الذي في شيلوه الذي أسكنت فيه اسمي أولاً وانظروا ما صنعت به من أجل شر شعبي إسرائيل. والآن من أجل عملكم هذه الأعمال يقول الرب وقد كلمتكم مبكراً ومكلماً فلم تسمعوا ودعوتكم فلم تجيبوا. أصنع بالبيت الذي دعي باسمي عليه الذي أنتم متكلون عليه وبالموضع الذي أعطيتكم وآباؤكم إياه كما صنعت بشيلوه. وأطرحكم من أمامي كما طرحت كل أخوتكم نسل أفرايم. وأنت فلا تصل لأجل الشعب ولا ترفع لأجلهم دعاء ولا صلاة ولا تلح عليّ لأني لا أسمعك" (إرميا 7: 8 - 16) [اقرأ 1 يوحنا 5: 16].
أما الآن فقد انتهت مدة السبي التي عينها الرب لكمالة سبعين سنة، ولذا فإن دانيال يصلي ويتوسل قائلاً "لا لأجل برنا نطرح تضرعاتنا أمام وجهك بل لأجل مراحمك العظيمة" فالله يستجيب الصلاة من أجل مراحمه العظيمة.
ويستطرد متوسلاً "يا سيد اسمع يا سيد اغفر يا سيد أصغ" فهل نجد في تكرار كلمة "يا سيد" ثلاث مرات إشارة للثالوث العظيم؟؟ (أشعياء 6: 3). ويستمر دانيال فيقول "اصنع لا تؤخر من أجل نفسك يا إلهي لأن اسمك دعي على مدينتك وعلى شعبك" (دانيال 9: 19).
ولقد كان اسم الله هو الحجة التي على أساسها طلب رجال الله طلباتهم. وهاهو يشوع يقول للرب "فيسمع الكنعانيون وجميع سكان الأرض ويحيطون بنا ويقرضون اسمنا من الأرض، وماذا تصنع لاسمك العظيم" (يشوع 7:9).
وها هو الرب يقول للشعب القديم "هكذا قال السيد الرب. ليس لأجلكم أنا صانع يا بيت إسرائيل بل لأجل اسمي القدوس" (حزقيال 36: 22).
وفي ختام صلاة دانيال نجد الصلة الدائمة بينه وبين الله إذ يدعوه "يا إلهي".. لقد اختبر دانيال إلهه، وذاق حلاوته، وعرف سعادة وفرح المتكلين عليه.
وقد استجاب الله صلاة دانيال ورد سبي شعبه كما نقرأ في سفر عزرا، وكما قال أحدهم "إن وراء سفر عزرا ظل رجل يصلي" هذا الرجل هو بكل يقين "دانيال".
مدة القضاء الإلهي
كانت مشغولية دانيال بمدينة أورشليم ومستقبلها، مشغولية ملأت كل تفكيره وكيانه. فقد أحب دانيال المدينة التي اختارها الله ليضع اسمه فيها. وقد استجاب الله لأشواق دانيال فأراه المستقبل القريب والبعيد لمدينته المقدسة.
"وبينما أنا أتكلم وأصلي وأعترف بخطيتي وخطية شعبي إسرائيل وأطرح تضرعي أمام الرب عن جبل قدس إلهي. وأنا متكلم بعد بالصلاة إذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا في الابتداء مطاراً واغفاً لمسني عند وقت تقدم المساء. وفهمني وتكلم معي وقال يا دانيال إني خرجت الآن لأعلمك الفهم" (دانيال 9: 20 - 22).
كان دانيال في روح الصلاة، والاعتراف، وطلب الغفران لشعبه، والتحرير لأرض إلهه... وهو هنا يسمي فلسطين "جبل قدس إلهي"، لأن هذه الأرض بالذات هي مركز تحركات خطة الله الكاملة للنبوات القادمة، والله يسميها "أرضي" (حزقيال 38: 16) فمع أن الأرض كلها لله (مزمور 24: 1) إلا أن أرض إسرائيل تتميز بملكيته الخاصة لها، لأنها مركز إتمام للخطة الإلهية للعالم، ومسرح أحداث الأيام الأخيرة ومعركة هرمجدون وملك المسيح.
بينما كان دانيال في روح الصلاة والمشغولية بأرض الله، جاء جبرائيل الملاك في صورة رجل، وقد ظهرت الملائكة مراراً في العهد القديم، وهم دائماً يتخذون هيئة الرجال ولم يحدث قط أن ملاكاً ظهر في صورة امرأة.. جاءه "مطاراً واغفاً" أي مدفوعاً إلى الطيران بسرعة.. وكون جبرائيل أتى طائراً يرينا أن للملائكة أجنحة. وكان وقت مجيء جبرائيل هو "وقت تقدمة المساء" ما بين الساعة الثالثة والرابعة مساء.
وقد قال جبرائيل لدانيال أنه خرج ليعلمه الفهم.. أي خرج من محضر الله ذاته ليعطي لدانيال الفهم لمستقبل شعبه وأرضه.
"في ابتداء تضرعاتك خرج الأمر وأنا جئت لأخبرك لأنك أنت محبوب. فتأمل الكلام وأفهم الرؤيا" (دانيال 9: 23) لقد وعد الله القديسين "ويكون أنى قبلما يدعون أنا أجيب وفيما هم يتكلمون بعد أنا أسمع" (أشعياء 65: 24) وتمم وعده لدانيال، فقد خرج الأمر الإلهي، وجاء جبرائيل لإخبار دانيال بالأمر، وذلك لأن دانيال كان محبوباً، كان غالياً جداً عند الله، وأي إنسان يتصف بصفات دانيال ويعيش حياة أمينة مكرسة للرب ولا يكون غالياً جداً على الرب؟!؟
وطلب جبرائيل من دانيال أن يتأمل الكلام الذي سيقوله له ويفهم الرؤيا.
السبعون أسبوعاً
"سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين" (دانيال 9: 24).
نعترف بداية أن هذا النص هو من أصعب النصوص في نبوات دانيال، وإن هناك عدداً كبيراً من الشروحات لهذا النص، كل شرح يتفق مع مدرسة الشارح. ولكننا هنا سنلتزم بالنص ونسير معه خطوة خطوة.
وعلينا أن نضع في أذهاننا أن سفر دانيال ظل سفراً مختوماً إلى وقت غير بعيد كما نقرأ "أما أنت يا دانيال فأخف الكلام واختم السفر إلى وقت النهاية. كثيرون يتصفحونه والمعرفة تزداد" (دانيال 12: 4) وكما نقرأ أيضاً "فقال اذهب يا دانيال لأن الكلمات مخفية ومختومة إلى وقت النهاية" وقد بلغنا الآن وقت النهاية وعجلة النبوات بدأت تدور، ولذلك نثق أن إلهنا يعطينا فهماً أكثر لهذا السفر العميق.
"سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة" وفي الأصل العبري "سبعون سبعة قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة".
ولأن النبوة تتحدث عن زمن محدد، فلنا كل الحق أن نقول أن السبعين سبعة تشير إلى حقبة زمنية خلالها سيتم القضاء الإلهي على الشعب القديم وعلى مدينة أورشليم.
كما علينا أن نضع في أذهاننا أن هذه النبوة خاصة بالشعب القديم وبمدينة أورشليم، فالحقبة الزمنية المكونة من السبعين سبعة "قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة" أي على الشعب القديم وعلى مدينة أورشليم.
والآن ما هي هذه السبعين سبعة؟
عرف الشعب القديم ثلاثة أنواع من السباعيات الزمنية:
السبعة الأولى هي أسبوع الأيام (خروج 20: 8 - 11)
السبعة الثانية هي أسبوع السنين (لاويين 25: 3 - 7)
السبعة الثالثة هي سبعة سبوت سنين (لاويين 25: 8 - 13)
فالتعبير "سبعة سبوت سنين" (لاويين 25: 8) كان معروفاً عند الشعب القديم، وهو يرينا أن السبعة كانت مفهومهم تشير إلى أسبوع سنين.
وذات الفهم نجده في سفر التكوين فالسبع بقرات التي رآها فرعون في حلمه، والسبع سنابل كانت كل منها تشير إلى سبع سنين.
وعلى هذا يمكننا القول أن السبعين سبعة التي نقلها المترجم العربي "سبعون أسبوعاً" تشير إلى سبعين أسبوع سنين أي 490 سنة يحدث خلالها للشعب القديم ولمدينة أورشليم أموراً سلبية وأخرى أيجابية.
الأمور السلبية هي (1) تكميل المعصية (2) تتميم الخطايا (3) كفارة الإثم. والأمور الإيجابية هي (4) ليؤتى بالبر الأبدي (5) ولختم الرؤيا والنبوة (6) ولمسح قدوس القدوسين.
الأمور السلبية:
(1) تكميل المعصية: هناك معنيان لهذه العبارة، المعنى الأول كبح أو ردع المعصية، فالمعصية العارية أمام عيني الله البار ستختفي بالكفارة من أمام عينيه ولا تذكر فيما بعد. أما المعنى الثاني وهو الأقرب إلى الصواب باعتبار أن النبوة تتعلق بالشعب القديم هي تكميل معصية الشعب القديم برفضهم المسيح الآتي إليهم وصلبه على الصليب. وقد قال الرب لإبراهيم عن تكميل معصية الأموريين "لأن ذنب الأموريين ليس إلى الآن كاملاً" (تكوين 15: 16).
(2) تتميم الخطايا: وكلمة تتميم ترجمتها الحرفية من العبرية "لختم الخطايا" وهي تحمل معنيين الأول: "لختم الخطايا" والتحفظ عليها إلى أ، ينال مرتكبوها عقابهم كما قال أيوب "معصيتي مختوم عليها في صرة" (أيوب 14: 17) وكما نقرأ في تثنية 32: 34 و 35 "أليس ذلك مكنوزاً عندي مختوماً عليه في خزائني. لي النقمة والجزاء. في وقت تنزل أقدامهم". والثاني: لردع الخطايا وكبحها، وهو أمر سيتم في الملك الألفي السعيد، عندما يعطي الرب لشعبه القديم قلباً جديداً وروحاً جديدة يكبح بهما جماح خطيتهم فيسلكون في فرائضه (حزقيال 36: 25 - 29)، وسيتم هذا عند المجيء الثاني للمسيح (رومية: 11: 27). ونحن نعرف أنه عندما يأتي المسيح بعد نهاية الأسبوع السبعين، الشيطان نفسه سيطرح في الهاوية، ويقمع الله الخطية فلا تعود تسيطر على سكان الأرض (أشعياء 11: 9).
(3) كفارة الإثم: كلمة كفارة تعني تغطية، كما قال الشاعر العربي "في ليلة كفر الغمام نجومها" أي ستر الغمام وغطى نجومها. لقد اعترف دانيال لله قائلاً "أخطأنا وأثمنا"، وكان رد الله عليه، إن الإثم سيغطى، والذي غطى إثم إسرائيل وآثام العالم كله هو شخص المسيح الكريم الذي قال عنه يوحنا الرسول "وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً" (1 يوحنا 2: 2). والذي قال عنه بولس الرسول "متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح. الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره لأجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله" (رومية 3: 24 و 25).
الأمور الإيجابية:
(4) ليؤتى بالبر الأبدي: هذا البر الأبدي هو بر الداخل والخارج، وهو بر مصدره الله، إنه حالة العلاقة الصحيحة مع الله، هذه الحالة التي يحصل عليها الفرد بإيمانه بالمسيح "الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة وفداء" (1 كورنثوس 1: 30). هذا البر ليس هو البر الذاتي المكتوب عنه "وقد صرنا كلنا كنجس وكثوب عدة أعمال برنا" (أشعياء 64: 6)، ولكنه البر الذي جاء به الرب يسوع الذي قال عنه أشعياء النبي "وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها" (أشعياء 53: 11) وهو البر الذي سيتمتع به الشعب القديم مستقبلاً "ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجري حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمناً وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب برنا" (إرميا 23: 5 و 6) – وبر المسيح بر أبدي لا يزول (أشعياء 51: 89).
(5) ولختم الرؤيا والنبوة: ظن البعض أن كلمة "ختم الرؤيا والنبوة" تعني وضع ختم الله عليها لإعلان صدقها ودقتها. ولكن المعنى الذي يحمله الأصل العبري يعني إتمام الرؤيا والنبوة للشعب القديم، وبهذا يختم عليها إذ لا تعود هناك حاجة إليها بعد أن تتم بحرفيتها.
(6) ولمسح قدوس القدوسين: اختلف مفسرو الكتاب المقدس في شرح هذه العبارة فقال بعضهم أنها تشير إلى نزول الروح القدس على المسيح بهيئة جسمية مثل حمامة إتماماً للنبوة "أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك" (مزمور 45: 7) وإتماماً لنبوة أشعياء "روح السيد الرب علي لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق" (أشعياء 61: 1).
وقال آخرون أن كلمة "قدوس القدوسين" يمكن ترجمتها "قدس الأقداس" وبهذا تشير إلى مسح الهيكل الألفي الذي وصفه حزقيال في سفره [اقرأ حزقيال 41: 1 – 42: 20]. وقد أمر الربموسى في القديم قائلاً "وتأخذ دهن المسحة وتمسح المسكن وكل ما فيه وتقدسه وكل آنيته ليكون مقدساً" (خروج 40: 9) ويعتقد "لاركن" أن الإشارة في هذا النص إلى مكان لا إلى شخص.
تقسم السبعين أسبوعاً
"فاعلم وأفهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع وستون أسبوعاً يعود ويبني سوق وخليج في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخرب قضى بها. ويثبت عهداً مع كثيرين في أسبوع واحد وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة وعلى جناح الأرجاس مخرب حتى يتم ويصب المقضي على المخرب." (دانيال 9: 25 - 27).
قسم جبرائيل السبعين أسبوعاً إلى ثلاث حقب:
الأولى: سبعة أسابيع أي 7 × 7 تساوي 49 سنة
الثانية: اثنان وستون أسبوعاً 62 × 7 تساوي 434 سنة
الثالثة: أسبوع واحد أي سبع سنين
ويصف جبرائيل الأحداث التي ستتم خلال هذه الفترة الزمنية التي ارتبطت ببعضها والتي مدتها سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً أي 49 + 434 تساوي 483 سنة. ولكنه أبقى الأسبوع منفصلاً وتحدث عن أحداثه الرهيبة.
الحقبة الزمنية الأولى: سبعة أسابيع
"فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها سبعة أسابيع" (دانيال 9: 25).
إذا فنقطة البداية في هذه الحقبة هي "خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها" أي خروج أمر أحد الملوك العظام لتجديد أورشليم.
وقد سجل العهد القديم ثلاثة أوامر ملكية:
الأمر الأول: أصدره كورش الملك سنة 538 قبل الميلاد (عزرا 1: 1 – 4 و 5: 13 - 17) [اقرأ أيضاً أشعياء 44: 28، 45: 1 – 4، 2 أخبار 36: 22 و 23] هذا الأمر الملكي كان محدداً بإعادة بناء بيت الله (عزرا 6: 3). ولأن أمر الملك كورش لم يذكر إعادة بناء أورشليم، بل بيت الله فقط، فنحن سنستبعد هذا الأمر لأنه يتفق في تفاصيله مع ما جاء في سفر دانيال (9: 25).
الأمر الثاني: أصدره الملك داريوس سنة 517 قبل الميلاد وهو مذكور في سفر عزرا 6: 1 – 12، وهو تثبيت من الملك داريوس لأمر الملك كورش، ولا نجد فيه ذكراً لإعادة بناء أورشليم.
الأمر الثالث: أصدره ارتحشستا الملك سنة 445 قبل الميلاد، وهو ينطبق تماماً على ما ذكره دانيال 9: 25 في تفاصيله، وهذا الأمر الملكي مذكور في سفر نحميا الإصحاح الثاني، ويذكر بدقة إعادة بناء سور أورشليم "سور المدينة" (نحميا 2: 8). وبعد أن أخذ نحميا هذا الأمر قال للشعب "هلم فنبني سور أورشليم ولا نكون بعد عاراً" (نحميا 2: 17). وقد "كمل السور" (نحميا 6: 15).
فأمر الملك ارتحشستا هو في اعتقادنا بداية إتمام نبوة دانيال، ومن صدور هذا الأمر إلى الانتهاء من تجديد أورشليم وبنائها مرت سبعة أسابيع أي 49 سنة بني خلالها سوق وخليج وسط الضيق الذي عاناه نحميا ومن معه من الشعب القديم. وقد استغرق تجديد أورشليم مدة 49 سنة. (يوحنا 2: 20).
الحقبة الزمنية الثانية: اثنان وستون أسبوعاً
ثم يستمر الارتباط بين السبعة أسابيع والاثنين وستين أسبوعاً.
"وبعد اثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له"
تذكر النبوة أنه بعد اثنين وستين أسبوعاً من تجديد أورشليم وبنائها "يقطع المسيح وليس له" أي يقطع من أرض الأحياء لا بسبب ذنب جناه بل لأجل خطية شعبه، وخطايا العالم كله.
هذا القطع كان إتماماً لنبوة أشعياء "وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا، كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا.. من الضغطة ومن الدينونة أخذ. وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء أنه ضرب من أجل ذنب شعبي" (أشعياء 53: 5 - 8) وقد مات المسيح على الصليب بعد 434 سنة من تجديد أورشليم وبنائها.
"وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخرب قضى بها" (دانيال 9: 26).
تنتقل النبوة إلى وقت خراب أورشليم سنة 70 ميلادية، ولكنها في دقتها تذكر أن الخراب سيتم بواسطة شعب رئيس آت، وهنا يجب أن نذكر أن النبوة هنا تتحدث عن رئيسين "المسيح الرئيس" (دانيال 9: 25) و"الرئيس الآتي" (دانيال 9: 26) وتؤكد أن "الرئيس الآتي" سيأتي من الشعب الذي سيخرب المدينة ويهدم الهيكل، وهو الشعب الروماني.
وقد جاء الرومان بقيادة "تيطس فيسباسيانوس" وخربوا مدينة أورشليم وهدموا الهيكل سنة 70 ميلادية.
وينتهي هذا الخراب بطوفان الغضب "انتهاؤه بغمارة" "وإلأى النهاية" أي إلى نهاية هذا الدهر فقد قضى الله على الشعب القديم أن يعيش وسط الحرب والخرب.
الحقبة الزمنية الثالثة: أسبوع واحد
هنا تتوقف عجلة النبوة ويبقى من الحقبة الزمنية أسبوعاً واحداً لم تتم حوادثه.
وليس بدعاً أن لا تتم النبوة كلها دفعة واحدة، فالكثير من النبوات المذكورة في نصوص واحدة لم تتم دفعة واحدة أو في وقت واحد، بل أن هناك فاصلاً زمنياً طويلاً يفصل بينها.
خذ مثلاً النبوة المذكورة في أشعياء 61: 1 و 2 و 3 "روح السيد الرب علي لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق. لأنادي بسنة مقبولة للرب وبيوم انتقام لإلهنا. لأعزي كل النائحين. لأجعل لنائحي صهيون لأعطيهم جمالاً عوضاً عن الرماد ودهن فرح عوضاً عن النوح ورداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة فيدعون أشجار البر غرس الرب للتمجيد".
عندما دخل الرب يسوع إلى المجمع في الناصرة وفتح السفر، كان الموضع الذي وجده هو أشعياء إصحاح 61 وقد توقف عند "وأكرز بسنة مقبولة للرب" (لوقا 4: 16 - 19).
فهو في مجيئه الأول تمم الجزء الأول من نبوة أشعياء 61: 1 – 3، والجزء الثاني سيتم في مجيئه الثاني، مجيء يوم الانتقام، والعزاء للشعب القديم (أشعياء 63: 1 - 5). وبين إتمام الجزء الأول والثاني من هذه النبوة فاصل زمني وصل حتى الآن حوالي ألفي سنة مع أن النبوة جاءت في نص واحد.
خذ أيضاً نبوة زكريا "ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان. وأقطع المركبة من أفرايم والفرس من أورشليم وتقطع قوس الحرب. ويتكلم بالسلام وسلطانه من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض" (زكريا 9: 9 و 10).
فقد تم النصف الأول من هذه النبوة حين دخل المسيح أورشليم (متى 21: 1 - 11)، أما النصف الثاني فهو ينتظر الإتمام في المجيء الثاني للمسيح، والفاصل الزمني بين النصفين وصل حتى الآن إلى حوالي ألفي سنة.
هناك نبوة ثالثة هي نبوة جبرائيل الملاك للعذراء مريم إذ قال لها "ها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية" (لوقا 1: 31 - 33).
وقد تم الجزء الأول من النبوة عندما ولد المسيح من العذراء، ولكن النصف الثاني سوف يتم في ملكه الألفي السعيد حين يأخذ كرسي داود أبيه، ولا يستطيع أحد أن ينهي ملكه.
وصلنا الآن إلى الأسبوع الأخير الباقي من السبعين أسبوعاً، ولكي نفهم هذا النص لابد أن نربطه بنبوة ربنا التي قالها وهو جالس على جبل الزيتون.
فنبوة ربنا في إنجيل متى 24: 1 – 41 تنقسم إلى ثلاثة أقسام. أولاً: ما قبل الضيق العظيم (متى 24: 4 - 8). ثانياً: الضيق العظيم نفسه (متى 24: 9 - 28). ثالثاً: ما بعد الضيق العظيم (متى 24: 29 - 31).
وكل حوادث هذه النبوة ستحدث في هذا الأسبوع الأخير الباقي من أسابيع دانيال السبعين.
وينقسم هذا الأسبوع إلى قسمين مبتدأ الأوجاع، والأوجاع الفظيعة خلال النصف الثاني منه، ثم معركة هرمجدون ومجيء ربنا يسوع المسيح ثانية.
تقول النبوة المذكورة في دانيال "ويثبت عهداً مع كثيرين في أسبوع واحد وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة وعلى جناح الأرجاس مخرب حتى يتم ويصب المقضي على المخرب" (دانيال 9: 27).
قال بعض المفسرين أن العهد المذكور هنا هو عهد المسيح الرئيس مع كثيرين، وأنه بموته على الصليب أبطل الذبيحة والتقدمة، وجاء الخراب إلى الهيكل القديم في أورشليم.
وتفسير كهذا لا يستقيم مع النص مع اعترافنا بصعوبته، فإذا كان المسيح قد أبطل الذبيحة والتقدمة بموته على الصليب، فلماذا ينتظر إلى وسط الأسبوع ليبطل الذبيحة والتقدمة، والمنطق يدعونا إلى أن هذا الإبطال كان يجب أن يتم فوراً بعد قيامته من الأموات. لكن التاريخ أثبت أن الهيكل ظل قائماً، وظلت الذبائح الدموية تقدم فيه حتى سنة 70 ميلادية؟
التفسير المستقيم في اعتقادنا أن العهد المثبت بين " الرئيس الآتي" والكثيرين من الشعب القديم التي تنفرد هذه النبوة بالحديث عنهم، هو أن هذا "الرئيس الآتي" هو الحاكم العالمي القادم، هو الأثيم الذي ذكره بولس في (2 تسالونيكي 2: 8)، وهو إنسان الخطية ابن الهلاك (2 تسالونيكي 2: 3) وهو الوحش الطالع من البحر (رؤيا 13: 1 - 8)، وهو أحد أباطرة الرومان السابقين، والذي سوف يصعد من الهاوية (رؤيا 17: 8 و 11).
سيثبت هذا الحاكم العالمي القادم عهداً مع كثيرين من المرتدين من الشعب القديم فيقولون "قد عقدنا عهداً مع الموت وصنعنا ميثاقاً مع الهاوية. السوط الجارف إذا عبر لا يأتينا لأننا جعلنا الكذب ملجأنا وبالغش استترنا" (أشعياء 28: 15).
وفي وسط الأسبوع "يبطل الذبيحة والتقدمة".. ويجلس نفسه في هيكل الله الذي سيبنى في أورشليم في مكان الهيكل القديم (2 تسالونيكي 2: 4) وهذه هي رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي، وهي الإشارة ببدء الضيقة العظيمة التي مدتها ثلاث سنين ونصف.
بجلوس الحاكم العالمي القادم في الهيكل يصبح الهيكل مكاناً لرجسة الخراب وتتم الكلمات "وعلى جناح الأرجاس مخرب" وقد أوقف إبليس يسوع على "جناح الهيكل" (متى 4: 5) وكان وقتئذ ما زال بيت الله، أما حين يجلس فيه الحاكم العالمي القادم مظهراً نفسه أنه إله فسيكون جناحه جناح الأرجاس لا جناح هيكل الله. ويستمر هذا الوضع الحزين الأسود حتى يتم ويصب المقضي على المخرب. أي حتى يتم قضاء الله المعلن في هذه النبوة على الهيكل أو على الحاكم العالمي القادم والذي أوضح الرب يسوع معناه لتلاميذه وهو جالس على جبل الزيتون.
إن عجلة النبوة تدور بسرعة مذهلة، والعالم اليوم يتدهور أدبياً، واقتصادياً، وسياسياً، واجتماعياً.. ويسرع إلى الضيقة العظيمة، وعلينا نحن الذين عرفنا الرب وكلمة النبوة أن نحفظ في قلوبنا كلمات ربنا "فاحترزوا لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحياة فيصادفكم ذلك اليوم بغتة. لأنه كالفخ يأتي على جميع الجالسين على وجه كل الأرض. اسهروا إذاً وتضرعوا في كل حين لكي تحسبوا أهلاً للنجاة من جميع هذا المزمع أن يكون وتقفوا قدام ابن الإنسان" (لوقا 21: 34 - 36).
فمع أن مجيء ربنا يسوع سيكون كلص في الليل لغير العارفين "وأما أنتم أيها الأخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كلص" (1 تسالونيكي 5: 4).
الفصل العاشر
حرب الملائكة


يعتبر الإصحاح العاشر من سفر دانيال من أصعب إصحاحات هذا السفر، وذلك بسبب الخلاف القائم بين المفسرين بخصوص تحديد شخصية الرجل اللابس الكتان الذي رآه دانيال على جانب نهر دجلة، ولكننا سنضع هذا الإصحاح الثمين بين يدي الرب ونقارن الروحيات بالروحيات علنا نصل إلأى حقيقة شخصية هذا الرجل العجيب.
يبدأ الإصحاح بالكلمات "في السنة الثالثة لكورش ملك الفرس كشف أمر لدانيال الذي سمي بلطشاصر. والأمر حق والجهاد عظيم وفهم الأمر وله معرفة الرؤيا" (دانيال 10: 1).
وقد حاول النقاد الذين أرادوا التشكيك في صدق نبوات دانيال أن يجدوا في هذا النص تناقضاً ظاهراً بمقارنته بالنص الموجود في دانيال 1: 21 "وكان دانيال إلى السنة الأولى لكورش الملك" وصرخوا بأصواتهم المبحوحة قائلين انظروا في دانيال 1: 21 نقرأ "وكان دانيال إلى السنة الأولى لكورش الملك" وفي دانيال 10: 1 نقرأ "في السنة الثالثة لكورش ملك الفرس كشف أمر لدانيال"
فكيف يقول دانيال مرة أنه كان إلى السنة الأولى لكورش الملك، ثم يعود فيقول أنه رأى رؤياه في السنة الثالثة؟
وجود هذين النصين بصورتهما الموجودة في السفر يؤكد وحي هذا السفر، فدانيال يسجل التاريخ بدقة ويترك للدارس المدقق فحص ما يبدو تناقضاً.
وتفسير هذا الذي يبدو تناقضاً هو أن حرف "إلى" الموجود في دانيال 1: 21 "إلى السنة الأولى" لا يفيد النهاية، فهو في اللغة العبرية يمكن أن يترجم "حتى" وقد ترجم في مزمور 112: 8 "سعيد هو الرجل الذي يترأف ويقرض.. قلبه ممكن فلا يخاف حتى يرى بمضايقيه" والحرف "حتى" هنا لا يمكن أن يعني أن سيخاف بعد ذلك.
وسبب ذكر السنة الأولى لكورش ملك فارس في دانيال (1: 21) أنها كانت سنة حاسمة في تاريخ الشعب القديم لأن فيها أطلق الملك كورش نداء العودة للشعب القديم بعد كمالة السبعين سنة للسبي البابلي، وهذا واضح من الكلمات "وفي السنة الأولى لكورس ملك فارس فأطلق نداء في كل مملكته وبالكتابة قائلاً. هكذا قال كورش ملك فارس. جميع ممالك الأرض دفعها لي الرب إله السماء وهو أوصاني أن أبني له بيتاً في أورشليم التي في يهوذا فيبنى بيت الرب إله إسرائيل. هو الإله. الذي في أورشليم" (عزرا 1: 1- 3).
وقد تنبأ أشعياء عن أمر كورش بكلماته "هكذا يقول الرب.. القائل عن أورشليم ستعمر ولمدن يهوذا ستبنين وخربها أقيم.. القائل عن كورش راعي فكل مسرتي يتمم ويقول عن أورشليم ستبنى وللهيكل ستؤسس" (أشعياء 44: 24 و 28).
فدانيال بقي في منصبه في القصر الملكي إلى السنة الأولى التي صدر فيها الأمر بعودة الشعب القديم وببناء أورشليم والهيكل، وبغير شك أن دانيال في هذا الوقت كان قد شاخ وزاد عمره على الثمانين عاماً وتقاعد عن عمله في القصر الملكي، ومن وجوده إلى جانب نهر دجلة (دانيال 10: 4) نعرف أنه لم يعد إلى فلسطين مع العائدين، لقد أبقاه الرب عند نهر دجلة لأنه قصد أن يعلن له بقية خطته لشعبه حتى نهاية الأيام.
في السنة الثالثة لكورش "كشف أمر لدانيال"، والأمر الذي كشف لدانيال هو نطق إلهي سنجد فحواه في الكلام الذي قاله الرجل اللابس الكتان لدانيال.
ويتكلم دانيال هنا بصيغة الغائب فيقول "كشف أمر لدانيال الذي سمي بيلشاصر" وهو يذكر اسمه الذي أعطاه له رئيس الخصيان في القصر البابلي، لأن الإمبراطورية البابلية كانت قد زالت من الوجود، وأراد دانيال أن يؤكد شخصيته وأنه هو هو الذي عاش خلال الحكم البابلي ولذا قال "دانيال الذي سمي بيلشاصر".. فهو الشخص الذي أحضره نبوخذ نصر مع رفاقه قبل سبعين سنة إلأى بابل.
"والأمر حق والجهاد عظيم وفهم الأمر وله معرفة الرؤيا". الأمر حق أي أن النطق الإلهي الوارد فيما يلي من حديث حق، والجهاد عظيم أي أن هذا الإعلان الإلهي جاء بعد جهاد عظيم في الأجواء السماوية، ظهر هذا الجهاد العظيم أو هذه الحرب بين الملائكة في وقوف رئيس فارس مقابل الرسول اللابس الكتان. (دانيال 10: 12 - 14).
وقد فهم دانيال الإعلان الإلهي، وعرف الرؤيا السماوية "في تلك الأيام أنا دانيال كنت نائحاً ثلاثة أسابيع أيام. لم آكل طعاماً شهياً ولم يدخل في فمي لحم ولا خمر ولم أدهن حتى تمت ثلاثة أسابيع أيام" (دانيال 10: 2 و 3).
دانيال رجل الصلاة، هو أيضاً رجل الالتجاء إلى الله ليعرفه مقاصده، ويبدو واضحاً أن دانيال ناح وامتنع عن الطعام الشهي لأنه عزم أن يفهم خطة الله لشعبه، ودانيال هو رجل العزم والتصميم، ونحن نقرأ عنه الكلمات "أما دانيال فجعل في قلبه أنه لا يتنجس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه" (دانيال 1: 8) أما هنا فيقول له الرجل اللابس الكتان "لا تخف يا دانيال لأنه من اليوم الأول الذي فيه جعلت قلبك للفهم ولإذلال نفسك قدام إلهك سمع كلامك وأنا أتيت لأجل كلامك" (دانيال 10: 12).
وحين يتضع ال مؤمن المشتاق إلى معرفة إرادة الله قدام الله يرفعه الله "اتضعوا قدام الرب فيرفعكم" (يعقوب 4: 10). "تسربلوا بالتواضع لأن الله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعين فيعطيهم نعمة.. فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه" (1 بطرس 5: 5 و 6).
لقد أذل دانيال نفسه قدام إلهه ثلاثة أسابيع أيام وهو يذكر كلمة أيام ليحدد باليوم المدة التي قضاها نائحاً، تمييزاً لها عن المدة التي ذكرها بالأسابيع في الإصحاح السابق. ويقول دانيال "لم أدهن حتى تمت ثلاثة أسابيع أيام"، وكان التدهن علامة الفرح كما نقرأ في أشعياء 61: 3 "لأجعل لنائحي صهيون... لأعطيهم.. دهن فرح عوضاً عن النوح".
إن المؤمن القريب من الله ينوح أحياناً على حالة شعب الله، ويذل نفسه قدام إلهه ليعلن له مقاصده "سر الرب لخائفيه وعهده لتعليمهم" (مزمور 25: 14).
الرجل اللابس الكتان
"وفي اليوم الرابع والعشرين من الشهر الأول إذ كنت على جانب النهر العظيم هو دجلة. رفعت ونظرت فإذا برجل لابس كتاناً وحقواه متنطقان بذهب أوفاز. وجسمه كالزبرجد ووجهه كمنظر البرق وعيناه كمصباحي نار وذراعاه ورجلاه كعين النحاس المصقول وصوت كلامه كصوت جمهور" (دانيال 10: 4 - 6).
يبدو أن دانيال كان مغرماً بالوجود إلى جوار الأنهار، فرؤياه الثانية رآها عند نهر أولاي (دانيال 8: 2)، وهذه الرؤيا رآها وهو على جانب نهر دجلة... وشواطئ الأنهار هي أماكن الهدوء والعزلة، والانفراد مع الله (1 ملوك 17: 2 و 3).
عند جانب نهر دجلة رأى دانيال رجلاً لابساً كتاناً، ولبس الكتان يشير إلى أن اللابس زائر سماوي كما نقرأ في سفر حزقيال "وصرخ في سمعي بصوت عال قائلاً. قرب وكلاء المدينة كل واحد وعدته المهلكة بيده. وإذا بستة رجال مقبلين... وفي وسطهم رجل لابس كتان وعلى جانبه دواة كاتب" (حزقيال 9: 1 و 2).
فمن هو الزائر السماوي؟
قرر كثيرون من المفسرين أن الرب يسوع متجلياً لدانيال قبل تجسده، وبنوا تفسيرهم على أساس أن الوصف المرهب لا يمكن أن ينطبق على أحد سوى الرب يسوع المسيح.
"حقواه متنطقان بذهب أوفاز".. أنقى أنواع الذهب. "وجسمه كالزبرجد" (حزقيال 1: 16).
"ووجهه كمنظر البرق"
"وعيناه كمصباحي نار"
"وذراعاه ورجلاه كعين النحاس المصقول"
"وصوت كلامه كصوت جمهور"
ويقول أصحاب هذا التفسير أن تصرف دانيال عند رؤيته للرجل اللابس الكتان يؤكد أن هذا الزائر السماوي هو الرب المسيح.
فدانيال يقول "بقيت أنا وحدي ورأيت هذه الرؤيا العظيمة ولم تبق في قوة ونضارتي تحولت إلى فساد ولم أضبط قوة. وسمعت صوت كلامه ولما سمعت صوت كلامه كنت مسبخاً على وجهي ووجهي إلى الأرض" (دانيال 10: 8 و 9).
وإحساس دانيال بالخوف والضعف والفساد يشبه إحساس الكثيرين من الذين رأوا الرب.
فأيوب الرجل الذي قيل عنه أنه "كان كاملاً ومستقيماً يتقى الله ويحيد عن الشر" (أيوب 1: 1) صرخ عندما رأى الرب قائلاً "بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني. لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد" (أيوب 42: 5 و 6).
وأشعياء يذكر لنا اختباره عندما رأى الرب فيقول "فقلت ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود" (أشعياء 6: 5).
وحزقيال يسجل ما فعله حين رأى منظر شبه مجد الرب فيقول "ولما رأيته خررت على وجهي" (حزقيال 1: 28).
ويوحنا الرسول يصف ما فعله عند رؤيته للرب في جزيرة بطمس فيقول "فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت" (رؤيا 1: 17).
ومع تقديرنا لرأي القائلين بأن الرجل اللابس الكتان هو الرب يسوع المسيح متجلياً لدانيال في إحدى ظهوراته المتعددة التي ذكرها العهد القديم، إلا أننا نواجه عدة عقبات قوية أمام هذا التفسير.
العقبة الأولى: أن الرجل اللابس الكتان كان مرسلاً إلى دانيال فهو يقول له "لأني الآن أرسلت إليك" (دانيال 10: 11). ثم يعود فيقول "وأنا أتيت لأجل كلامك" (دانيال 10: 12) وهو بهذا يقف على ذات مستوى جبرائيل الملاك الذي يقول لدانيال "في ابتداء تضرعاتك خرج الأمر وأنا جئت لأخبرك" (دانيال 9: 23).
والعقبة الثانية: أن هناك ملائكة ظهروا بذات الأوصاف التي وصف بها الرجل اللابس الكتان. وقد رأى حزقيال ستة رجال "وفي وسطهم رجل لابس الكتان" (حزقيال 9: 2). ومريم المجدلية ومريم الأخرى عندما جاءتا لتنظرا القبر "إذا زلزلة عظيمة حدثت. لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر.. وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج. فمن خوفه ارتعد الحراس وصاروا كأموات" (متى 28: 2 - 4). ويوحنا الرسول يقول "ثم بعد هذا رأيت ملاكاً آخراً نازلاً من السماء له سلطان عظيم واستنارت الأرض من بهائه" (رؤيا 18: 1).
العقبة الثالثة: وهي في نظري الأهم هي أن ذلك المرسل السماوي لم يستطع وحده أن يهزم "رئيس مملكة فارس" الذي وقف مقابله واحتاج إلى معونة الملاك ميخائيل. ونستبعد أن يقف الرب يسوع موقف الضعف في الأجواء السماوية أمام رئيس مملكة فارس.
على أساس هذه العقبات نعتقد أن الرجل اللابس الكتان هو كائن ملائكي من رتبة عالية أرسل إلى دانيال في شبه رجل، وقد ظهر الملائكة في شبه الرجال في العهد القديم فقد ذهب الملاكان إلأى سدوم في أيام لوط في هيئة رجلين "فجاء الملاكان إلى سدوم.. وقبلما اضطجعا أحاط بالبيت رجال المدينة رجال سدوم.. فنادوا لوطاً وقالوا له أين الرجلان اللذان دخلا إليك الليلة" (تكوين 19: 1 و 4 و 5).
ويتابع دانيال حديثه فيقول "فرأيت أنا دانيال الرؤيا وحدي والرجال الذين كانوا معي لم يروا الرؤيا لكن وقع عليهم ارتعاد عظيم فهربوا ليختبئوا. فبقيت أنا وحدي ورأيت هذه الرؤيا العظيمة" (دانيال 10: 7 و 8).
لقد ارتعد الرجال الذين كانوا مع دانيال لا لأنهم رأوا بروقاً أو سمعوا رعوداً لكن لأن هذا الكائن السماوي كان في الموضع فأشاع فيه الرهبة. ووجود الملائكة يشيع الرهبة والخوف (لوقا 2: 8 و 9).
وفي قدرة العلي أن يعطي رؤاه لشخص ويحجبها عن شخص آخر في ذات المكان. تماماً كما حدث مع شاول الطرسوسي حين ظهر الرب له في طريق دمشق (أعمال 9: 3 - 8) و(أعمال 22: 6 - 9) فالرجال الذين كانوا مع شاول رأوا النور، وسمعوا صوت بولس يرد على الرب يسوع، ولكنهم لم يسمعوا صوت الرب يسوع.
والرجال الذين كانوا مع دانيال هربوا ليختبئوا.
ويستطرد دانيال فيقول "وسمعت صوت كلامه ولما سمعت كلامه كنت مسبخاً على وجهي ووجهي إلى الأرض" (دانيال 10: 9) وكلمة "مسبخاً" معناها أنه كان نائماً نوماً عميقاً وكان وجهه إلى الأرض.
"وإذا بيد لمستني وأقامتني مرتجفاً على ركبتي وعلى كفي يدي" (دانيال 10: 10).
بالتدريج عاد دانيال إلى وعيه، واليد التي لمسته هزته لإفاقته وهذا ما تعنيه الكلمات "أقامتني مرتجفاً"، وهكذا أصبح دانيال على ركبتيه وعلى كفي يديه.
"وقال لي يا دانيال أيها الرجل المحبوب أفهم الكلام الذي أكلمك به وقم على مقامك لأني الآن أرسلت إليك. ولما تكلم معي بهذا الكلام قمت مرتعداً" (دانيال 10: 11).
لقد تكلم هذا الزائر السماوي مشجعاً دانيال، مؤكداً أنه "رجل محبوب"، وهو اسم تفرد به دانيال، وذكر ثلاث مرات في هذا السفر (دانيال 9: 23 و 10: 11 و 19)، وطلب منه أن يفهم الكلام الذي سيكلمه به، وأن يقوم على مقامه أي يقف منتصباً، وعرفه أنه جاء مرسلاً إليه. وقد قام دانيال واقفاً، لكنه كان مرتعداً. ولعل سر ارتعاده هو خوفه مما سوف يسمع.
كانت رؤيا دانيال هذه وسط صراع روحي شديد ورهيب، وكان الجو المحيط به وهو يسمع كلمات الرجل اللابس الكتان جواً مرهباً دفعه إلى الارتعاد.
حرب الملائكة
"فقال لي لا تخف يا دانيال لأنه من اليوم الأول الذي جعلت فيه قلبك للفهم ولإذلال نفسك قدام إلهك سمع كلامك وأنا أتيت لأجل كلامك. ورئيس مملكة فارس وقف مقابلي واحداً وعشرين يوماً وهوذا ميخائيل واحد من الرؤساء الأولين جاء لإعانتي وأنا بقيت هناك عند ملوك فارس. وجئت لأفهمك ما يصيب شعبك في الأيام الأخيرة لأن الرؤيا إلى أيام بعد" (دانيال 10: 12 - 14).
عاد الزائر السماوي فشجع دانيال المرتعد قائلاً "لا تخف يا دانيال" وما أجمل أن يسمع دانيال اسمه مقترناً بكلمة لا تخف.. فالرب يرسل ملاكه للمؤمن المشتاق للفهم والمستعد أن يدفع الثمن ليقول له "لا تخف". ثم أكد الزائر السماوي أنه من اليوم الأول الذي فيه جعل دانيال قلبه للفهم، وأذل نفسه بالامتناع عن الطعام الشهي واللحم والخمر، سمع كلامه. ويقول له "وأنا أتيت لأجل كلامك".. فالصلاة التي يرفعها المؤمن المكرس تسمع فوراً وتسجل في سجلات السماء...
ويقيناً أنه كان يلذ لنا أن نعرف الكلام الذي نطق به دانيال في صلاته خلال الثلاث أسابيع أيام... وفي ظننا أنه طلب من الرب أن يكشف له عن خطته لمستقبل شعبه فقد كان دانيال يحمل هذا الشعب على قلبه في كل صلاة. وأين لنا برجال كدانيال، وكنحميا يبكون وينوحون ويصومون للتدهور الذي يرونه حادثاً في كل الدوائر في حياة شعب الله؟ (اقرأ نحميا 1: 1 - 11)
لم يحصل دانيال على استجابة صلاته من اليوم الأول الذي فيه جعل قلبه للفهم، وكان السر وراء تأخير الاستجابة هو حرب الملائكة في الأجواء السماوية.
ولأول مرة في العهد القديم نرى صورة للحرب الدائرة في الأجواء العليا، ونرى كيف تؤثر هذه الحرب فينا نحن المؤمنين، بل في سائر سكان الأرض.
فالزائر السماوي يقول لدانيال "ورئيس مملكة فارس وقف مقابلي واحداً وعشرين يوماً".
لقد تعطل مجيء هذا الزائر السماوي واحداً وعشرين يوماً، وهي المدة التي قضاها دانيال في إذالال نفسه، بسبب "رئيس مملكة فارس".. والمنظر هنا يرينا حرباً روحية في السماويات.. فرئيس مملكة فارس هنا ليس هو ملك فارس الأرضي، لأن ملوك فارس الأرضيين يسميهم الوحي "ملوك فارس" (دانيال 10: 13). ولكن هذا الرئيس المقاوم هو الملاك المسيطر على مملكة فارس. ونحن نقرأ عن الملاك ميخائيل "وفي ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك" (دانيال 12: 1) فإذا كان للشعب القديم رئيساً هو "ميخائيل" فيكون من المنطقي أن يكون للشعب الفارسي رئيساً من الملائكة الساقطين.
ونقرأ في سفر أشعياء أن الرب سيحاسب هؤلاء الملائكة "ويكون في ذلك اليوم أن الرب يطالب جند العلاء في العلاء وملوك الأرض على الأرض" (أشعياء 24: 21).
ونفس المعنى نجده في كلمات إرميا النبي "قال رب الجنود.. هأنذا أعاقب أمون نو وفرعون ومصر وآلهتها وملوكها فرعون والمتوكلين عليه" (إرميا 46: 25).
فرئيس مملكة فارس هو الملاك الساقط المسيطر على مملكة فارس، وهو يمثل القوى الروحية الفائقة التي وراء الآلهة الوثنية التي تعبدها مملكة فارس. فوراء أصنام هذه الأمم قوى الشياطين كما يقول بولس الرسول "بل إن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله" (1 كورنثوس 10: 20).
والمنظر الذي تكشف عنه رؤيا دانيال يرينا مملكة إبليس ونظامها الدقيق الموضوع للسيطرة على العالم الشرير. ويصف بولس الرسول هذا التنظيم بكلماته "فإن مصارعتنا ليست من لحم ودم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات" (أفسس 6: 12).
رئيس مملكة فارس وقف ضد الزائر السماوي واحداً وعشرين يوماً.. وهنا نجد تفسيراً لتأخير استجابة بعض صلواتنا، ونرى كذلك القوى الروحية الخفية المؤثرة في الأحداث العالمية.
فمن غير هذه القوى الروحية المسيطرة على العالم يتسبب في التوتر العالمي، والفوضى التي عمت الشعوب، والتغييرات التي حدثت وتحدث في وقت قصير ضد رغبة الناس؟!؟
ثم جاء ميخائيل واحد من الرؤساء الأولين ليعين الزائر السماوي في مهمته، وانتصر الزائر السماوي بمعونة ميخائيل وهو هنا يقول "أبقيت هناك عند ملوك فارس".
ومن عبارة "وهوذا ميخائيل واحد من الرؤساء الأولين" نفهم أن الملائكة القديسين لهم رتب مختلفة، ولهم نظامهم الأنيق، فهناك الملائكة الذين قيل عنهم "أعظم قوة وقدرة" (2 بطرس 2: 11) ويبدو أن قوتهم وقدرتهم بسبب إمكانيتهم المثول في حضرة الله بغير قيود. وهناك الملائكة الذين يوجدون في الاجتماعات المسيحية (1 كورنثوس 11: 10) و(رؤيا 2 و 3) وهم يوجدون فيها لمراقبة العابدين وحراستهم.
إن العالم غير المنظور يسيطر على العالم المنظور ويحركه لإتمام خطط الله فيه (1 ملوك 22: 19 - 23).
أعلن الزائر السماوي لدانيال عن سبب مجيئه "وجئت لأفهمك ما يصيب شعبك في الأيام الأخيرة لأن الرؤيا إلى أيام بعد" (دانيال 10: 14). وتعبير الأيام الأخيرة في هذا النص مأخوذ من تكوين 49: 1 والأيام الأخيرة هنا تشير إلى وقت مجيء المسيا مع تضمنها للأحداث التي تسبق هذا المجيء.
"فلما تكلم معي بمثل هذا الكلام جعلت وجهي إلى الأرض وصمت" (دانيال 10: 15).
لقد كان الموقف مرهباً، إزاءه لم يستطع دانيال أن يرفع عينيه ووجهه إلى الزائر السماوي، ووقف صامتاً من الدهشة.
"وهوذا كشبه بني آدم لمس شفتي ففتحت فمي وتكلمت وقلت للواقف أمامي يا سيدي بالرؤيا انقلبت على أوجاعي فما ضبطت قوة. فكيف يستطيع عبد سيدي هذا أن يتكلم مع سيدي هذا وأنا فحالا لم تثبت في قوة ولم تبق في نسمة. فعاد ولمسني كمنظر إنسان وقواني" (دانيال 10: 16 - 18).
من هو الذي جاء كشبه ابن آدم ولمس شفتي دانيال، وأعطاه القدرة على الكلام بعد أن أخرسه الخوف، وقد شرح دانيال لهذا الزائر إحساسه وأوضح له حالته. ثم عاد دانيال إلى حالة ضعفه الشديد وهو أمر لا غرابة فيه من رجل زاد على الثمانين من عمره. ولكن هذا الزائر الملائكي عاد ولمسه وقواه. ونحن نقرأ عن الرب يسوع عندما كان هنا على أرضنا بالجسد يصارع في الصلاة أنه "ظهر له ملاك من السماء يقويه" (لوقا 22: 43) "وقال لا تخف أيها الرجل المحبوب سلام لك. تشدد تقو. ولما كلمني تقويت وقلت ليتكلم سيدي لأنك قويتني" (دانيال 10: 19).
لقد شجع هذا الزائر الملائكي دانيال بكلماته "لا تخف أيها الرجل المحبوب" وقد أكدت كلماته لدانيال مكانته عند الرب وأزالت خوفه، سيما أنه قال لدانيال "تشدد تقو" والتكرار للتأكيد. وقد قال دانيال "ولما كلمني تقويت" استعاد دانيال هدوءه العقلي والنفسي وأصبح مستعداً أن يسمع ما سيقوله هذا الزائر السماوي.
ومخاطبة دانيال لهذا الزائر الملائكي بقوله "سيدي" كانت هي الأسلوب الذي يستخدمه الشخص العبراني في حديثه لمن هو أعلى منه.
"فقال هل عرفت لماذا جئت إليك. فالآن ارجع وأحارب رئيس فارس. فإذا خرجت هوذا رئيس اليونان يأتي" (دانيال 10: 20).
السؤال الذي قدمه المتحدث لدانيال لم يقدمه منتظراً إجابة منه، وإنما قدمه ليسترعي انتباهه لما سيقوله له. وقد استطرد يقول "فالآن ارجع وأحارب رئيس فارس" ويبدو لي أن المعنى هنا "والآن أعود لمتابعة الحرب مع رئيس فارس حتى احتفظ بالنصرة" ولعل هذا يشير إلى الصعوبات والعقبات التي كان سيلاقيها الشعب القديم تحت حكم فارس في إعادة بنائهم أسوار المدينة المقدسة والهيكل ومعونة الرب لهم في هذه الظروف.
ويتابع الزائر السماوي كلماته لدانيال فيقول "فإذا خرجت هوذا رئيس اليونان يأتي" أي إذا خرجت من حربي مع رئيس فارس ستبدأ حرب أخرى مع رئيس اليونان.
هذه هي حرب الملائكة، وهي تتصل بنا نحن سكان الأرض دون أن ندري، وستستمر هذه الحرب إلى أن يأتي ربنا يسوع، ونحن نقرأ عن حرب الملاك العظيم ميخائيل مع إبليس في هذه الكلمات "وحدثت حرب في السماء. ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وحارب التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته" (رؤيا 12: 7 - 9) لقد طرد ميخائيل إبليس من السماء.
ويتابع الزائر السماوي حديثه لدانيال فيقول "ولكني أخبرك بالمرسوم في كتاب الحق. ولا أحد يتمسك معي على هؤلاء إلا ميخائيل رئيسكم" (دانيال 10: 21).
هذه الكلمات تؤكد لنا أن هناك خطة إلهية مرسومة، وأن المستقبل قد قرره الله نفسه في كتابه "كتاب الحق" وما أجمل أن نعرف أن الكتابة والقراءة ليست اختراعاً إنسانياً لكنها قوة تربط البشر بالملائكة والله. تربطهم بالله لأنه بإصبعه كتب الكلمات العشر على لوحي الحجر في سيناء. وتربطهم بالملائكة لأنه من الواضح أن الملائكة قد قرأوا كلمة الله، وقد استشهد إبليس حين جرب يسوع في البرية بنصوص كتابية.
وكتاب الحق المشار إليه هنا، ليس هو الكتاب المقدس أو سفر دانيال بالذات وإنما هو الكتابة التي رسمها الله وقررها وسجلها عنده، هو كتاب الخطة الإلهية المرسومة.
والمتحدث يقول لدانيال لن يقف معي أحد ضد رئيس فارس واليونان إلا ميخائيل رئيسكم، وقد سمي ميخائيل بهذا الاسم لأنه الرئيس المنوط به أمور الشعب القديم. "ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك" (دانيال 12: 1).
ومن حديث الزائر السماوي عرف دانيال مدى الضغوط والآلام التي سيتعرض لها شعبه تحت الحكم الفارسي واليوناني.
إن سيادة الله المطلقة على أحداث التاريخ، وعلى الأمم والشعوب والأفراد تبدو واضحة خلال إصحاحات سفر دانيال.
الفصلالحادي
عشرالملكالمتعظم


تستمر الرؤيا المعطاة لدانيال في الإصحاح العاشر إلى نهاية السفر، والملاك المرسل من الله لإعطاء هذه النبوة لدانيال يستمر في حديثه حتى يصل إلى أحداث وقت النهاية.
وينقسم الإصحاح الحادي عشر إلى ثلاثة أقسام
أولاً: زمن الإمبراطورية الفارسية (دانيال 11: 1 و 2)
ثانياً: زمن الإمبراطورية اليونانية (دانيال 11: 3 - 35)
ثالثاً: زمن الوحش الطالع من البحر وأحداث وقت النهاية (دانيال 11: 36 - 45)
ويحتاج دارس سفر دانيال إلى دراسة تاريخ الإمبراطوريات العالمية القديمة.. الإمبراطورية الفارسية، الإمبراطورية اليونانية، والإمبراطورية الرومانية حتى يستطيع فهم نبوات هذا السفر النبوي العظيم.
ينتهي الإصحاح العاشر بالكلمات "ولكني أخبرك بالمرسوم في كتاب الحق" وكتاب الحق هنا هو كما قلنا كتاب الخطة الإلهية المرسومة لهذه الإمبراطوريات، وفيه سجل الله خطته التي قضى بها على الإمبراطوريات التي ستحكم الأرض خلال أزمنة الأمم، وتنتهي بالمجيء الثاني للمسيح، الذي فيه يؤسس الرب يسوع ملكه الألفي السعيد على الأرض. وتسجيل هذا القضاء المرسوم في كتاب الحق يؤكد سيادة الله المطلقة على الأمم والشعوب والملوك والأفراد "وهو يفعل كما يشاء في جند السماء وسكان الأرض ولا يوجد من يمنع يده أو يقول له ماذا تفعل" (دانيال 4: 35) كما يؤكد أنه الإله المطلق المعرفة، الذي يعرف النهاية من البداية والذي يقول "قدموا دعواكم يقول الرب. أحضروا حججكم يقول ملك يعقوب. ليقدموها ويخبرونا بما سيعرض. ما هي الأوليات أخبروا فنجعل عليها قلوبنا ونعرف آخرتها أو أعلمونا المستقبلات. أخبروا بالآتيات فيما بعد فنعرف أنكم آلهة" (أشعياء 41: 21 - 23) [اقرأ أيضاً أشعياء 44: 6 - 8].
هكذا تؤكد النبوات لاهوت إلهنا، فهو الله المطلق الوجود، المطلق القدرة، المطلق المعرفة. وهو الذي كل أعماله حق.
يستمر الملاك حديثه لدانيال فيقول:
"وأنا في السنة الأولى لداريوس المادي وقفت لأشدده وأقويه" (دانيال 11: 1).
انتهت الإمبراطورية البابلية بكارثة قتل بيلشاصر ملك الكلدانيين "فأخذ المملكة داريوس المادي وهو ابن اثنتين وستين سنة" (دانيال 5: 31).
ويقول الملاك الذي يتحدث إلى دانيال "وأنا في السنة الأولى لداريوس المادي وقفت لأشدده وأقويه".
والسؤال هو: من هو الشخص الذي وقف هذا الملاك القوي يشدده ويقويه.. هل هو داريوس أو هو الملاك ميخائيل؟ قال بعض المفسرين أن الملاك وقف ليشدد داريوس حتى يعامل الشعب القديم بالحسنى. لكن في رأينا أن الملاك وقف ليشدد "ميخائيل" في حربه مع رئيس فارس.
ففي السنة الأولى لداريوس المادي، حين انتقلت السلطة من الإمبراطورية البابلية إلى الإمبراطورية الفارسية ترينا القصة المسجلة في الإصحاح السادس أن هناك محاولة جرت لجعل داريوس يقف موقف العداء من الشعب القديم، وكانت أول خطوط هذه المحاولة الإيقاع بدانيال الذي فاق على الوزراء والمرازبة وفكر الملك في أن يوليه على المملكة كلها (دانيال 6: 3). ودبر الوزراء والمزاربة مكيدة للقضاء على دانيال، انتهت بطرحه في جب الأسود، وبأن جاء ملاك وسد أفواه الأسود (دانيال 6: 22) وكان من نتيجة هذا التدخل الإلهي العجيب أن تحولت سياسة داريوس لمصلحة الشعب القديم ونادى في كل مملكته بعبادة إله إسرائيل (دانيال 6: 25 - 27).
فالكلمات "وقفت لأشدده وأقويه" تعود إلى ميخائيل الرئيس القائم للشعب القديم الذي نجح كما رأينا في مهمته بإنقاذه دانيال من الأسود.
زمن الإمبراطورية الفارسية:
"والآن أخبرك بالحق. هوذا ثلاثة ملوك يقومون في فارس والرابع يستغني بغنى أوفر من جميعهم وحسب قوته بغناه يهيج الجميع على مملكة اليونان" (دانيال 11: 2)
في الوقت الذي رأى فيه دانيالهذه الرؤيا كان "كورش" الملك الفارسي هو الملك الحاكم (دانيال 10: 1) والملوك الثلاثة الذين قاموا بعده والذين يذكرهم الملاك لدانيال بكلماته "هوذا ثلاثة ملوك يقومون في فارس" هم "قمبيز Cambyses" ابن كورش وهو أحشويرشالمذكور في (عزرا 4: 6). و"سميردس Smirdis" وهو ارتحشستا المذكور في (عزرا 4: 7). و"داريوس هستاسبس Darius Hystaspes" المذكور في (عزرا 4: 24). أما "الرابع" الذي يستغني بغنى أوفر من جميعهم. وحسب قوته بغناه بهيجالجميع على مملكة اليونان فهو الملك "كسركس Xerxes" وهوالمذكور في سفر استير باسم "أحشويرش الذي ملك الهند إلى كوش على مئة وسبعوعشرين كورة" (أستير 1: 1) ووفرة غنى الملك أحشويرش تظهر في عظمة وبذخالوليمة التي عملها لجميع رؤسائه وعبيده وشرفاء بلدان مملكته" (أستير 1: 2 - 8).
ويحدثنا التاريخ أن الملكأحشويرش استخدم غناه الوفير في إقامة وتدريب جيش قوى من كل شعوبإمبراطوريته زاد عدده عن مليوني مقاتل استعداداً لغزو مملكة اليونان. وقداستخدم أحشويرش هذا الجيش في محاولته غزو اليونان سنة 480 قبل الميلاد. وعلينا أن نذكر أن الرؤيا التي رآها دانيال أعطيت له في السنة الثالثةلكورش ملك فارس التي ربما كانت سنة 537 قبل الميلاد أي قبل حدوث هذا الغزوبزمن طويل. قد تراجع الغزاة الفارسيون بعد أن حطم الأثينيون أسطولهم الحربيفي معركة سلاميس Salamis البحريةوهي إحدى المعارك الحاسمة في التاريخ.
زمن الإمبراطورية اليونانية
"ويقوم ملك جبار ويتسلط تسلطاً عظيماً ويفعل حسب إرادته. وكقيامه تنكسر مملكته وتنقسم إلى رياح السماء الأربع ولا لعقبه ولا حسب سلطانه الذي تسلط به لأن مملكته تنقرض وتكون لآخرين غير أولئك" (دانيال 11: 3 و 4)
إن كر مملكة اليونان في عدد 2 هو مفتاح تحديد شخصية الملك الجبار المذكور في عدد 3. فالنبوة تنتقل للحديث عن قيام ملك جبار، لكنها لا تذكر من هو ولا من أين هو.. لكن بربط عدد 2 بعدد 3 يتبين لنا أن الملك الجبار المذكور في عدد ليس 3 ليس ملكاً فارسياً بل ملك يوناني وهو باليقين "الاسكندر الأكبر" الذي رأينا مملكته في التمثال البهي الذي رآه الملك نبوخذ نصر وذكرت بالكلمات "بطنه وفخذاه من نحاس" (دانيال 2: 32) ورأيناه في "تيس المعز الذي جاء من المغرب" (دانيال 8: 5)
بعد حوالي قرن ونصف من الغزو الفارسي لليونان، قاد الاسكندر القوات اليونانية في هجوم ساحق وانتصر على الإمبراطورية الفارسية، وقد كان الاسكندر ملكاً جباراً تسلط على دول كثيرة، وتميز بعبقرية عسكرية، وفعل حسب إرادته إذ كان ملكاً أوتوقراطياً ويقال أنه بكى حين لم يجد أمامه أرضاً للغزو.
وتستمر النبوة فتقول "وكقيامه تنكسر مملكته".. وهنا نرى دقة النبوة وروعتها، وكلمة "كقيامه" تعني عندما يصل إلى قمة جبروته وسلطانه، كما نقرأ في دانيال 8: 8 "فتعظم تيس المعز جداً ولما اعتز انكسر القرن العظيم". وتعني كلمة "كقيامه" أيضاً مدى قصر مدة سلطان الاسكندر، فقد مات في بابل وهو في الثانية الثلاثين من عمره سنة 323 قبل الميلاد.
وتستمر النبوة فتقول "وتنقسم مملكته إلى رياح السماء الأربع ولا لعقبه ولا حسب سلطانه الذي تسلط به" (دانيال 11: 4)
بعد موت الاسكندر بسنوات قليلةانقسمت مملكته إلى أربع أجزاء، ولم يرث عرش الاسكندر أحد من نسله "ولالعقبه" مع أن الاسكندر كان له ابنان الأول اسمه "هيركيولس Hercules" من زوجته برسين Barsine ابنة داريوس وقد اغتالبوليسبركونPolysperchonهذا الابن بعد موت أبيه بزمن قصير. والثاني وقدولد بعد وفاة أبيه من زوجته روكسانا Roxana وقدأسمته أمه الاسكندر، وقد اغتيل هذا الابن مع حارسه سنة 310 قبل الميلاد،وهكذا تمت النبوة بحرفيتها إذ لم يرث الاسكندر أحد من بنيه.
انقسمت الإمبراطورية إلى أربعة أقسام سنة 301 قبل الميلاد بعد زمن من الفوضى والحروب بين أربعة من قادة الجيش يطلق عليهم التاريخ اليوناني اسم "الخلفاء" هؤلاء الأربعة هم: بطليموس، سيلقوس، ليسيماخوس، كاساندر.
وهكذا انقسمت مملكة اليونان إلى رياح السماء الأربع، ولكن لم يصل أحد هؤلاء القادة إلى سلطان الاسكندر كما تقول النبوة "ولا حسب سلطانه الذي تسلط به" وهذا ما سبق أن قرأنه في الكلمات "وإذا انكسر – أي الاسكندر الأكبر – وقام أربعة عوضاً عنه فستقوم أربعة ممالك من الأمة ولكن ليس في قوته" (دانيال 8: 22) وهكذا بهذا التقسيم للإمبراطورية اليونانية انقرضت هذه المملكة كإمبراطورية موحدة، وأعطيت في النهاية لآخرين غير هؤلاء القادة ونسلهم إذ أخذتها الإمبراطورية الرومانية.
"ويتقوى ملك الجنوب. ومن رؤسائه من يقوى عليه ويتسلط. تسلط عظيم تسلطه" (دانيال 11: 5)
انقسمت الإمبراطورية اليونانية إلى أربعة أجزاء كما ذكرنا في الفصل الثامن، أخذ بطليموس مصر، وهو ونسله من البطالسة هم ملوك الجنوب في النبوة، لأن مصر تقع جغرافياً في جنوب فلسطين.
وأخذ سيلقوس سوريا، وهو ونسله من السلوقيين وهم ملوك الشمال في النبوة.
ومن العدد الخامس الذي نحن بصدد تفسيره تتحدث النبوة عن العلاقات بين هاتين الأسرتين الملكيتين.
وتقول النبوة "ويتقوى ملك الجنوب" الذي هو بطليموس ملك مصر. "ومن رؤسائه من يقوى عليه ويتسلط تسلط. عظيم تسلطه" (دانيال 11: 5)
الرئيس المذكور هنا هو سيلقوس Seleucus الذي كان أحد قادة جيشالاسكندر والذي صار والياً على بابل، وقد اضطر إلى الهرب لأن أنتيجونس Antigonus أخذ منهبابل، فجاء بطليموس الذي عينه قائداً في الجيش واستطاع بعدئذ أن يستعيدلنفسه بابل سنة 312 قبل الميلاد، وهو التاريخ الذي يبدأ منه عصر السلوقيين. وهكذا تقوى سيلقوس، وتسلط تسلط عظيم.
وإنها لحقيقة تاريخية أن سلطة السلوقيين فاقت كثيراً سلطة البطالسة.
"وبعد سنين يتعاهدان وبنت ملك الجنوب تأتي إلى ملك الشمال لإجراء الاتفاق ولكن لا تضبط الذراع قوة ولا يقوم هو ولا ذراعه وتسلم هي والذين أتوا بها والذي ولدها ومن قواها في تلك الأوقات" (دانيال 11: 6)
بعد مرور سنين يتعاهد ملك الجنوبمع ملك الشمال، أي تقوم بينهما فترة هدنة حربية على أساس زواج بنت ملكالجنوب لملك الشمال. والمعاهدة المذكورة في هذا النص تمت بعد 35 سنة من موتسيلقوس. فقد جاءت "برنيس Berenice" بنت بطليموس الثانيوتزوجت انتيوخوس الثاني ملك الشمال، وكان القصد من هذا الزواج سياسياًوبشرط أن يطلق "أنتيوخوس ثيوس" المسمى بأنتيوخوس الإلهي زوجته "لاوديس Laodice" ولكنهذا الزواج السياسي الذي قصد به إيجاد السلام بين الملكين انتهى بكارثة لأن "برنيس" لم تستطع الاحتفاظ بقوتها باعتبارها زوجة الملك بعد موت والدهاالذي حدث بعد زواجها بوقت قصير. فقد هجرها "أنتيوخوس ثيوس" الذي عرفبشخصيته المتقلبة، وأعاد زوجته الأولى "لاوديس". ومع أن لاوديس رجعت إليهلكنها لم تغفر له أبداً إبعادها ليكون حراً ويتزوج برنيس المصرية. وقررت فيقلبها قراراً سرياً لتنتقم لنفسها. وفي أول فرصة سنحت لها قتلت زوجهاأنتيوخوس وبرنيس. وهكذا تمت النبوة بحرفيتها "وسلمت برنيس" لهذه النهايةالشنيعة. وتحطم أنتيوخوس وقوته. (دانيال 11: 6)
ولما صار العرش شاغراً توجتلاوديس ابنها "سيلقوس كالينيكس Seleucus Callinicus" مكانأبيه.
"ويقوم من فرع أصولها قائم مكانه ويأتي إلى الجيش ويدخل حصن ملك الشمال ويعمل بهم ويقوى. ويسبي إلى مصر آلهتهم أيضاً مع مسبوكاتهم وآنيتهم الثمينة من فضة وذهب ويقتصر سنين عن ملك الشمال. فيدخل ملك الجنوب إلى مملكته ويرجع إلى أرضه" (دانيال 11: 7 - 9)
بعد أن عرف "بطليموس إيرجتس Ptolemy Euergetes" خبر قتل أخته برنيس قاد جيشاًقوياً متجهاً إلى شمال سوريا واستولى على ميناء إنطاكية، ونهب الهياكل،وحمل معه إلى مصر كميات ضخمة من الذهب والفضة، وأصنام السوريين. وبعد هذهالحملة الجبارة اقتصر ملك الجنوب عن ملك الشمال عدة سنين.
"فيدخل ملك الجنوب إلى مملكته ويرجع إلى أرضه" (دانيال 11: 9) والترجمة الأفضل لهذا النص "فيدخل إلى مملكة ملك الجنوب ويرجع إلى أرضه" بمعنى أن ملك الشمال يدخل إلى مملكة ملك الجنوب لكنه يضطر للرجوع إلى أرضه.
وهذا ما تم تاريخياً إذ بعد سنتين من هجوم ملك الجنوب على ملك الشمال انتقاماً لأخته برنيس، استطاع سيلقوس كالينيكس أن يستعيد قوته، وأن يقود جيشه للهجوم على بطليموس ملك الجنوب، لكن بطليموس هزمه هزيمة ساحقة واضطر ملك الشمال أن يرجع إلى أرضه.
"وبنوه يتهيجون فيجمعون جمهورجيوش عظيمة ويأتي آت ويغمر ويطمو ويرجع ويحارب حتى إلى حصنه" (11: 10) بنوملك الشمال يتهيجون، أي يمتلكهم الهياج وحب الانتقام، والإشارة هنا إلى بنيملك الشمال سيلقوس سيرانوس Seleucus Cenaunus وأنتيوخوس الأكبر. "ويأتي آت ويغمر ويطمو" هذه الكلمات تصف جمهور الجيوشالعظيمة الآتية المتدفقة كطوفان غامر، وكلمة "يأتي آت" تشير إلى أنتيوخوسوحده لأن أخاه سيلقوس سيرانوس قتل في إحدى المعارك في آسيا الصغرى "يرجعويحارب حتى إلى حصنه" وهذا يعني رجوع أنتيوخوس لاستئناف القتال ضد مصر،وبعد استيلائه على لبنان وفلسطين ثبت نفسه في غزة أو ربما في رفح وكانتتعتبر في ذلك الوقت حصناً لمصر.
"ويغتاظ ملك الجنوب فيخرج ويحاربه أي ملك الشمال ويقيم جمهوراً عظيماً فيسلم الجمهور في يده" (دانيال 11: 11)
يغتاظ ملك الجنوب، بطليموس ملكمصر بسبب الهجوم السوري، ويتجمع الشعب المصري وراء ملكه لينتقموا لأنفسهممن السوريين، ويتأهب جيش عظيم للسير نحو الشمال لمحاربة سوريا. ويقال أنجيش بطليموس كان مكوناً من 70000 من الجنود المشاة، و5000 فارس، و73 فيلاً. وعندئذ يخرج أنتيوخوس ملك الشمال وقد أعد جيشاً عظيماً لمواجهة الهجومالمصري، ولكن ملك الشمال أصيب بهزيمة ساحقة، ويقول جيروم Jerome أنأنتيوخوس خسر كل جيشه، وكاد يقع أسيراً في يد ملك الجنوب لولا أن بادربالهرب إلى الصحراء، وهكذا تمت النبوة "فيسلم الجمهور في يده" أي أن جيشملك الشمال الكثير العدد وقع في يد ملك الجنوب.
"فإذا رفع الجمهور يرتفع قلبه ويطرح ربوات ولا يعتز" (دانيال 11: 12)
عندما يهزم بطليموس ملك مصر،أنتيوخوس ملك سوريا، ويجرف جمهور جيشه أمام القوات المصرية وهذا ما تعنيهالكلمات "فإذا رفع الجمهور" أي إذا جرف الجيش وهزم "يرتفع قلبه" أي يرتفعقلب بطليموس فيتكبر بسبب نصرته "ويطرح ربوات" أي يهزم الألوف، وقد تم هذاحرفياً في معركة رفح التي هزم فيها بطليموس أنتيوخوس، ويقول بوليبيوس Polybius المؤرخاليوناني "أن السوريين خسروا 10000 من الجنود المشاة، و300 من الفرسان، و5فيلة، كما وقع في الأسر 4000 أسير".
لكن هذا النصر العظيم لم يكن سبباً في تقوية ملك الجنوب ولذا تقول النبوة "ولا يعتز" أي لا يصبح قوياً بهذا النصر، والسبب هو أن بطليموس كان رجلاً منغمساً في الملذات وقد احتفل بنصرته بالإغراق في شهواته ولم يستطع أن يجعل من نصرته الساحقة قوة لنفسه.
"فيرجع ملك الشمال ويقيم جمهوراً أكثر من الأول ويأتي بعد حين بعد سنين بجيش عظيم وثروة جزيلة" (دانيال 11: 13).
استطاع أنتيوخوس أن يجمع جيشاً كبيراً بسبب نجاحه في غزو الشرق، وهو الآن يعود لمحاربة ملك الجنوب "بعد سنين" بجيش عظيم وثروة جزيلة، ويمكن ترجمة عبارة "ثروة جزيلة" إلى "معدات حربية كثيرة"، وقد حدثت هذه الحرب بعد 13 سنة من هزيمة أنتيوخوس في رفح.
"وفي تلك الأوقات يقوم كثيرون على ملك الجنوب وبنو العتاة من شعبك يقومون لإثبات الرؤيا ويعثرون" (دانيال 11: 14).
"يقوم كثيرون" الإشارة هنا إلى أنتيوخوس الذي تحالف مع فيليب المقدوني، وربما تشير كذلك إلى المتمردين الذين ظهروا في مصر، وكل هؤلاء قاموا على "ملك الجنوب" ملك مصر وكان "بطليموس فيلوباتور"، وزوجته الملكة قد ماتا بطريقة غامضة، وخلفه ابنه الغلام الصغير بطليموس الخامس سنة 203 قبل الميلاد.
"وبنو العتاة من شعبك يقومونلإثبات الرؤيا ويعثرون" بنو العتاة هم الظالمون القساة، وفي ترجمة أخرى "اللصوص، The Robbers".. هؤلاءقاموا ضد ملك الجنوب خيانة وظلماً، رغم الإحسانات الكثيرة التي أغدقهاملوك البطالسة على اليهود – أي بني العتاة هنا "من شعبك" أي من اليهود شعبدانيال. وعبارة "يقومون لإثبات الرؤيا ويعثرون" قد تعني أحد معنيين،محاولتهم إثبات الرؤيا التي رآها دانيال بوقوفهم ضد ملك الجنوب، أو أنوقوفهم هذا أدى إلى "إثبات الرؤيا" إشارة إلى الاضطهاد الفظيع الذي أوقعهعليهم أنتيوخوس أبيفانس. ولكنهم "يعثرون" أي يفشلون في غرضهم وربما يسقطونفي الحرب.
"فيأتي ملك الشمال ويقيم مترسة ويأخذ المدينة الحصينة قلا تقوم أمامه ذراعا الجنوب ولا قومه المنتخب ولا تكون له قوة للمقاومة" (دانيال 11: 15)
إذ تشجع المصريون بقوة روماالمتزايدة، والتي هددت سوريا، قامت الجيوش المصرية بقيادة "سكوباس Scopas" لمحاربة ملك الشمال،ولكن ملك الشمال استطاع هزيمة سكوباس عند مدينة بانيس Paneas، قربمنابع مياه نهر الأردن، ومن ثم أرغم "أنتيوخوس" "سكوباس" على الاستسلام عندصيدون التي تسميها النبوة "المدينة الحصينة" وهي المدينة التي استولىعليها الملك السلوقي ما بين سنة 199 – 198 قبل الميلاد.
"فلا تقوم أمامه ذراعا الجنوب ولا قومه المنتخب ولا تكون له قوة للمقاومة" (دانيال 11: 15)
والذراع في الكتاب المقدس ترمز إلى القوة (مزمور 71: 8) فقوة ملك الجنوب لا تستطيع الصمود أمام قوات ملك الشمال، كما لا يستطيع أفضل جنوده الصمود، ولا تبقى لديهم قوة للمقاومة.
"والآتي عليه يفعل كإرادته وليس من يقف أمامه ويقوم في الأرض البهية وهي بالتمام بيده" (دانيال 11: 16) الآتي هنا هو ملك الشمال، أنتيوخوس الذي تسيطر عليه نشوة النصر فيفعل كإرادته، وليس من يقف أمامه، ويستولي على الأرض البهية، الأرض المقدسة فلسطين، وتصبح تحت سيطرته التامة.
"ويجعل وجهه ليدخل بسلطان كل مملكته ويجعل معه صلحاً ويعطيه بنت النساء ليفسدها فلا تثبت ولا تكون له" (دانيال 11: 17)
إذ يشعر ملك الشمال بتهديد روما "يجعل وجهه" أي يقرر أن يقوم بعمل صلح سياسي مع ملك الجنوب، ويعطي أنتيوخوس ملك الشمال ابنته كليوباترا زوجة للملك الغلام الصغير بطليموس الخامس ملك الجنوب الذي كان في ذلك الوقت في السابعة من عمره.
و"كليوباترا" تسمى في النبوة بنت النساء على اعتبار أنها حوت في شخصيتها جمال وجاذبية وحيل النساء، وربما يكون المعنى أنها "بنت النساء" إذ تربت على أيدي مربيات من النساء. ونسبتها إلى "النساء" لا إلى أبيها يظهر تأثير النساء على حياتها.
ولقد كان غرض أنتيوخوس من تزويج ابنته كليوباترا للملك الغلام بطليموس الخامس غرضاً سياسياً. وكلمة "ليفسدها" قد تعني إفساد كليوباترا بإدخالها في اللعبة السياسية، وقد تعني إفساد المملكة المصرية بواسطة ولاء كليوباترا إلى أبيها.
ولكن أنتيوخوس فشل في هدفه السياسي لأن ابنته كليوباترا حين تم زواجها الفعلي بعد سنين من بطليموس وقفت دائماً إلى جانب زوجها ضد أبيها وهكذا لم تثبت خطته ولم تكن ابنته في صفه.
"ويحول وجهه إلى الجزائر ويأخذ كثيراً منها ويزيل رئيس تعييره فضلاً عن رد تعييره عليه. ويحول وجهه إلى حصون أرضه ويعثر ويسقط ولا يوجد" (دانيال 11: 18 و 19)
يتجه أنتيوخوس ملك الشمال بعد فشل خطته في مصر بغزو جزر البحر الأبيض المتوسط وعلى الأخص جزر آسيا الصغرى "ويأخذ كثيراً منها".
"ويزيل رئيس تعييره فضلاً عن رد تعييره عليه" (دانيال 11: 18)
ابتدأ التيار في التحول ضدأنتيوخوس الأكبر، عندما جاء "رئيس" هو القنصل الروماني "لوسيوس سيسبيوأسياتيكوس Lucius Scipio Asiaticus" وهو الرجل الذي قال عنهيونج أنه تسبب في هزيمة أنتيوخوس وطالب أنتيوخوس بالتوقف عن توسعه، وكانتلهجة الرئيس الروماني شديدة أحس فيها أنتيوخوس نغمة التعبير، فبدأ فيمعاملة السفراء الرومان باستهزاء في اجتماع عقد في ليسماخيا Lysimachia وقاللهم بغرور وازدراء "إن آسيا ليست تحت سيطرة الرومان، وأنا لا أخضعلأوامرهم" وهكذا "رد تعييره عليه"
لكن غروره كان بداية انهياره
بعد أن هزم أنتيوخوس القواتالمصرية، اتجه إلى مواجهة التهديد الآتي من الغرب وحاول غزو اليونان وفشلفي غزوه فشلاً ذريعاً وهزم هزيمة منكرة سنة 191 ق.م. عند ثيرموبالي Thermopylae شمال أثينا، ثم سنة 189ق.م. عند ماجنيسيا Magnesia جنوب شرق أفسس وكانت هزيمته بواسطة الجنودالرومان تحت قيادة الجنرال سيسبيو Scipio الروماني. وهكذا تمت النبوة "ويحول وجهه إلى حصون أرضه" إذ أنه فشل في غزوحصون الأراضي اليونانية، كان عليه أن يحمي حصون أرضه هو ولكنه فشل فشلاًنهائياً وتمت الكلمات "ويعثر ويسقط ولا يوجد".
"فيقوم مكانه من يعبر جابي الجزية في فخر المملكة وفي أيام قليلة ينكسر لا بغضب ولا بحرب" (دانيال 11: 20).
تتحدث هذه النبوة عن الملكالسلوقي، الذي ملك في الحقبة ما بين زمن أنتيوخوس الأكبر وأنتيوخوسأبيفانس، وهو الملك "سيليكوس الرابع Selecus IV".. فبسبب تزايد قوةروما، اضطر إلى دفع جزية للرومان قدرها ألف وزنة كل سنة. ولكي يستطيع توفيرهذا القدر الكبير من المال كان لابد لسيليكوس أن يضع ضرائب خاصة من اليهودتحصل منهم بواسطة "جابي الجزية" ويذكر السفر التاريخي سفر المكابيين أناسم هذا الجابي كان "هيليودوروس رئيس الوزراء Heliodorus" وقد أخذ هذا الرجلكنوزاً من الهيكل في أورشليم. ويقول "زوكلر Zockler": "بعدتعيين هيليودوروس بوقت قصير جداً لنهب الهيكل انتهى سيليكوس فجأة وفي ظروفغامضة ربما عن طريق سم وضعه له هيليودوروس" وتمت النبوة بدقة رائعة.
هذا كله قاد إلى الاضطهاد العظيم الذي أوقعه أنتيوخوس أبيفانس على اليهود من الشعب القديم.
أنتيوخوس أبيفانس ووقت النهاية
"فيقوم مكانه محتقر لم يجعلوا عليه فخر المملكة ويأتي بغتة ويمسك المملكة بالتملقات" (دانيال 11: 21).
ابتداء من هذا العدد نتقابل ثانية مع ذلك الحاكم الشرير "أنتيوخوس أبيفانس"، الذي هو "القرن الصغير" المذكور في الإصحاح الثامن. وعلينا أن نضع في أذهاننا أن النبوة في هذا الإصحاح لا تتحدث فقط عن أنتيوخوس أبيفانس، بل تتحدث عن المستقبل البعيد، وعن ظهور الوحش الطالع من البحر، الذي كان أنتيوخوس أبيفانس رمزاً باهتاً له. نقول هذا لأن الملاك الذي تحدث إلى دانيال في الرؤيا قال له "وجئت لأفهمك ما يصيب شعبك في الأيام الأخيرة لأن الرؤيا إلى أيام بعد" (دانيال 10: 14) ثم يعود فيقول "وبعض الفاهمين يعثرون امتحاناً لهم للتطهير وللتبييض إلى وقت النهاية. لأنه بعد إلى الميعاد" (11: 35) وأخيراً يقول "أما أنت يا دانيال فأخف الكلام واختم السفر إلى وقت النهاية. كثيرون يتصفحونه والمعرفة تزداد" (دانيال 12: 4).
فالرؤيا التي رآها بدأت بالإمبراطورية الفارسية، ثم بالإمبراطورية اليونانية ورأسها العظيم الاسكندر الأكبر، وبانقسام هذه الإمبراطورية إلى رياح السماء الأربع، وتركزت بعد ذلك في سوريا ومصر، على اعتبار أن سوريا يحكمها "ملك الشمال" وأن مصر يحكمها "ملك الجنوب" وأخيراً وصلت بنا إلى عصر "أنتيوخوس أبيفانس" الذي كان كما ذكرت رمزاً باهتاً للحاكم العالمي القادم، الوحش الطالع من البحر.
ونحن نرى أن هذا هو ترتيب النبوة في سفر دانيال، فهي تبدأ بالحديث عن الأحداث التي ستتم قريباً لكنها تنتقل وتتركز في أحداث وقت النهاية، الوقت الذي سيسبق المجيء الثاني للمسيح. وهذا واضح في الإصحاح السابع (دانيال 7: 8 - 27) ثم في الإصحاح الثامن (دانيال 8: 23 - 26)، ثم في الإصحاح التاسع (دانيال 9: 26 و 27) ثم في الإصحاح العاشر (دانيال 10: 14) ثم هنا في الإصحاح الحادي عشر (دانيال 11: 21 - 45).
"فيقوم مكانه محتقر لم يجعلوا عليه فخر المملكة ويأتي بغتة ويمسك المملكة بالتملقات" (دانيال 11: 21).
هذا "المحتقر" هو أنتيوخوسأبيفانس، ولم يكن من حقه الشرعي أن يرتقي العرش، لأن الملك كان يجب أن يعطيلابن الملك "سيلقوس فليوباتور Selecus Philopator" "ديمتريوس سوتر Demetrius Soter" بالوراثة، لكن أنتيوخوس قرر أن يأخذ المملكة لنفسه. وبالتملقات كسب المملكةواستسلم السوريون له بهدوء وسلام.
كان أنتيوخوس أبيفانس من الشخصيات التاريخية الغريبة ويصفه "ستيوارت" بالوصف التالي:
"كان طماعاً وكان ضالاً، وكانمفرطاً في انغماسه بالشهوات، كما كان سادياً يميل إلى تعذيب الآخرين، وكانمزيجاً من الحماقة الشديدة والضعف في كثير من نواحي شخصيته، كما كان يتميزبالدهاء والمهارة في نواحي أخرى وخاصة فيما يختص بالتملقات. في فترة منملكه كان هناك احتمال أن يصل إلى قمة القوة، ولكن التيار تحول ضده، ومات فيظروف تشبه تلك التي مات فيها أبوه. ويقيناً أن وحشيته وحماقاته ستكوندائماً حديث التاريخ. ولقد أطلق على نفسه اسم "أبيفانوس Epiphanes" ومعناه "المجيد" بينماأطلق عليه معاصروه اسم "أبيمانس Epimanes" ومعناه "المجنون".
"وأذرع الجارف تجرف من قدامه وتنكسر وكذلك رئيس العهد" (دانيال 11: 22).
الأذرع في الكتاب المقدس تشيرإلى القوة (خروج 6: 6، مزمور 136: 12، حزقيال 20: 23، خروج 15: 16، مزمور 77: 15) وأذرع الجارف هنا لا تشير إلى القوات التي حاولت استعادة الملكلابن سيلقوس، ولكنها تشير إلى القوات المصرية التي هزمها أنتيوخوس وهكذا "تجرف من قدامه" "وتنكسر" كمل تنكسر آنية الخزف. "وكذلك رئيس العهد" والكلمات تشير إلى رئيس كان له عهد مع أنتيوخوس. يقول بعض المفسرين أن هذاالرئيس هو "بطليموس فيلوميتور Ptolemy Philometor" الذي تحالف معأنتيوخوس، ولكن هذا التفسير لا يصف العلاقة التي بين الاثنين، ولو كان هذاالرئيس هو بطليموس لأعطته النبوة اسمه "ملك الجنوب". ويقول مفسرون آخرون أن "رئيس العهد" هو "أونياس Onias" الكاهناليهودي الذي عزله أنتيوخوس. ويبدو أن الرأي الثاني هو الأرجح، وأن العهدالمذكور هو "عهد الله" مع شعبه القديم (دانيال 11: 28).
"ومن المعاهدة معه يعمل بالمكر ويصعد ويعظم بقوم قليل" (دانيال 11: 23)
يقول جيروم أن أنتيوخوس أظهر روح الصداقة للمصريين، وهكذا كسب قلوبهم إذ عاهدهم بالسلام، وكان ماكراً في خطته، وبهذا المكر السياسي صعد نجمه وعظم شأنه ووصل إلى مركز القوة، والقوم القليل المشار إليهم في النص هم المشايعون لأنتيوخوس والذين أيدوه في ملكه.
"يدخل بغتة على أسمن البلاد ويفعل ما لم يفعله آباؤه ولا آباء آبائه. يبذر بينهم نهباً وغنيمة وغنى ويفكر أفكاره على الحصون وذلك إلى حين" (دانيال 11: 24).
يقيم أنتيوخوس "بغتة" أي بدون سابق إنذار، والناس يظنون أنهم في طمأنينة وسلام ويدخل على أسمن البلاد أي أغناها، ويعمل عملاً لا يخطر على البال "لم يفعله آباؤه ولا آباء آبائه" "يبذر بينهم نهباً وغنيمة وغنى" فهو يدخل أسمن وأغنى البلاد والمقاطعات ويسلبها ثم يوزع النهب والغنيمة والغنى على الناس، وبهذا يخدعهم ويسلب قلوبهم، ويكسب حبهم. وبعد أن تنجح خطته في كسب عواطف رعاياه "يفكر أفكاره على الحصون" والحصون هنا هي حصون مصر التي فكر أنتيوخوس في غزوها.. واستمر تفكيره "إلى حين" أي إلى الوقت المحدد من الله.
الحملة ضد مصر (دانيال 11: 25 - 28)
"وينهض قوته وقلبه على ملك الجنوب بجيش عظيم وملك الجنوب يتهيج إلى الحرب بجيش عظيم وقوي جداً ولكنه لا يثبت لأنهم يدبرون عليه تدابير" (دانيال 11: 25)
يصور النص الحالة السياسية في الحقبة التي تمت فيها هذه النبوة، ومشاعر العداء بين ملك الشمال "أنتيوخوس أبيفانس" وملك الجنوب وهو على الأرجح "بطليموس فيلوميتور" التي سادت بين الملكين في ذلك الوقت. ومع أ ملك الجنوب واجه حملة الشمال بجيش عظيم وقوي جداً إلا أنه هزم بسبب خيانة أولئك الذين تظاهروا بمساعدته.
"والآكلون أطايبه يكسرونه وجيشه يسقط كثيرون قتلى" (دانيال 11: 26).
كان الذين خانوا ملك الجنوب هم الذين يأكلون أطايبه وقد كسروه بتدابيرهم التي دبروها ضده. ومع أن جيشه كان قوياً جداً، حارب ببسالة إذ اقتحم المعركة كالمياه الطامية الغامرة إلا أن كثيرين قد سقطوا قتلى وحاقت الهزيمة بملك الجنوب.
"وهذان الملكان قلبهما لفعل الشر ويتكلمان بالكذب على مائدة واحدة ولا ينجح لأن الانتهاء بعد إلى ميعاد" (دانيال 11: 27)
كان المؤتمر الذي عقد بين الملكين على غرار الكثير من المؤتمرات السياسية التي سجلها التاريخ، فقد قابل أنتيوخوس عدوه ملك الجنوب بمظاهر الود ولكنه تصرف ضد التقاليد الشرقية إذ كلمه بالكذب، وتظاهر ملك الجنوب بتصديق أنتيوخوس وهو يعلم أنه كاذب. وتفشل خطة الملكان، ولا ينجح كذبهما لأن وقت الله المحدد لانتهاء الحروب بينهما لم يكن قد حان بعد.
"فيرجع إلى أرضه بغنى جزيل وقلبه على العهد المقدس فيعمل ويرجع إلى أرضه" (دانيال 11: 28)
رجع أنتيوخوس من مصر بغنى جزيل، وقلبه على العهد المقدس أي على الأرض المقدسة وسكانها أصحاب العهد المقدس مع الله، وقد وضع أنتيوخوس في قلبه العداء لله ولشعبه القديم "فيعمل ويرجع إلى أرضه" وقد عمل غرض قلبه ورجع إلى أرضه.
حملة أخرى ضد مصر (دانيال 11: 29)
"وفي الميعاد يعود ويدخل الجنوب ولكن لا يكون الآخر كالأول. فتأتي عليه سفن من كتيم فييئس ويرجع ويغتاظ على العهد المقدس ويعمل ويرجع ويصغي إلى الذين تركوا العهد المقدس" (دانيال 11: 29 و 30)
"وفي الميعاد" أي حين يحين الوقت المحدد من الله، فهو سيد الأرض كلها، يحرك قلوب الملوك "قلب الملك في يد الرب كجداول مياه حيثما شاء يميله" (أمثال 21: 1).
حين يحين هذا الوقت يدخل ملك الشمال ملك سوريا في معركة حربية أخرى ضد ملك الجنوب ملك مصر، ولكنه لا ينتصر في هذه الجملة العسكرية كما انتصر في حملته السابقة "ولكن لا يكون الآخر كالأول".. ويبدو أن السبب في نكسته العسكرية هو مجيء سفن من كتيم "فتأتي عليه سفن من كتيم" و"كتيم" هي الاسم العبري لجزيرة قبرص حيث وقف الأسطول البحري الروماني عند إتمام هذه النبوة.
ومجيء "سفن كتيم" ضد أنتيوخوس هو مقدمة التعريف بالقوة الجديدة التي ظهرت في شرق البحر المتوسط وهو قوة روما.
ويخبرنا يوسيفوس المؤرخ اليهودي عن ما حدث لأنتيوخوس بواسطة الأسطول الروماني فيقول "ولكن أنتيوخوس أبيفانس طرد ليس فقط من الإسكندرية، ولكن من مصر كلها بإعلان الرومانيين، الذين أمروه أن يترك مصر وشأنها. ورجع الملك أنتيوخوس من مصر خوفاً من الرومان، وقام بحملة ضد أورشليم، ولما كان هناك سنة 143 من ملك السلوقيين استولى على المدينة بغير حرب، لأن الذين من جماعته فتحوا له أبواب المدينة"
عاد أنتيوخوس بعد أن يأس من غزو مصر بسبب تدخل الأسطول البحري الروماني، ودخل أورشليم، والغيظ الذي لم يستطع سكبه على مصر، صبه على أورشليم وسكانها المشار إليهم "بالعهد المقدس" وتقول النبوة "ويرجع ويصغي إلى الذين تركوا العهد المقدس" وقد أصغى أنتيوخوس إلى اليهود المرتدين عن عهد إلههم، ووجد في مشورتهم الوسيلة التي يتمم بها غرض قلبه.
"وتقوم منه أذرع وتنجس المقدس الحصين وتنزع المحرقة الدائمة وتجعل الرجس المخرب"
"تقوم منه أذرع" وهذه الأذرع هي قوات أنتيوخوس العسكرية، وقد قامت هذه القوات بتنجيس "المقدس الحصين" الهيكل القديم، وأوقفت اليهود عن تقديم محرقاتهم اليومية المشار إليها بالعبارة "المحرقة الدائمة"، ومع ذلك كله بنى أنتيوخوس مذبحاً للوثن فوق مذبح المحرقة وذبح خنزيراً على ذلك المذبح. وكان عمله الفظيع بتقديمه الخنزير في الهيكل المقدس إتماماً للنبوة "وتجعل الرجس المخرب" فقد عملت قواته العسكرية هذا العمل المشين.
لقد سعى أنتيوخوس أبيفانس جاهداً أن يزيل كل أثر للديانة اليهودية، ويدخل بدلها الحضارة اليونانية.
"والمعتدون على العهد يغويهم بالتملقات. أما الشعب الذين يعرفون إلههم فيقوون ويعملون" (دانيال 11: 32).
المعتدون على العهد هم المرتدون من اليهود، وأنتيوخوس سيغويهم أي يفسدهم بأساليب التملق التي اشتهر بها. أما الشعب الذين يعرفون إلههم، أي يعرفون أنه إله قدوس، وقادر، فهؤلاء يقوون ولا يتنجسون بأي أطعمة نجسة، ويفضلون الموت عن التعدي على عهد إلههم. بل يموتون في ولائهم لربهم.
"والفاهمون من الشعب يعلمون كثيرين. ويعثرون بالسيف وباللهيب وبالسبي وبالنهب أياماً" (دانيال 11: 33).
الفاهمون أي الذين تعلموا شريعة الله ومعنى النبوات، يعلمون كثيرين حتى يثبتوا، ويظلوا في أمانتهم لله. والبعض بسبب الاضطهادات القاسية "بالسيف وباللهيب وبالسبي وبالنهب أياماً" (مزمور 73: 1 - 3).
لقد قامت قوات أنتيوخوس بمهاجمة أورشليم يوم سبت، وأخذوا النساء والأطفال أسرى، وهدموا الكثير من البيوت، واحتلوا القلعة المطلة على الهيكل. وقد استمر هذا الاضطهاد والتعذيب أياماً.
"فإذا عثروا يعانون عوناً قليلاً ويتصل بهم كثيرون بالتملقات" (دانيال 11: 34).
تمت هذه النبوة بظهور "يهوذا المكابي"، الذي أعلن اليهود ولكن لم يكن في مقدوره أن يضع حداً لعذابهم واضطهادهم. وبسبب ظهور يهوذا المكابي ووقفته ضد أنتيوخوس اتصل كثيرون من اليهود المرتدين، باليهود الذين يقاومون أنتيوخوس بالتملقات. ويبدو أن اتصالهم بهؤلاء المقاومين كان نتيجة المعاملة القاسية التي عاملهم بها أنتيوخوس.
"وبعض الفاهمين يعثرون امتحاناً لهم للتطهير وللتبييض إلى وقت النهاية. لأنه إلى الميعاد" (دانيال 11: 35).
إن قصد الله من السماح بكل هذا الاضطهاد وهذا العذاب لشعبه القديم هو تطهير هذا الشعب وتبييضه، وعثرة بعض الفاهمين هي "امتحان" لفصل الحنطة عن التبن، ولعزل الحق عن الباطل، ولفصل أولئك الأمناء الشجعان، عن الخونة الجبناء. وتقول النبوة إن هذا الاضطهاد على الشعب القديم سيستمر إلى "وقت النهاية".. ويقيناً أن وقت أنتيوخوس لم يكن وقت النهاية، لكنه كما قلنا كان رمزاً ومثالاً لم سيحدث لليهود في وقت النهاية. هذا الوقت هو "إلى الميعاد" أي أنه وقت محدد بالتدقيق في خطة الله لشعبه.
الوحش الطالع من البحر
"ويفعل الملك كإرادته ويرتفع ويتعظم على كل إله ويتكلم بأمور عجيبة على إله الآلهة وينجح إلى إتمام الغضب لأن المقضي به يجري، ولا يبالي بآلهة آبائه ولا بشهوة النساء وبكل إله لا يبالي لأنه يتعظم على الكل. ويكرم إله الحصون في مكانه وإلهاً لم تعرفه آباؤه يكرمه بالذهب والفضة وبالحجارة الكريمة والنفائس. ويفعل في الحصون الحصينة بإله غريب. من يعرفه يزيده مجداً ويسلطهم على كثيرين ويقسم الأرض أجرة" (دانيال 11: 35 - 39).
تنتقل النبوة من الحديث عن أنتيوخوس أبيفانس إلى الحديث عن الملك المتعظم.. هذا الملك يوصف بهذه الصفات:
/1/- إنه ملك أوتوقراطي "يفعل الملك كإرادته" عدد 36
/2/- إنه ملك متعظم على كل إله عدد 36
/3/- إنه ملك مجدف على الله عدد 36
/4/- إنه ملك ناجح في إتمام هدفه "ينجح في إتمام الغضب" عدد 36
/5/- إنه ملك لا يبالي بآلهة آبائه عدد 37
/6/- إنه ملك لا يبالي بشهوة النساء عدد 37
/7/- إنه ملك يكرم إله الحصون وإله لم تعرفه آباؤه عدد 38
لم تنطبق هذه الأوصاف على أنتيوخوس أبيفانس، ولكنها تنطبق على الحاكم العالمي القديم، الوحش الطالع من البحر، إنسان الخطية، الأثيم. (2 تسالونيكي 2: 3 - 11)
وقبل أن نستطرد في الحديث عن هذا الملك الأوتوقراطي القادم، علينا أن نميز بين الوحش الطالع من البحر الحاكم العالمي القادم، وبين الوحش الطالع من الأرض النبي الكذاب.
الوحش الطلع من البحر (رؤيا 13: 1 - 8) سيكون أممياً، بينما الوحش الطالع من الأرض سيكون يهودياً، لأنه سيكون نبياً كذاباً واليهود لن يقبلوا نبياً ليس من وسطهم (رؤيا 13: 11 - 17)
الوحش الطالع من البحر سيكون ملكاً سياسياً.
الوحش الطالع من الأرض سيكون قائداً روحياً... فهو الذي سيقوم بالترويج للوحش الطالع من البحر والمناداة به إلهاً (رؤيا 13: 12 - 15). وسيكون الوحش الطالع من الأرض "النبي الكذاب" (رؤيا 19: 20) من سبط دان كما قال يعقوب في نبوته "يكون دان حية على الطريق أفعواناً على السبيل" (تكوين 49: 17) ويسميه يوحنا ضد المسيح. (1 يوحنا 4: 3)
وحديث نبوة دانيال خاص بالوحش الطالع من البحر، وبالحاكم العالمي القادم، وهي نبوة ستتم بحرفيتها في وقت الضيقة العظيمة، وهذا واضح من الكلمات "وفي ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة إلى ذلك الوقت" (دانيال 12: 1).
فالوقت الذي سيظهر فيه هذا الملك الأوتوقراطي المتعظم هو زمان الضيق العظيم.. وخلال هذا الزمان سيظهر ذلك الملك وسينتهي.
يصفه دانيال بقوله "ويفعل الملك كإرادته ويرتفع ويتعظم على كل إله..."
هو إذاً "نبوخذ نصر" آخر سيتمتع بحكم أوتوقراطي، ويفعل كإرادته بلا دستور، أو برلمان، أو قوة قضائية رادعة.
"ويرتفع ويتعظم على كل إله ويتكلم بأمور عجيبة على إله الآلهة وينجح في إتمام الغضب لأن المقضي به يجري" (دانيال 11: 36)
وكلمات النبوة هنا تنطبق تماماً على كلمات النبوة في سفر الرؤيا كما تنطبق على كلمات النبوة التي سجلها بولس في رسالته الثانية للتسالونيكيين.. وبهذا نعرف أن الملك الذي تحدث عنه دانيال، هو نفسه الوحش الطالع من البحر الذي تحدث عنه يوحنا، وهو نفسه إنسان الخطية الأثيم الذي تحدث عنه بولس. [اقرأ رؤيا 13: 1 – 8 و2 تسالونيكي 2: 3 - 12].
والآن تعال معي لنقرأ كلمات يوحنا في سفر الرؤيا.
"ثم وقفت على رمل البحر. فرأيت وحشاً طالعاً من البحر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى قرونه عشرة تيجان وعلى رؤوسه اسم تجديف. والوحش الذي رأيته كان شبه نمر وقوائمه كقوائم دب وفمه كفم أسد وأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطاناً عظيماً... وأعطى فماً يتكلم بعظائم وتجاديف وأعطى سلطاناً أن يفعل اثنين وأربعين شهراً. ففتح فمه بالتجديف على الله ليجدف على اسمه وعلى مسكنه وعلى الساكنين في السماء. وأعطى أن يصنع حرباً مع القديسين ويغلبهم وأعطى سلطاناً على كل قبيلة ولسام أمة. فسيسجد له جميع الساكنين على الأرض الذين ليست أسماؤهم مكتوبة منذ تأسيس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذبح" (رؤيا 13: 1 - 8).
هنا نرى أنه كما أن "الملك المتعظم" في دانيال "يتعظم على كل إله ويتكلم بأمور عجيبة على إله الآلهة" أي يتكلم بعظائم وتجاديف على الله.. هكذا الوحش الطالع من البحر "فتح فمه بالتجديف على الله وعلى اسمه".
وكما أن الملك المتعظم في دانيال سينجح إلى إتمام الغضب، أي إلى الوقت المحدد من الله للضيقة العظيمة، كذلك الوحش الطالع من البحر "أعطى سلطاناً أن يفعل اثنين وأربعين شهراً" وهو الوقت المحدد للأوجاع الرهيبة في فترة الضيقة.
"ولا يبالي بآلهة آبائه ولا بشهوة النساء وبكل إله لا يبالي لأنه يتعظم على الكل" (دانيال 11: 37).
من عبارة "ولا يبالي بآلهة آبائه" نرى أن هذا الملك ليس يهودياً بل أممياً كان آباؤه يؤمنون بآلهة كثيرة.. لأن اليهود لا يؤمنون إلا بإله واحد "اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد" (تثنية 6: 4).
وعبارة "شهوة النساء" أعطيت لها عدة مفاهيم. قال بعض المفسرين أن كل امرأة إسرائيلية كانت أن يولد منها المسيح "مشتهى كل الأمم" (حجي 2: 7) وهذا الملك المتعظم لا يبالي بالمسيح. وقال آخرون أن "شهوة النساء" كانت الإله تموز معبود النساء كما نقرأ في حزقيال "وقال لي بعد تعود تنظر رجاسات أعظم هم عاملوها. فجاء بي إلى مدخل باب بيت الرب الذي من جهة الشمال وإذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز" (حزقيال 8: 13 و 14) وقال آخرون أن "شهوة النساء" هي الحب كما قال داود وهو يرثي يوناثان "محبتك لي أعجب من محبة النساء" (2صموئيل 1: 26) وقال آخرون أن "شهوة النساء" هي الشهوة الجنسية كما نقرأ في أشعياء "شهوتك وجدت لذلك لم تضعفي" (أشعياء 57: 10).
وفي اعتقادي أن هذه العبارة تصور هذا الملك المتعظم خال من كل عواطف الحب الإنساني الطبيعي وهو "بكل إله لا يبالي" فهو لا يعبأ بأي إله مهما كان "لأنه يتعظم على الكل".
وتعظمه على الكل يأتي بنا إلى نبوة بولس الرسول في رسالته الثانية إلى التسالونيكيين، فقد كتب بولس يقول:
"ثم نسألكم أيها الأخوة من جهة ربنا يسوع المسيح واجتماعنا إليه. أن لا تتزعزعوا سريعاً عن ذهنكم ولا ترتاعوا لا بروح ولا بكلمة ولا برسالة كأنها منا أي أن يوم المسيح قد حضر. لا يخدعنكم أحد على طريقة ما. لأنه لا يأتي إن لم يأت الارتداد أولاً ويستعلن إنسان الخطية ابن الهلاك. المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلهاً أو معبوداً حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله مظهراً نفسه أنه إله" (2 تسالونيكي 2: 1 - 4).
"ويكرم الله الحصون في مكانه وإلهاً لم تعرفه آباؤه يكرمه بالذهب والفضة وبالحجارة الكريمة والنفائس" (دانيال 11: 38).
بينما هذا الملك المتعظم "بكل إله لا يبالي" عدد 37، نقرأ عنه هنا "يكرم إله الحصون".. وفي اعتقادنا أن إله الحصون هنا هو إله الحرب ليس "مارس" إله الحرب.. بل الحرب باعتبارها الإله الذي يؤمن به.. الحرب التي مركزها الحصون، والقوة العسكرية.
"وإله لم تعرفه آباؤه يكرمه بالذهب والفضة".. من هو هذا الإله الذي لم تعرفه آباؤه؟ أن هذا الحاكم المستبد لا يبالي بالآلهة فكيف يكرم هذا الإله الذي لم تعرفه آباؤه بالذهب والفضة؟ هل هذا الإله هو إله الحرب الذي وضع عند قدميه كل ميزانية دولته؟ أو هو إله من ابتكار عقله المريض؟!
إن هذا الملك المتعظم أوجد إلهاً لم تعرفه آباؤه، ليس من آلهة المصريين، ولا من آلهة اليونان، ولا من آلهة الرومان... وكم من أناس صنعوا لأنفسهم آلهة من الجنس، أو المال، أو السلطة.. أما هذا الملك فهو سيكرم إلهاً لم تعرفه آباؤه. وهنا يجدر بنا أن نلاحظ أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بغير إله، فإما أن يتعبد الله الحي الحقيقي الذي يحرره من الخطية ويجدد قلبه بروحه، ويطهر حياته بدم المسيح الكريم، وإما أن يتعبد لإله من صنعه، إله يبتكره من خياله المريض... والإنسان بإيمانه في أي إله تجد لديه الاستعداد في إكرام هذا الإله بالذهب والفضة وبالحجارة الكريمة والنفائس (خروج 32: 2 و 3).
"ويفعل في الحصون الحصينة بإله غريب. من يعرفه يزيده مجداً ويسلطهم على كثيرين ويقسم الأرض أجرة" (دانيال 11: 39).
باعتناقه الحرب عقيدة وإلهاً يقوم الملك المتعظم بالسيطرة على الحصون. ومن يقف إلى جواره ويعرفه ويعترف بإلهه يزيده مجداً، ويضعه في مركز السلطة على جزء من مملكته، لأنه "يقسم الأرض أجرة".
لقد بدا واضحاً أن هذا الملك المتعظم سيتصف حكمه بالمادية، والقوة العسكرية، وعبادة الإله الغريب. وهنا تظهر الحكومة العالمية الموحدة تحت سلطته.
الشرق الأوسط في وقت النهاية
"ففي وقت النهاية يحاربه ملك الجنوب فيثور عليه ملك الشمال بمركبات وبفرسان وبسفن كثيرة ويدخل الأراضي ويجرف ويطمو" (دانيال 11: 40)
ففي وقت النهاية..
الأحداث المقبلة إذاً ترتبط بوقت النهاية، وقد وصل ذلك الملك المتعظم إلى قمة النجاح، وتجسدت خطط، وتحقق طموحه.
لقد أعطاه الشيطان قدرته وعرشه وسلطاناً عظيماً، ولكن القانون العام لابد أن ينطبق عليه "ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً" لنضع في ذهننا أن الملك المتعظم هو الحاكم العالمي القادم، وفي وقت النهاية يحاربه ملك الجنوب، ولعل ملك الجنوب في هذا النص لا يشير إلى مصركما ذكرنا فيما سبق، بل إلى كل أفريقيا، نقول ذلك لأننا نجد مكاناً آخر لمصر في هذا النص "ويمد يده على الأراضي وأرض مصر لا تنجو" (دانيال 11: 42).
فعندما يحارب ملك الجنوب، الملك المتعظم، يثور ملك الشمال على ملك الجنوب بمركبات وبفرسان وبسفن كثيرة، لأن ملك الشمال في ذلك الوقت سيكون تحت سيادة الحاكم العالمي القادم "ويدخل الأراضي ويجرف ويطمو" والذي يدخل الأراضي هنا هو "الملك المتعظم"، وهو يبدو في هذه الصورة النبوية منتصراً ناجحاً.
"ويدخل إلى الأرض البهية فيعثر كثيرون وهؤلاء يفلتون من يده أدوم وموآب ورؤساء بني عمون" (دانيال 11: 41).
ودخول تاوحش، الملك المتعظم، إلى الأرض البهية، وهي الأرض المقدسة (دانيال 11: 16) سيتسبب في عثرة الكثيرين من اليهود، "وهؤلاء يفلتون من يده أدوم وموآب ورؤساء بني عمون"، ولعل إفلاتهم من يده سببه أنهم يقفون موقفاً عدائياً ضد الشعب القديم.
"ويمد يده على الأراضي وأرض مصر لا تنجو. ويتسلط على كنوز الذهب والفضة وعلى كل نفائس مصر" (دانيال 11: 42 و 43).
هنا نرى الحاكم العالمي القادم في حملاته العسكرية لحماية إمبراطوريته العالمية، يمد يده على الأراضي، ويسيء إلى مصر ناهباً كنوزها الذهبية الفرعونية، ونفائسها الأثرية التي لا تقدر بثمن.
"واللوبيون والكوشيون عند خطواته" (دانيال 11: 43).
وهذا يعني أن ليبيا والحبشة ستسير في خطوات الحاكم العالمي القادم، فتنضم إلى جيش الحاكم المنتصر وتخضع لسلطانه.
"وتفزعه أخبار من الشرق ومن الشمال فيخرج بغضب عظيم ليخرب وليحرم كثيرين" (دانيال 11: 44).
وربما تكون الأخبار المفزعة التي ستواجه هذا الملك المتعظم والآتية من الشرق، هي أخبار الملوك الذين من مشرق الشمس (رؤيا 16: 12) أما أخبار الشمال فلعلها من المنطقة الواقعة شمال فلسطين، ونتيجة هذه الأخبار أن هذا الملك يخرج بغضب عظيم ليخرب وليقتل كثيرين.
"وينصب فسطاطه بين البحور وجبل بهاء القدس ويبلغ نهايته ولا معين له" (دانيال 11: 45).
الفسطاط هو السرادق من الأبنية، أو الخيمة، والحاكم العالمي سيقيم خيمته بين البحور في أورشليم بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الميت "بين البحور وجبل بهاء القدس".
ويصل دانيال في نبوته إلى نهاية هذا الملك "ويبلغ نهايته ولا معين له".
وهنا نعود إلى نبوة زكريا وإلى سفر رؤيا يوحنا لنرى كيف بلغ هذا الملك العاتي، الذي تجسد فيه الشيطان ليدفع العالم لعبادته إلى نهايته..
وزكريا يقدم لنا صورة المعركة الأخيرة الحاسمة، معركة هرمجدون في الكلمات "هوذا يوم للرب يأتي فيقسم سلبك في وسطك. وأجمع كل الأمم على أورشليم للمحاربة فتؤخذ المدينة وتنهب البيوت وتفضح النساء ويخرج نصف المدينة إلى السبي وبقية الشعب لا تقطع من المدينة.
فيخرج الرب ويحارب تلك الأمم كما في يوم حربه يوم القتال. وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم" (زكريا 14: 1 - 4).
أما يوحنا الرائي فيرينا كيف ستجتمع الأمم على أورشليم للمحاربة، وكيف سيصل الوحش الطالع من البحر ومعه النبي الكذاب إلى نهايتهما فيقول:
"ورأيت من فم التنين ومن فم الوحش ومن فم النبي الكذاب ثلاثة أرواح نجسة شبه ضفادع. فإنهم أرواح شياطين صانعة آيات تخرج على ملوك العالم وكل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء.. فجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون" (دانيال 16: 13 - 16).
وعلينا أن نذكر أنه قبل ذلك الوقت تكون روسيا قد هزمت تماماً بالتدخل الإلهي (حزقيال 38 و 39) وتكون أمريكا قد تدهورت حتى أن النبوة لم تذكر لها أدواراً في أحداث الأيام الأخيرة.
ويستمر يوحنا فيرينا كيف انتهت معركة هرمجدون، وانتهى بنهايتها الملك المتعظم، الأثيم، إنسان الخطية فيقول:
"ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا بفرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً وبالعدل يحكم ويحارب. وعيناه كلهيب نار وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم كلمة الله.. ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم وهو سيرعاهم بعصا من حديد وهو يدرس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء. وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب ملك الملوك ورب الأرباب.
ورأيت الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين ليصنعوا حرباً مع الجالس على الفرس ومع جنده. فقبض على الوحش والنبي الكذاب معه الصانع قدامه الآيات التي بها أضل الذين قبلوا سمة الوحش والذين سجدوا لصورته وطرح الاثنان حيين إلى بحيرة النار المتقدة بالكبريت والباقون قتلوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه وجميع الطيور شبعت من لحومهم" (رؤيا 19: 11 – 16 و 19 و 20 و 21).
هكذا بلغ الملك المتعظم نهايته.
ولا معين له.
الفصل الثاني
عشر وقت النهاية


يجدر بنا وقد وصلنا إلى آخر إصحاحات سفر دانيال أن نضع في أذهاننا أن الرؤيا التي سجلها دانيال في الإصحاح العاشر، واستمر في سردها في الإصحاح الحادي عشر، ما زالت مستمرة في هذا الإصحاح الثاني عشر الذي ينتهي به السفر.
ونعترف أن هذه الرؤيا العجيبة بأحداثها المتداخلة مليئة بالكثير من الأمور المحيرة.
يبدأ الإصحاح الثاني عشر بالكلمات "وفي ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة إلى ذلك الوقت وفي ذلك الوقت ينجي شعبك كل من يوجد مكتوباً في السفر" (دانيال 12: 1)
"في ذلك الوقت"
أي وقت ذلك الوقت؟
يقيناً أنه وقت النهاية الذي ذكره الملاك بكلماته "ففي وقت النهاية يحاربه ملك الجنوب" (دانيال 11: 40)
إذاً فالأحداث المذكورة في هذه الرؤيا تصل بنا إلى وقت النهاية، الوقت الذي فيه سيأتي الرب يسوع المسيح ليقيم ملكه السعيد على الأرض.
في ذلك الوقت تحدث ثلاثة أمور هامة.
/1/- يقوم ميخائيل الرئيس العظيم.
/2/- يكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة.
/3/- ينجي من شعب إسرائيل كل من يوجد مكتوباً في السفر.
ميخائيل الرئيس العظيم
يعطي سفر دانيال "للملاك ميخائيل" اسمين. الأول: إنه واحد من الرؤساء الأولين "وهوذا ميخائيل واحد من الرؤساء الأولين جاء لإعانتي" (دانيال 10: 13). والثاني: إنه "الرئيس العظيم القائم للشعب القديم"، "وفي ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك" (دانيال 12: 1).
ومن حديث سفر دانيال عن "جبرائيل" و"ميخائيل" يمكننا أن نعرف أن الملائكة ذوي رتب مختلفة، وذوي تخصصات مختلفة كذلك. وكما نتقابل مع الملائكة في سفر دانيال، كذلك نجد أن سفر رؤيا يوحنا يموج بحركة الملائكة، وبعض تخصصاتههم.
فسفر الرؤيا أعطي ليوحنا بواسطة ملاك (رؤيا 1: 2 و 19: 9 و 22: 8 و 9). وهناك ملاك متخصص بالعناية بكل كنيسة محلية (رؤيا 2: 1 و 8 و 12 و 18 و 3: 1 و 7 14). وهناك ملائكة مسؤوليتهم رياح الأرض (رؤيا 7: 1) وملاك مسؤوليته الأوامر الإلهية لغيره من الملائكة (رؤيا 7: 2 و 3). وهناك ملائكة الأبواق (رؤيا 8: 2 و 7 و 8 و 10 و 12 و 9: 1 و 13 و 11: 15) وهناك ملائكة أقوياء (رؤيا 10: 1 و 18: 21). وهناك ملائكة يرأسهم ميخائيل (رؤيا 12: 7) وهناك الملاك الذي سيبشر بالبشارة الأبدية (رؤيا 14: 6) ومن طيرانه نعرف أن للملائكة أجنحة تطير بها. وهناك الملاك الذي أ‘لن سقوط بابل العظيمة (رؤيا 14: 8) والملاك الذي أنذر الساكنين على الأرض من العقاب الذي ينتظرهم إذا سجدوا للوحش (رؤيا 14: 3) وهناك الملائكة الذين معهم السبع ضربات الأخيرة (رؤيا 15: 1 و 16: 2 و 3 و 4 و 8 و 10 و 12 و 17) وهناك الملاك الذي له سلطان عظيم واستنارت الأرض من بهائه (رؤيا 18: 1) والملاك الصارخ بصوت عظيم يدعو الطيور إلى عشاء الإله العظيم (رؤيا 19: 17) والملاك الذي معه مفتاح الهاوية. (رؤيا 20: 1).
هذه الحركة الملائكية الدائبة في السماء، وهذه المسؤوليات والتخصصات المعطاة للملائكة تعطي للمؤمن راحة وتعزية لأن "ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم" (مزمور 34: 7) ولأن الله أعطى لكل من يلجأ إليه بثقة ويقين هذا الوعد الثمين "لأنك قلت أنت يا رب ملجأي. جعلت العلى مسكنك. لا يلاقيك شر ولا تدنو ضربة خيمتك. لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك. على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك" (مزمور 91: 9 - 11).
نعود الآن إلى كلمات إصحاحنا "وفي ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك" (دانيال 12: 1) من هذا النص نعرف أن ميخائيل هو الرئيس العظيم، ويعتقد كلفن Calvin أنالإشارة هنا إلى المسيح ولكننا لا نوافقه في هذا التفسير، لأننا نجد فيالعهد الجديد أن يهوذا يذكر "ميخائيل" باعتباره رئيس الملائكة فيقول "وأماميخائيل رئيس الملائكة فلما خاصم إبليس محاجاً عن جسد موسى لم يجسر أن يوردحكم افتراء بل قال لينتهرك الرب" (يهوذا 9).
ميخائيل إذاً هو الرئيس العظيم، رئيس الملائكة ومسؤوليته العناية بالشعب القديم ورعاية أمورهم "القائم لبني شعبك" – فتخصصه واضح تماماً أ،ه لبني شعب دانيال، الشعب القديم ولا سواهم. فما الذي سيفعله ميخائيل الرئيس العظيم في ذلك الوقت؟ هنا نرى العلاقة الجوهرية بين سفر دانيال وسفر رؤيا يوحنا، فسفر دانيال يشير إلى ما سيحدث بعبارات مقتضبة، وسفر الرؤيا يشرح لنا بالتفصيل هذه الأحداث، وإذا وضعنا هذا في ذهننا سهل علينا فهم هذا السفر النبوي العظيم.
في سفر دانيال نقرأ "في ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم" وفي سفر رؤيا يوحنا نور ما سيفعله ميخائيل حين يقوم. فميخائيل سيقوم "في ذلك الوقت" بحرب رهيبة في السماء لطرد إبليس وملائكته من هناك.
"وحدثت حرب في السماء. ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وحارب التنين وملائكته ولم يقووا فلم يوجد مكانهم بعد ذلك في السماء. فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته. وسمعت صوتاً عظيماً قائلاً في السماء الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه لأنه قد طرح المشتكي على إخوتنا الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهاراً وليلاً. هم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت. من أجل هذا افرحي أيتها السموات والساكنون فيها. ويل لساكني الأرض والبحر لأن إبليس نزل إليكم وبه غضب عظيم عالماً أن له زماناً قليلاً" (رؤيا 12: 7 - 12).
هذا ما سيقوم به ميخائيل، وبطرد الشيطان وملائكته من السماء تبدأ عذابات الضيقة العظيمة.
إن إبليس له الحق حتى الآن أن يدخل إلى السماء، وعمله الرئيسي هناك أن يشتكي على المؤمنين نهاراً وليلاً، فليتنا نتحفظ لحياتنا، ونعيش بالقداسة لكي لا نعطي فرصة لهذا المشتكي.
ونظرة إلى سفر أيوب ترينا ما وراء بعض آلامنا وتجاربنا التي نتعرض لها بغير سبب جنيناه (أيوب 1: 6 – 19 و 2: 1 - 8).
الضيق العظيم
"ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة إلى ذلك الوقت" ولقد قال بعض لبمفسرين أن هذا الضيق حدث إبان حكم أنتيوخوس أبيفانس، وتفسير كهذا لا يتفق مع كلمات ربنا يسوع، فأنتيوخوس عاش قبل المسيح، ولكن المسيح في حديثه النبوي الجليل على جبل الزيتون أكد أن الضيق العظيم ما زال مستقبلاً فقال: لأنه حينئذ يكون ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن ولن يكون" (متى 24: 21) وهي كلمات تنطبق تماماً على ما يقوله الملاك في سفر دانيال..
وقال آخرون أن الضيق العظيم قد وقع وقت خراب أورشليم، وهو قول مردود لأن خراب أورشليم حدث سنة 70 ميلادية بينما ذكر يوحنا أحداث الضيق العظيم في سفره النبوي الذي كتبه سنة 94 ميلادية.
الضيق العظيم سيكون في المستقبل، وهو خاص باليهود من جهة، ولكنه أيضاً سيأتي على العالم كله من جهة أخرى. الضيق العظيم خاص باليهود كما يقول إرميا النبي "آه لأن ذلك اليوم عظيم وليس مثله. وهو وقت ضيق على يعقوب ولكنه سيخلص منه" (إرميا 30: 7)، وهو سيأتي عل العالم كله من جهة أخرى كما نقرأ في سفر رؤيا يوحنا في كلمات المسيح لملاك كنيسة فيلادلفيا "لأنك حفظت كلمة صبري أنا أيضاً سأحفظك من ساعة التجربة العتيدة أن تأتي على العالم كله لتجرب الساكنين على الأرض" (رؤيا 3: 10).
خلال هذا الضيق العظيم نجد نوعين من الغضب، غضب الله، وغضب إبليس. غضب الله سينصب على الوحش وعلى مملكته وعلى أشرار الأرض، وغضب إبليس سينصب على المؤمنين الموجودين على الأرض سواء كانوا من الأمم أو من اليهود.
غضب الله مذكور في هذه الكلمات "لأنه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف" (رؤيا 6: 17) "إن كان أحد يسجد للوحش ولصورته ويقبل سمته على جبهته أ على يده. فهو أيضاً سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفاً في كأس غضبه ويعذب بنار وكبريت أمام الملائكة القديسين وأمام الخروف" (رؤيا 14: 9 و 10).
غضب إبليس مذكور في الكلمات "ويل لساكني الأرض والبحر لأن إبليس نزل إليكم وبه غضب عظيم عالماً أن له زماناً قليلاً" (رؤيا 12: 12) "فغضب التنين على المرأة وذهب ليصنع حرباً مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا الله وعندهم شهادة يسوع المسيح" (رؤيا 12: 17).
وبما أن "باقي نسل المرأة" قيل عنهم "الذين يحفظون وصايا الله وعندهم شهادة يسوع المسيح".. فالمرأة إذاً هي الكنيسة، ونسلها المؤمنين الذين سيحضرون الضيقة أن "عندهم شهادة يسوع المسيح"، أما ابنها البكر الذي اختطف إلى الله وإلى عرشه فهو يمثل جماعة المؤمنين الأقوياء الغالبين، وهؤلاء وحدهم هم الذين سيختطفون قبل الضيق العظيم. (رؤيا 12: 1- 5)
ولأن الشيطان سيصب غضبه على لمؤمنين الذي سيوجدون على الأرض أثناء الضيق العظيم، يقول يوحنا "وسمعت صوتاً من السماء قائلاً لي اكتب طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم" (رؤيا 14: 13).
ويجدر بنا أن نقول هنا أن الله لن يصب غضبه على المؤمنين الذين سيوجدون على الأرض أثناء الضيق العظيم "لأن الله لم يجعلنا للغضب بل لاقتناء الخلاص بربنا يسوع المسيح" (1 تسالونيكي 5: 9).
ولقد صب الله غضبه في القديم على أرض مصر لكنه حفظ شعبه القديم من هذا الغضب كما نقرأ "إلا أرض جاسان حيث كان بنو إسرائيل فلم يكن فيها برد" (خروج 9: 26)، (خروج 8: 20 - 24) وكما نقرأ كذلك "ولكن جميع بني إسرائيل كان لهم نور في مساكنهم" (خروج 10: 23).
سيكون اليهود، والمؤمنون بالمسيح هدف غضب إبليس، وسيتألم المؤمنون ولكن الله سيعطيهم نعمة لتحدي الشيطان، ورفض سمة الوحش ليظهر فيهم نصرته، وينقي ويطهر حياتهم من الزغل ليصيروا آنية صالحة لخدمته ومجده.
وقت الضيق العظيم موصوف بالكلمات "ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة إلى ذلك الوقت" وبكلمات ربنا "لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن ولن يكون" (متى 24: 21).
وفي إنجيل متى الإصحاح الرابع والعشرون أعلن ربنا ترتيب الحوادث التي ستحدث في الأسبوع السبعين، وهو الأسبوع الأخير المذكور في دانيال 9: 27.
فالأسبوع الأخير من أسابيع نبوة دانيال (إصحاح 9: 24 - 27) سينقسم إلى قسمين. القسم الأول تحدث فيه أحداث مبتدأ الأوجاع التي ذكرها الرب في (متى 24: 4 - 7) وقال عنها "ولكن هذه كلها مبتدأ الأوجاع" (متى 24: 8). القسم الثاني: ومدته ثلاث سنين ونصف (دانيال 7: 25)، اثنان وأربعون شهراً (رؤيا 13: 5)، ألفاً ومئتين وستين يوماً (رؤيا 11: 3).
في إنجيل متى الإصحاح الرابع والعشرين تحدث ربنا كما قلنا عن ترتيب الحوادث.
أولاً: مبتدأ الأوجاع (متى 24: 4 - 14)
ثانياً: الضيق العظيم (متى 24: 15 - 28)
ثالثاً: ما بعد الضيق العظيم (متى 24: 29 - 31)
ويعطي الرب في متى 24: 15 علامة بدء الضيق العظيم فيقول "فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس. ليفهم القارئ... لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن ولن يكون" (متى 24: 15 و 21).
ما هي رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي؟
لقد قرأنا في دانيال 11: 31 "وتقوم منه أذرع وتنجس المقدس الحصين وتنزع المحرقة الدائمة" وقلنا أن أنتيوخوس أبيفانس نجس بقواته العسكرية الهيكل إذ بنى مذبحاً فوق مذبح المحرقة وذبح فوقه خنزيراً... وقلنا كذلك أن أنتيوخوس كان رمزاً باهتاً للوحش الطالع من البحر، الحاكم العالمي القادم وهو سيقيم رجسة الخراب في الهيكل الذي سيبنيه اليهود في أورشليم، وإقامة رجسة الخراب هذه ستكون في وقت النهاية كما نقرأ في الكلمات "ومن وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجس المخرب ألف ومئتان وتسعون يوماً" (دانيال 12: 11).
ورجسة الخراب في وقت النهاية ستكون جلوس الوحش الطالع من البحر، الأثيم، إنسان الخطية، الحاكم العالمي القادم، في هيكل الله مظهراً نفسه أنه إله كما يقول بولس الرسول للمؤمنين في تسالونيكي "ثم نسألكم أيها الأخوة من جهة مجيء ربنا يسوع المسيح واجتماعنا إليه. لا تتزعزعوا سريعاً عن ذهنكم ولا ترتاعوا لا بروح ولا بكلمة ولا برسالة كأنها منا أي أ، يوم المسيح قد حضر. لا يخدعنكم أحد على طريقة ما. لأنه لا يأتي إن لم يأت الارتداد أولاً ويستعلن إنسان الخطية ابن الهلاك. المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلهاً أو معبوداً حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله مظهراً نفسه أنه إله" (2 تسالونيكي 2: 1 - 4).
جلوس الأثيم في هيكل الله. وإعلانه إلهاً مكان الله هو رجسة الخراب، وهو بدء علامة الضيق العظيم. ويسمي بولس الرسول هذا "الأثيم" "ابن الهلاك" لأنه سيمضي إلى الهلاك كما نقرأ عنه "الوحش الذي رأيت كان وليس الآن وهو عتيد أن يصعد من الهاوية ويمضي إلى الهلاك" (رؤيا 17: 8).
هذا الضيق العظيم لم يكن منذ كانت أمة، ولن يكون... وأحداثه المفزعة الرهيبة مسجلة بالتفصيل في سفر رؤيا يوحنا.
في هذه الحقبة المظلمة من تاريخ الإنسانية، سيسجل الإنسان أسود صفحات التاريخ بأعماله المشينة. ستكون العبادة السائدة هي عبادة الشيطان مع ما يرتبط بها من جرائم ونجاسات. وسيسجد الناس لأصنام الذهب والفضة والنحاس والحجر والخشب التي لا تستطيع أن تبصر ولا تسمع ولا تمشي، وسيعني هذا مع حرفيته سيادة عبادة المادة وكل ما هو منظور. وسينتشر القتل، والسحر، والزنا، والسرقة، ويكثر شر الإنسان على الأرض كأيام نوح، ويمارس الناس بكثرة الشذوذ الجنسي كأيام لوط. (رؤيا 9: 20 و 21 ومتى 24: 37 و 38 و 39 ولوقا 17: 28 - 30).
أما حكومة "الوحش الطالع من البحر" فستحد من الحريات الشخصية، وتستخدم الكومبيوتر والأجهزة الإلكترونية لتسجيل كل تحركات وتنقلات الأفراد.
في تلك الفترة الرهيبة تتم الكلمات التي قالها ربنا يسوع عن اليهود "وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام لأنه يكون ضيق عظيم على الأرض وسخط على هذا الشعب. ويقعون بفم السيف ويسبون إلى جميع الأمم. وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم" (لوقا 21: 23).
وهذا ما سجله يوحنا في سفر الرؤيا "ثم أعطيت قصبة شبه عصا ووقف الملاك قائلاً لي قم وقس هيكل الله والمذبح والساجدين فيه. وأما الدار التي هي خارج الهيكل فاطرحها خارجاً ولا تقسها لأنها قد أعطيت للأمم وسيدوسون المدينة المقدسة اثنين وأربعين شهراً" (رؤيا 11: 1 و 2).
بعد مدة الاثنين وأربعين شهراً تكمل أزمنة الأمم، وتنتهي دياسة الأمم لأورشليم، يأتي الرب يسوع، الملك العظيم ليملك فيها كما قال لتلاميذه "لا تحلفوا البتة. لا بالسماء لأنها كرسي الله. ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه. ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم" (متى 5: 34 و 35) [اقرأ أيضاً لوقا 1: 30 - 33].
نجاة المكتوبين في السفر من الشعب القديم
"وفي ذلك الوقت ينجي شعبك كل من يوجد مكتوباً في السفر" (دانيال 12: 1).
وعلينا أن نلاحظ هنا أن النجاة لأناس من شعب دانيال، "الشعب القديم" "شعب إسرائيل" وأن الذين سينجون "كل من يوجد مكتوباً في السفر".
النجاة من عذابات الضيقة، ومن الوحش، ومن الموت ليست لكل اليهود بغير استثناء بل هي لفئة خاصة حددت بالكلمات "كل من يوجد مكتوباً في السفر".
وهناك ملاحظة ثانية جديرة بالاعتبار هي، أن سفر دانيال يتحدث بصفة خاصة عن ما يصيب الشعب القديم في آخر الأيام (دانيال 10: 14) [اقرأ أيضاً دانيال 9: 24 – 27 ودانيال 12: 1] بينما يتحدث سفر الرؤيا عن ما سيحدث للمؤمنين بالرب يسوع من الأمم واليهود، ويتحدث حديثاً عابراً عن البقية اليهودية.
وسفر الرؤيا يتحدث إلى الكنيسة الحقيقية (رؤيا 1: 1 - 11).
إذا حفظنا هذا في أذهاننا، استطعنا أن نفهم بكيفية أفضل نبوات السفرين.
تقول كلمات نبوة دانيال "في ذلك الوقت ينجي شعبك كل من يوجد مكتوباً في السفر".
والله حين يسمح بوقوع اضطهادات وآلام وتعذيب على شعبه يعرف في ذات الوقت الذين له، ويحمي بكيفية معجزية من يريد حمايتهم.
نرى هذه الحقيقة مرتين.. مرة في سفر حزقيال، وأخرى في سفر رؤيا يوحنا.
والآن تعال معي لنقرأ كلمات سفر حزقيال "وصرخ في سمعي بصوت عال قائلاً. قرب وكلاء المدينة كل واحد وعدته المهلكة بيده. وإذا بستة رجال مقبلين من طريق الباب الأعلى الذي هو من جهة الشمال وكل واحد عدته الساحقة بيده. وفي وسطهم رجل لابس الكتان وعلى جانبه دواة الكاتب. فدخلوا ووقفوا جانب مذبح النحاس. ومجد إله إسرائيل صعد عن الكروب الذي كان عليه إلى عتبة البيت. فدعا الرجل اللابس الكتان الذي دواة الكاتب على جانبه. وقال له الرب. اعبر في وسط المدينة في وسط أورشليم وسم سمة على جباه الرجال الذين يئنون ويتنهدون على كل الرجاسات المصنوعة في وسطها. وقال لأولئك في سمعي اعبروا في المدينة وراءه واضربوا. لا تشفق أعينكم ولا تعفوا. الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك. ولا تقربوا من إنسان عليه السمة وابتدئوا من مقدسي" (حزقيال 9: 1 - 6).
والآن لنقرأ ما جاء في سفر الرؤيا "وبعد هذا رأين أربعة ملائكة واقفين على أربع زوايا الأرض ممسكين أربع رياح الأرض لكي تهب ريح على الأرض ولا على البحر ولا على شجرة ما. ورأيت ملاكاً آخر طالعاً من مشرق الشمس معه ختم الله الحي فنادى بصوت عظيم إلى الملائكة الأربعة الذين أعطوا أن يضروا الأرض والبحر قائلاً لا تضروا الأرض ولا البحر ولا الأشجار حتى نختم عبيد إلهنا على جباههم. وسمعت عدد المختومين مئة وأربعة وأربعين ألفاً مختومين من كل سبط بني إسرائيل. من سبط يهوذا اثنا عشر ألف مختوم. من سبط رأوبين اثنا عشر ألف مختوم. من سبط جاد اثنا عشر ألف مختوم. من سبط أشير اثني عشر ألف مختوم. من سبط نفتالي اثنا عشر ألف مختوم. من سبط منسي اثنا عشر ألف مختوم. من سبط شمعون اثنا عشر ألف مختوم. من سبط لاوي اثنا عشر ألف مختوم. من سبط يساكر اثنا عشر ألف مختوم. من سبط زبولون اثنا عشر ألف مختوم. من سبط يوسف اثنا عشر ألف مختوم. من سبط بنيامين اثنا عشر ألف مختوم." (رؤيا 1: 1 - 8).
الذين سينجون من الموت في الضيقة العظيمة هم "كل من يوجد مكتوباً في السفر".
ونسأل: أي سفر هذا السفر؟
أن النبوة تذكره باسم "السفر" بغير تعريف لنوعيته.
فأي سفر هذا السفر؟
نجد في العهد القديم أسفاراً متنوعة، ونجد في العهد الجديد سفر الحياة.
ففي العهد القديم نجد الأسفار التالية:
/1/- سفر الدموع المخزونة في زق الله "اجعل أنت دموعي في زقك. أما هي في سفرك" (مزمور 56: 8).
/2/- سفر أعضاء جسم كل فرد "رأت عيناك أعضائي وفي سفرك كلها كتبت يوم تصورت إذ لم يكن واحد منها" (مزمور 139: 16). ولأن صورة كل فرد ومقاييس أعضاء جسمه مكتوبة ومصورة في سفر الله لذلك سيقوم كل واحد بعد أن تحلل جسمه إلى تراب بصورته كما كان، لأن الصورة الأصلية لكل فرد موجودة في هذا السفر.
/3/- سفر التذكرة وفيه يكتب الله أحاديث وأسماء الذين يتقونه ويفكرون في اسمه "حينئذ كلم متقو الرب كل واحد قريبه والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقوا الرب وللمفكرين في اسمه" (ملاخي 3: 16).
/4/- سفر الأحياء، وهو سفر الناس الأحياء على هذه الأرض وقال عنه داود في المزمور "ليمحوا من سفر الأحياء" (مزمور 69: 28) وهو السفر الذي ذكره موسى حين رفع صلاته الشفاعية لله من أجل الشعب القديم وفيها يقول "آه قد أخطأ هذا الشعب خطية عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة من ذهب. والآ إن غفرت خطيتهم. وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت. فقال الرب لموسى من أخطأ إليّ أمحوه من كتابي" (خروج 32: 31 - 33).
فموسى طلب من الله أن يميته أو يمحو خطية شعبه، ولكن الله أعلن له أن من يستحق الموت يموت.
أما في العهد الجديد فنجد:
/5/- سفر الحياة: ويذكر أولاً في رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي "أطلب إلى أفودية وأطلب إلى سنتيخي أن تفتكرا فكراً واحداً في الرب. نعم اسألك أنت أيضاً يا شريكي المخلص ساعد هاتين اللتين جاهدتا معي في الإنجيل مع أكليمندس أيضاً وباقي العاملين معي الذين أسماؤهم في سفر الحياة" (فيلبي 4: 2 و 3) ونجد ذكر سفر الحياة مرة ثانية باعتباره سفر حياة المسيح الفادي "فسيسجد له جميع الساكنين على الأرض الذين ليست أسماؤهم مكتوبة منذ تأسيس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذبح" (رؤيا 13: 8) ويتكرر ذكر سفر الحياة في العهد الجديد في المواضع التالية (رؤيا 3: 5، رؤيا 17: 8، رؤيا 20: 12، رؤيا 20: 15، رؤيا 21: 27).
ونستطيع القول أن السفر المذكور في دانيال 12: 1 هو سفر الأحياء، فكل من يوجد اسمه موجوداً للحياة في أورشليم سيبقى حياً كما نقرأ في سفر أشعياء الكلمات "ويكون أن الذي يبقى في صهيون والذي يترك في أورشليم يسمى قدوساً. كل من كتب للحياة فقي أورشليم." (أشعياء 4: 3). فالحياة هنا هي الحياة الأرضية، والسفر هو سفر الأحياء على هذه الأرض. فكل من يوجد اسمه في سفر الأحياء، للحياة في أورشليم سينجى من الموت خلال الضيقة العظيمة، ووجود أسماء هؤلاء في سفر الأحياء يؤكد سيادة الله على كل دقائق الحياة.
"وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي" (دانيال 12: 2).
وقف الكثيرون من المفسرين أمام هذا النص موقف العجز، وكان سبب عجزهم هو كلمة "كثيرون" وكان السؤال الذي حيرهم وأزعجهم هو: أين البقية التي لم تستيقظ في هذه القيامة؟ وأي قيامة هذه التي يتحدث عنها سفر دانيال في هذا النص؟
وبغير شك أن دانيال يترك الألف السنة وينتقل بنا في هذا لانص إلى القيامة الثانية، التي يتتم بعد ملك الألف السنة.. ونقول أنه يتحدث عن القيامة الثانية لأنه يتحدث في هذا النص عن فريقين: فريق سيقوم إلى الحياة الأبدية. وفريق سيقوم إلى العار للازدراء الأبدي. والقيامة الوحيدة ينطبق عليها هذا النص انطباقا تاماً هي القيامة التي ستتم بعد ملك الألف السنة.
فالقيامة التي يتحدث عنها دانيال هنا هي للحياة الأبدية وليست للملك مع المسيح. وفيها سيقوم أيضاً الأشرار للعار والازدراء الأبدي بعد أن تعلن شرورهم وخفاياهم على الملأ.
يساعدنا على فهم هذا التفسير بوضوح حديث يوحنا في سفر الرؤيا. فيوحنا يتحدث عن قيامتين: القيامة الأولى قبل الألف السنة للغالبين والشهداء، والقيامة الثانية بعد الألف السنة للمؤمنين الجسديين، وللأشرار الهالكين.
يقول يوحنا عن القيامة الأولى "ورأيت عروشاً فجلسوا عليها وأعطوا حكماً ورأيت نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله والذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته ولم يقبلوا السمة على جباههم وعلى أيديهم فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة. أما بقية الأموات فلم تعش حتى تتم الألف السنة. هذه هي القيامة الأولى. مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى. مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى. هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم بل سيكونون كهنة لله والمسيح وسيملكون معه ألف سنة" (رؤيا 20: 4 - 6).
واضح تماماً أن الذين سيقومون في هذه القيامة الأولى هم الغالبون الذين سيحكمون الأرض خلال الألف سنة. وأما بقية الأموات فلم تعش حتى تتم الألف السنة (رؤيا 2: 26 و 27 ورؤيا 3: 21)، ومعهم سيقوم الذين ماتوا شهداء من أجل المسيح في كل العصور، والذين ماتوا شهداء على يد الوحش وبانيته في زمن الضيقة العظيمة "وأما بقية الأموات فلم تعش (أي لم تقم من الأموات) حتى تتم الألف السنة" (رؤيا 20: 5)
بقية الأموات منهم مؤمنون جسديون، خلصوا من عقاب خطاياهم بدم المسيح لكنهم لم يقدموا له الخدمة اللائقة التي تعطيهم حق المكافأة (1 كورنثوس 3: 11 - 15) هؤلاء سيظلوا في قبورهم "حتى تتم الألف السنة".
والآن تعال نقرأ معاً ما يقوله يوحنا عن القيامة الثانية، وهي التي ستحدث بعد الألف السنة.
"ثم رأيت عرشاً عظيماً أبيض والجالس عليه الذي من وجهه هربت الأرض والسماء ولم يوجد لهما موضع. ورأيت صغاراً وكباراً واقفين أمام الله وانفتحت أسفار وانفتح سفر آخر هو سفر الحياة ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم. ويلم البحر الأموات الذين فيه وسلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما ودينوا كل واحد بحسب أعماله... وكل من لم يوجد مكتوباً في سفر الحياة طرح في بحيرة النار" (رؤيا 20: 10 - 15).
في هذه القيامة نجد أسفاراً هي أسفار أعمال الأشرار "ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم" (رؤيا 20: 12) ونجد سفر الحياة مفتوحاً.. ونسأل: لماذا نجد سفر الحياة مفتوحاً أمام العرش الأبيض العظيم؟! والجواب: إن سفر الحياة يحوي أسماء المؤمنين الذين لم يكونوا مستأهلين للقيامة الأولى... فيه نجد اسم لوط وأمثاله من المؤمنين الجسديين.. المغلوبين.. الذين لم يعيشوا حياة القداسة العملية، ولم يربحوا نفوساً للمسيح، ولكنهم نالوا الحياة الأبدية على حساب موت المسيح كما هو مكتوب "وهذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة هي في ابنه. من له الابن فله الحياة ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة" (1 يوحنا 5: 11 و 12) "الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية" (يوحنا 3: 36) هؤلاء المؤمنون بسبب كسلهم، وعدم سهرهم، وارتباكهم في هموم الحياة، وعدم أمانتهم وتدقيقهم حرموا من أن يكون لهم نصيب في القيامة الأولى ليملكوا مع المسيح، لكنهم كما قلنا تبرروا بدم المسيح. هؤلاء المؤمنون مع الذين ماتوا في سن الطفولة سيقومون في هذه القيامة ويدخلون إلى الحياة الأبدية، وستنادي أسماؤهم من سفر الحياة المفتوح أمام العرش الأبيض العظيم.
أما الأشرار الذين رفضوا المسيح، وازدروا بدمه، ولم يؤمنوا قلبياً بما عمله على صليب الجلجثة فسيقومون أيضاً في هذه القيامة ويدانون بحسب أعمالهم، ويدخلون إلى العار والازدراء الأبدي.
ولنلاحظ كلمة "كثيرون" فالحقيقة المؤلمة أن قليلين هم الذين يعيشون حياة الأمانة، والقداسة، والتدقيق وأن كثيرين حياتهم حياة أطفال في المسيح.
والحقيقة المؤلمة الثانية إن كثيرين سيدخلون من الباب الواسع الذي يؤدي إلى الهلاك، وإن قليلين هم الذين يجدون الباب المؤدي إلى الحياة، لذلك قال لنا ربنا المبارك "ادخلوا من الباب الضيق. لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك. وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة. قليلون هم الذين يجدونه" (متى 7: 13 و 14)
ومن القليلين الذين سيجدون الباب الضيق ويدخلون منه، نجد أقلية مكرسة بالحق، تخدم الرب بغيرة، وأمانة، وتعيش حياة القداسة.
"والفاهمون يضيئون كضياء الجلد والذين ردوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور" (دانيال 12: 3)
ينير الكتاب في أكثر من موضع على أهمية "الفهم". وكان يسوع يسأل تلاميذه بعد أن يتحدث إليهم "أفهمتم هذا كله؟" (متى 13: 51) وقال الرب في سفر إرميا "لا يفتخرن الحكيم بحكمته ولا يفتخر الجبار بجبروته ولا يفتخر الغني بغناه. بل بهذا ليفتخرن المفتخر بأنه يفهم ويعرفني أنا الرب الصانع رحمة وقضاء وعدلاً في الأرض لأني بهذه أسر يقول الرب" (إرميا 9: 23 و 24). وعندما ذكر الرب رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي نقرأ الكلمات "ليفهم القارئ" (متى 24: 15) وكانت المزمور المئة والتاسع عشر يطلب مراراً قائلاً "طريق وصاياك فهمني" (مزمور 119: 27) "فهمني فألاحظ شريعتك" (مزمور 119: 24) "فهمني فأتعلم وصاياك" (مزمور 119: 73).
من يدرس كتابه المقدس بجد، وتدقيق، ويفهم كلمة النبوة ويطبق ما يفهم على حياته ستكون مكافأته أن يضيء كضياء الجلد طول الأبدية.. لقد عاش حياته الأرضية في نور كلمة الله، وسيشع جسده الجلد طول الأبد "والذين ردوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور".
إن واجبنا الأول كمؤمنين أن نفهم، ثم بعد ذلك أن رند كثيرين إلى البر. ويعقوب يختتم رسالته بالكلمات "أيها الأخوة إن ضل أحد بينكم عن الحق فرده أحد. فليعلم أن من رد خاطئاً عن ضلال طريقه يخلص نفساً من الموت ويستر كثرة من الخطايا" (يعقوب 5: 19 و 20).
ومكافأة الذين ردوا كثيرين إلى البر أنهم سيضيئون كالكواكب إلى أبد الدهور. "لأن نجماً يمتاز عن نجم في المجد" (1 كورنثوس 15: 41).
إننا نقرأ في دانيال 11: 33 "والفاهمون من الشعب يعلمون كثيرين" وهنا نرى المكافأة الكبرى التي تنتظر الفاهمين الذين يعلمون، وتنتظر الذين يردون إلى البر كثيرين. في وقت الضيق والاضطهاد يحتاج الناس إلى من يعلمهم طريق الرب ليثبتوا فيه، هكذا عزرا كما نقرأ "عزرا.. صعد من بابل وهو كاتب ماهر في شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل... عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء" (عزرا 7: 6 و 10).
وسيكون الفاهمون والذين ردوا كثيرين إلى البر، شموساً مضيئة وكواكب منيرة طول الأبدية، فالمجد الذي سيحصل عليه المؤمن سيكون قدر خدمته الأمينة للرب، وعلى قدر فهمه لقداسة الله ومحبته وكلمته.
"أما أنت يا دانيال فأخف الكلام واختم السفر إلى وقت النهاية. كثيرون يتصفحونه والمعرفة تزداد" (دانيال 8: 26) وكلمة "أكتم" هي نفسها "أخف" وهي لا تعني أن يكون الكلام مخفياً بل تعني أن يكون محروساً، ومحفوظاً، ومحمياً. فالملاك يطلب من دانيال أن يخفي "الكلام"، والكلام هنا هو كل سفر دانيال، وأن يختم هذا السفر النبوي الجليل، بمعنى أن يضع عليه ختماً لحفظه من أي محاولة للتلاعب بمحتوياته. فالختم هو علامة قانونية السفر [اقرأ إرميا 32: 6 - 15]. قد يكون الختم لصيانة المحتويات إلى أن يحين وقت فكه (رؤيا 5: 1 - 5) فالمعنى قد يكون أمراً بحفظ وحراسة السفر إلى وقت النهاية، أو أن تكون محتويات السفر غير مفهومة إلى وقت النهاية كما قال دانيال "وأنا سمعت وما فهمت. فقلت يا سيدي ما هي آخر هذه. فقال اذهب يا دانيال لأن الكلمات مخفية ومختومة إلى وقت النهاية" (دانيال 12: 8 و 9) والمعنى الأخير في اعتقادي هو الأقرب إلى الصواب.
وسفر دانيال هنا على عكس سفر الرؤيا يوحنا، فبينما يأمر الملاك دانيال قائلاً "أخف الكلام واختم السفر" فإن ملاك يوحنا يأمره قائلاً "لا تختم على أقوال نبوة هذا الكتاب لأن الوقت قريب" (رؤيا 22: 10).
والأمر الذي أعطي لدانيال يصل إلى زمن محدد هو "وقت النهاية" ويقيناً أن نبوات دانيال مع أنها تتحدث عن مصير الإمبراطوريات التي ستظهر على مسرح التاريخ خلال "أزمنة الأمم"، لكنها تتحدث بصورة خاصة عن ما يصيب الشعب القديم في الأيام الأخيرة، وهي الأيام التي تسبق مباشرة المجيء الثاني للمسيح.
وعلينا أن ننتبه إلى حقيقة واضحة في سفر دانيال، وهي أن كل النبوات المذكورة في سفر دانيال تقودنا دائماً إلى "وقت النهاية".
/1/- الإصحاح 2 يبدأ بداية حكم أزمنة الأمم وينتهي بالحجر الذي قطع بغير يدين وملأ الأرض كلها (دانيال 2: 34 و 35 و 44 و 45).
/2/- الإصحاح 7 يبدأ بقرب نهاية إمبراطوريات التمثال البهي وينتهي بإعطاء الملك لابن الإنسان وللقديسين. (دانيال 7: 13 و 14 و 27).
/3/- الإصحاح 8 يتحدث عن الصلة بين آخر إمبراطور سيحكم الإمبراطورية اليونانية، وينتهي به كرمز للحاكم العالمي القادم الذي يبيده الرب نفسه "رئيس الرؤساء" عند ظهوره (دانيال 8: 23 - 25)
/4/- إصحاح 9 يبدأ بالأمر بإعادة بناء أورشليم وينتهي بالدينونة المنصبة على الحاكم العالمي القادم "الرئيس الآتي"، وعلى الشعب اليهودي العاصي (دانيال 9: 27).
/5/- إصحاح 11 يبدأ مرة ثانية بالحديث عن الإمبراطوريتين الفارسية، واليونانية وينتهي باستعلان الحاكم العالمي القادم، والضيقة التي ستقع على إسرائيل، ويختتم بنهاية الحاكم القادم المحتومة (دانيال 11: 35 و 45).
/6/- إصحاح 12 يبدأ بالضيقة العظيمة وينتهي بالنصرة والمجد.
هكذا أمر الملاك دانيال قائلاً "أما أنت يا دانيال فأخف الكلام واختم السفر إلى وقت النهاية".
"كثيرون يتصفحونه والمعرفة تزداد".
وقد ترجم هذا النص في كثير منالترجمات الإنجليزية وبخاصة في الترجمة المعروفة باسم "King James Version" بهذه الكلمات "Many Shall run to and fro" "كثيرون يروحون ويجيئون"، وقال بعض المفسرين أن هذه الكلمات تشير إلى كثرةالأسفار والتنقل في وقت النهاية، وقالوا أ، هذا سيكون إتماماً لنبوة عاموس "فيجولون من بحر إلى بحر ومن الشمال إلى المشرق يتطوحون ليطلبوا كلمة الربفلا يجدونها" (عاموس 8: 12).
لكننا نعتقد أن الترجمة العربية أقرب إلى الصواب من الترجمة الإنجليزية، وهي تعني أن كثيرين سيتصفحون سفر دانيال، وخاصة في الأيام الأخيرة، وأن معرفة معاني النبوات في هذا السفر ستزداد مع الأيام.
ويقيناً أنه نور العهد الجديد، سيما في نور سفر الرؤيا يوحنا يستطيع قارء سفر دانيال أن يتفهم معانيه بصورة أوضح. وفي متى 24: 15 ذكرت عبارة "ليفهم القارئ" مرتبطة بسفر دانيال.
"فنظرت أنا دانيال وإذا باثنين آخرين قد وقفا واحد من هنا على شاطئ النهر وآخر من هناك على شاطئ النهر. وقال للرجل اللابس الكتان الذي من فوق مياه النهر إلى متى انتهاء العجائب. فسمعت الرجل اللابس الكتان الذي من فوق مياه النهر إذ رفع يمناه ويسراه نحو السموات وحلف بالحي إلى الأبد أنه إلى زمان وزمانين ونصف. فإذا تم تفريق أيدي الشعب المقدس تتم كل هذه" (دانيال 12: 5 - 7).
في هذا النص نرى منظراً آخر في الرؤيا التي أعطيت لدانيال، فقد جاء اثنان آخران بالإضافة إلى الرجل اللابس الكتان والذي أعطى دانيال الرؤيا، وكان كل واحد منهما على جانب من جانبي النهر، والنهر هنا هو نهر دجلة كما قال دانيال في بداية حديثه عن هذه الرؤيا "كنت على جانب النهر العظيم هو دجلة" (دانيال 10: 4).
واحد من الاثنين اللذين ظهرا قال للرجل اللابس الكتان، والذي كان واقفاً فوق مياه نهر دجلة: إلى متى انتهاء العجائب؟ والعجائب المذكورة هنا، هي العجائب المرتبطة بالزمن المذكور "زمان وزمانين ونصف زمان" (دانيال 12: 7) وهذه هي مدة حكم الوحش الطالع من البحر (رؤيا 11: 3 ورؤيا 12: 14 ورؤيا 13: 4) وخلال هذه المدة سيظهر الله عجائبه، كما أظهرها في أرض مصر بإرسال ضرباته عليها كما قال موسى للشعب القديم "أو هل شرع الله أن يأتي ويأخذ لنفسه شعباً من وسط شعب بتجارب وآيات وعجائب وحرب ويد شديدة وذراع رفيعة ومخاوف عظيمة مثل كل ما فعل لكم الرب إلهكم في مصر أمام أعينكم" (تثنية 4: 34). إن الله سوف يتعامل مع الحاكم العالمي القادم بنفس الأسلوب، وبذات العجائب كما نقرأ في رؤيا 15: 1 "ثم رأيت آية أخرى في السماء عظيمة وعجيبة. سبعة ملائكة معهم السبع الضربات الأخيرة لأن بها أكمل غضب الله". فالعجائب هي الضربات التي ستصب على مملكة الوحش الطالع من البحر.
وقد سأل أحد الملاكين الرجل اللابس الكتان: إلى متى انتهاء العجائب؟ ويقول دانيال "فسمعت الرجل اللابس الكتان الذي من فوق مياه النهر إذ رفع يمناه ويسراه وحلف بالحي إلى الأبد أنه إلى زمان وزمانين ونصف".
ونحن نرى منظراً مشابهاً في سفر الرؤيا الإصحاح العاشر وهناك يقول يوحنا "والملاك الذي رأيته واقفاً على البحر وعلى الأرض رفع يده إلى السماء. وأقسم بالحي إلى أبد الآبدين الذي خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها والبحر وما فيه أن لا يكون زمان بعد" (رؤيا 10: 5).
فكوننا نقرأ عن الرجل اللابس الكتان أنه "حلف بالحي إلى الأبد" يؤكد أن هذا الرجل هو ملاك من ملائكة الله، ولو كان هذا الرجل هو الرب لأقسم بنفسه (عبرانيين 6: 13). وعلى ذلك فيجب أن ننتبه إلى أن هذا الرجل اللابس الكتان هو ملاك عظيم أعطاه الله تفاصيل الرؤيا التي أعطاها لدانيال، وأن الملاك الذي سأله ليست له المعرفة التي لدى الرجل اللابس الكتان بخصوص هذه الرؤيا.
ويبدو لنا أن الله أرسل هذين الملاكين الآخرين تثبيتاً لصدق كلمته "على فم شاهدين أو على فم ثلاثة شهود يقوم الأمر" (تثنية 19: 15 مع كورنثوس 13: 1). وهذا مجرد رأي شخصي نبديه.
وهناك ملاحظة ثانية جديرة بالاعتبار بخصوص هذا النص وهي أنه في الحالات العادية يكفي رفع يد واحدة لحظة القسم (تكوين 14: 22 و تثنية 32: 40) لكن خطورة قسم الرجل اللابس الكتان تظهر في أنه رفع يمناه ويسراه.
وقد قرر الرجل اللابس الكتان أن المدة التي ستستغرقها العجائب هي "إلى زمان وزمانين ونصف زمان" أي ثلاث سنين ونصف، وهي مدة الضيقة العظيمة، وحكم الوحش كما ذكرنا.
ويختتم الرجل اللابس الكتان جوابه على سؤال الملاك بكلماته "فإذا تم تفريق أيدي الشعب المقدس تتم كل هذه" والشعب المقدس، هو الشعب القديم، وقد أطلق عليه هذا الاسم على اعتبار أن الله جعل الشعب في القديم خاصة له "تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب" (خروج 19: 5). "يقيمك الرب لنفسه شعباً مقدساً" (تثنية 28: 9).
وتفريق أيدي الشعب المقدس تعني هذا الشعب كما تكسر آنية من خزف. كما قال في المزمور عن الأمم "مثل إناء خزاف تكسرهم" (مزمور 2: 9). فعندما يصل الشعب القديم إلى هذه الحالة، وتكسر قوته المشار إليها بالأيدي كما قال كاتب الجامعة "وتتلوى رجال القوة" (جامعة 12: 3). مشيراً إلى الأيدي.. وهذا كله سيتم باجتيازهم في نيران الضيقة العظيمة كما قال الرب لحزقيال النبي "وكان إلى كلام الرب قائلاً. يا ابن آدم قد صار لي بيت إسرائيل زغلاً كلهم نحاس وقصدير وحديد ورصاص في وسط كور. صاروا زغل فضة. لأجل ذلك هكذا قال السيد الرب. من حيث إنكم كلكم صرتم زغلاً فلذلك هأنذا أجمعكم في وسط أورشليم. جمع فضة ونحاس وحديد ورصاص وقصدير إلى وسط كور لنفخ النار عليها لسكبها كذلك أجمعكم بغضبي وسخطي وأطرحكم وأسبككم فأجمعكم وأنفخ عليكم في نار غضبي فتسكبون في وسطها. كما تسبك الفضة في وسط كور كذلك تسكبون في وسطها فتعلمون أني أنا الرب سكبت سخطي عليكم" (حزقيال 22: 17 - 22).
أجل حين يدرك الشعب القديم ضعفه وعجزه، عندئذ تنتهي آلامه وأحزانه وضيقته، ويأتي الرب، وتتم كلمات سفر زكريا "وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره" (زكريا 12: 10).
يستطرد دانيال فيقول "وأنا سمعت وما فهمت. فقلت يا سيدي ما هي آخر هذه. فقال اذهب يا دانيال لأن الكلمات مخفية ومختومة إلى وقت النهاية" (دانيال 12: 9).
لقد اعترف دانيال بعجزه عن فهم النبوات الأخيرة الخاصة بالضيقة العظيمة. وسأل الرجل اللابس الكتان: ما هي آخر هذه؟ وكان رد الرجل اللابس الكتان "اذهب يا دانيال لأن الكلمات مخفية ومختومة إلأى وقت النهاية" ومعنى ذلك أن الكلمات ستستمر غير مفهومة إلى وقت النهاية.
ولكن يعنينا هنا أنه رغم عدم فهم دانيال لكلمات النبوة وخاصة المتصل منها بالأيام الأخيرة، فقد سجلها بكل أمانة مما يؤكد وحي السفر الذي شهد لوحيه الرب يسوع بكلماته في نبوة جبل الزيتون (متى 24: 15).
لقد وضحت هذه النبوات في نور سفر الرؤيا يوحنا، وما لم يستطع دانيال فهمه يمكننا نحن الاعتماد على الروح القدس، ومقارنة الروحيات بالروحيات أن نفهمه.
"كثيرون يتطهرون ويبيضون ويمحصون. أما الأشرار فيفعلون شراً ولا يفهم أحد الأشرار لكن الفاهمون يفهمون" (دانيال 12: 10).
إن القصد من إدخال الشعب القديم في نيران الضيقة العظيمة هو "التطهير" و"التبييض" و"التمحيص". والتطهير سيكون هدفه تطهير الشعب من عناد السير وراء شهوات قلوبهم وخطاياهم، والتبييض ليتأهلوا للملكوت، والتمحيص لتخليصهم مما يشوبهم من الزغل والغش بقصد أن يصبحوا آنية للكرامة كما يقول كاتب سفر الأمثال "أزل الزغل من الفضة فيخرج إناء للصائغ" (أمثال 25: 4).
نقرأ في سفر زكريا الكلمات "ويكون في كل الأرض يقول الرب إن ثلثين منها يقطعان ويموتان والثلث الباقي فيها. وأخل الثلث النار وأمحصهم كمحص الفضة وامتحنهم امتحان الذهب. هو يدعو باسمي وأنا أجيبه. أقول هو شعبي هو يقول الرب إلهي" (زكريا 13: 8 و 9).
ويبدو من القرينة أن الرجل اللابس الكتان قصد أن يقول لدانيال: "لا تخف يا دانيال، فمع أنك لا تفهم الكلمات الآن، لكن كثيرون سيفهمونها، فهذه الكلمات الخفية والمختومة إلى وقت النهاية ستكون مصدراً لبركة شعب الله في وقت النهاية. لأن هذا الشعب سيجتاز التجارب، والاضطهادات، والآلام، ولكن حين يدخل هذه الآلام فكثيرون سيفهمون كلمات النبوة ويتطهرون ويبيضون ويمحصون".
"أما الأشرار فيفعلون شراً ولا يفهم أحد الأشرار لكن الفاهمون يفهمون" (دانيال 12: 10).
لن يستفيد من الضيقة العظيمة سوى المؤمنين الحقيقيين، أما الأشرار فالضيقة العظيمة ستدفعهم للانغماس في الشر. لقد ظن البعض أن الحروب قد تقود الناس إلى التوبة والرجوع إلى الرب. لكن كل النتائج ترينا أن الحرب العالمية الأولى هدمت الكثير من المبادئ والقيم، ولما قامت الحرب العالمية الثانية، وحدث فيها ما حدث من أهوال، وتخريب.. تركت العالم أسوأ مما كان عشرات المرات. إن الآلام لا تقود الجميع إلى الله، إنها تقود البعض، وتقسي قلوب البعض.
وفي سفر الرؤيا نرى صورة مجسدة لنا أن الأشرار سوف يتمادون في الشر خلال الضيقة العظيمة. وإليك كلمات يوحنا في هذا السفر النبوي العظيم.
"ثم بوق الملك السادس فسمعت صوتاً واحداً من أربعة قرون مذبح الذهب الذي أمام الله قائلاً للملاك السادس الذي معه البوق فك الأربعة الملائكة المقيدين عند النهر العظيم الفرات. فانفك الأربعة الملائكة المعدون للساعة واليوم والشهر والسنة لكي يقتلوا ثلث الناس. وعدد جيوش الفرسان مئتا ألف ألف. وأنا سمعت عددهم. وهكذا رأيت الخيل في الرؤيا والجالسين عليها. لهم دروع نارية وأسمانجونية وكبريتية ورؤوس الخيل كرؤوس الأسود ومن أفواهها يخرج نار ودخان وكبريت. من هذه الثلاثة قتل ثلث الناس من النار والدخان والكبريت الخارجة من أفواهها. فإن سلطانها هو في أفواهها وفي أذنابها لأن أذنابها شبه الحيات ولها رؤوس وبها تضر. وأما بقية الناس الذين لم يقتلوا بهذه الضربات فلم يتوبوا عن أعمال أيديهم حتى لا يسجدوا للشياطين وأصنام الذهب والفضة والنحاس والحجر والخشب التي لا تستطيع أن تبصر ولا تسمع ولا تمشي. ولا تابوا عن قتلهم ولا عن سحرهم ولا عن زنارهم ولا عن سرقتهم" (رؤيا 22: 11).
"ولا يفهم أحد الأشرار" (دانيال 12: 10).
وهذا ما قرره كاتب سفر الأمثال "أما الشرير فلا يفهم معرفة" (أمثال 29: 7) والسبب ذكره بولس الرسول حين قال "ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة. ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً" (1 كورنثوس 2: 14).
"لكن الفاهمون يفهمون" (دانيال 12: 10).
بمعنى أن من لهم رغبة في الفهم فالرب سيعطيهم الفهم لكلمته "ادعني فأجيبك وأخبرك بعظائم وعوائص لم تعرفها" (إرميا 33: 3).
فترات الأيام الأخيرة
"ومن وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجس المخرب ألف ومئتان وتسعون يوماً. طوبى لمن ينتظر ويبلغ الألف والثلاث مئة والخمسة والثلاثين يوماً" (دانيال 12: 11 و 12).
لدينا في هذا الإصحاح ثلاث فترات من الزمان:
الفترة الأولى مدتها زمان وزمانين ونصف زمان أي 1260 يوماً.
الفترة الثانية مدتها 1290 يوماً.
الفترة الثالثة مدتها 1335 يوماً.
الفترة الأولى هي فترة انتهاء العجائب ومدتها 1260 يوماً وبنهايتها ينتهي حكم الوحش.
الفترة الثانية ومدتها 1290 يوماً، هي أطول من الفترة الأولى بثلاثين يوماً...
وفي اعتقادنا أن هذه الثلاثين يوماً تتعلق بتطهير الهيكل من كل النجاسات التي وضعها فيه الحاكم العالمي القادم وداعيته الروحي النبي الكذاب وهو الوحش الطالع من الأرض.
نقول هذا لأن النص يتعلق بالهيكل وما حدث فيه "ومن وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجس المخرب ألف ومئتان وتسعون يوماً".
وفي أيام الملك حزقيا فتح حزقيا أبواب الرب في السنة الأولى من ملكه في الشهر الأول، وأمر اللاويين أن يطهروا بيت الرب ويخرجوا كل النجاسة منه، يستغرق العمل في تطهير الهيكل وتقديسه ستو عشر يوماً، لكن الفصح لم يعمل إلا في الشهر الثاني "لأن الكهنة لم يتقدسوا بالكفاية والشعب لم يجتمعوا في أورشليم" (2 أخبار 29 و 30).
يتضح إذاً أن الثلاثين يوماً التي أضيفت إلى زمن الضيقة هي لتطهير الهيكل إذ النبوة تتعلق به.
الفترة الثالثة ومدتها 1335 يوماً وهي تزيد 75 يوماً عن فترة الضيقة وانتهاء العجائب، تتصل باليهود العائشين على الأرض في تلك الفترة التي لا شك ستكون ضرورية لإزالة حطام وأنقاض أزمنة الأمم، وسعيد من ينتظر إلى هذا الوقت.
ولا شك أن دينونة الشعوب الحية ستستغرق بعض الوقت (متى 25: 31 - 46). كذلك جمع المعاثر وفاعلي الإثم سيستغرق بعض الوقت "فكما يجمع الزؤان ويحرق بالنار هكذا يكون في انقضاء العالم (أي في انقضاء هذا الدهر) يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم" (متى 13: 40 و 41).
ومدة 75 يوماً ليست بطويلة للقيام بهذا كله، ما دامت الأحداث تتم لأناس يعيشون على هذه الأرض.
والإنسان الذي سيظل حياً ويبلغ إلى "الألف والثلاث مئة والخمسة والثلاثين يوماً" سينال بركة كبرى، وسعادة لا توصف لأنه بكل يقين سيعيش في ظلال المسيح، وتحت سيادته وسلطته، في ملكوته الألفي السعيد.
انتهت دينونة الشعوب الحية في ذلك الوقت.
وقضي تماماً على نظام الحكم العالمي وأزيلت كل آثاره، وبهذا انتهت أزمنة الأمم.
والمسيح بشخصه يملك على هذه الأرض، بالبر والسلام وهنا تتم كلمات أشعياء النبي.
"ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله. ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب. ولذته تكون في مخافة الرب. فلا يقضي بحسب عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متينة والأمانة منطقة حقويه
فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معاً وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معاً والأسد كالبقر يأكل تبناً. ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر. ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجداً" (أشعياء 11: 1 - 10).
"طوبى لمن ينتظر ويبلغ الألف والثلاث مئة والخمسة والثلاثين يوماً" (دانيال 12: 12).
ليدخل إلى ملك المسيح، حيث يسود العدل، والسلام، وتعود الوحوش المفترسة إلى طبيعتها التي خلقت بها حين عاشت مع آدم وحواء في جنة عدن.
وتمتلئ الأرض من معرفة الرب.
ويتنقى الهواء من جراثيم الأمراض.
ويخلص الأفق من كل عناصر الفساد.
"أما أنت فاذهب إلى النهاية فتستريح وتقوم لقرعتك في نهاية الأيام" (دانيال 12: 13).
اذهب إلى النهاية، أي استمر في خدمتك، وأمانتك، وشركتك مع الرب.. اذهب في الطريق المستقيم الذي أنت فيه إلى النهاية.
وسوف تستريح بعد جهادك الطويل بالموت. والموت راحة القديسين إذ يقول عنه أيوب "هناك يكف المنافقون عن الشغب وهناك يستريح المتعبون" (أيوب 3: 17) ويقول يوحنا في سفر الرؤيا "وسمعت صوتاً من السماء قائلاً لي اكتب طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم" (رؤيا 14: 13).
ولكن الرجل اللابس الكتان يؤكد لدانيال حقيقة القيامة من الأموات فيقول له "وتقوم لقرعتك في نهاية الأيام".
والقيامة من الأموات كانت دائماً رجاء المؤمنين، وإيمانهم الوطيد.
لقد آمن إبراهيم بالقيامة "بالإيمان قدم إبراهيم اسحق وهو مجرب. قدم الذي قبل المواعيد وحيده... إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات أيضاً الذين منهم أخذه أيضاً في مثال" (عبرانيين 11: 17 - 19).
وأيوب آمن بالقيامة فقال وهو يجتاز نيران تجاربه "أما أنا فقد علمت أن وليي حي والآخر على الأرض يقوم. وبعد أن يفنى جلدي هذا وبدون جسدي أرى الله. الذي أراه أنا لنفسي وعيناي تنظران وليس آخر. إلى ذلك تتوق كليتاي في جوفي" (أيوب 19: 25 - 27) وكأن أيوب يقول "بعد أن يفنى جلدي هذا المضروب بقرح رديء. ويأكل الدود هذا الجسد الترابي. فبدون هذا الجسد الترابي، أي في الجسد الممجد الذي سأقوم به من القبر أرى الله. أراه أنا بجسدي الممجد وعيناي تنظران وليس آخر".
وأشعياء النبي يؤكد حقيقة القيامة بكلماته "تحيا أمواتك تقوم الجثث. استيقظوا ترنموا يا سكان التراب" (أشعياء 26: 19).
فكما أن الموت حقيقة ثابتة (عبرانيين 9: 27)
كذلك القيامة حقيقة ثابتة
"تقوم لقرعتك في نهاية الأيام"
لقد عاش دانيال أميناً للرب.
عاش طاهراً في بلد غريب.
وعاش أميناً للرب وللملوك الذين خدم في بلاطهم.
وخدم جيله بمشورة الله.
وفي الشيخوخة دخل المدفن ليستريح.
لكنه مات على رجاء إذ أيقن أنه سيقوم لقرعته في نهاية الأيام.
وقرعته بكل يقين هي قرعة الفاهمين، والذين ردوا كثيرين إلى البر، والغالبين الذين سيملكون مع المسيح.
سيقوم دانيال في القيامة الأولى، القيامة التي سيقوم فيها الغالبون والشهداء الذين ماتوا بسبب أمانتهم وإيمانهم بالمسيح في كل العصور.
ففي أي قيامة ستكون قرعتك؟
هل أنت مؤمن مكرس تحب الرب، وتربح النفوس للمسيح، وتعيش الحياة الغالبة؟
إذاً فستكون قرعتك في القيامة الأولى لتملك مع المسيح ألف سنة.
أما إذا كنت مؤمناً مغلوباً، منشغلاً فقط بأمور الزمان الحاضر، وبغير شهادة فعالة للمسيح فقرعتك هي القيامة الثانية.. ستخلص وتدخل الحياة الأبدية لكنك ستخسر أجرتك، وتخلص كما بنار (1 كورنثوس 3: 1 - 15).
أما دانيال المحبوب فحين يقوم فسيكون مضيئاً كضياء الجلد. سيكون كوكباً لامعاً منيراً في سماء الأبد.

Bibliography مراجع الكتاب

- Culver, Robert D. Daniel and The Latter Days. Fleming H. Revell Company.
- De Haan, M.R. Daniel The Prophet. Zondervan Publishing House, 1947.
- Lang, G. H. The Histories and Prophecies of Daniel. Kregel Publication, Grand Rapids, Michigan 49501, 1973.
- Martin, Alfred. Daniel – the Framework of Prophecy. Moody Bible Institute.
- McClain, Alva J. Daniel's Prophecy of the Seventy Weeks. Zondervan Publishing House. Ninth printing, 1962.
- Rice, John R. The Second Coming of Christ in Daniel. Sward of the Lord Publishers, 1957.
- Strausse, Lehman. The Prophecies of Daniel. Loizeaux Brothers, 1973.
- Stevens, W. The Book of Daniel. Fleming H. Revell Company, 1918.
- Walvoord, John F. Daniel The Key to Prophetic Revelation. Moody Press, Chicago, 1971.
- Young, Edward J. Daniel. The Geneva Series of Commentaries. The Ban
__________________

القس عادل منصور غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-05-2010, 01:48 AM   #4
ناجح ناصح جيد
خادم الرب
 
الصورة الرمزية ناجح ناصح جيد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
المشاركات: 1,746
ناجح ناصح جيد is on a distinguished road
افتراضي رد: تفسير كامل لسفر دانيال- الجزء الاول - بقلم الدكتور القس لبيب ميخائيل


يعتبر تفسير القس لبيب ميخائيل من اعظم التفساير ورغم اختلافنا معه فى بعض الجزئيات من حيث الاختطاف الا انى تعلمت مااختلف فيه لا ارفضه بل لكل منا الحق فى الاختلاف مادام لايمس الثوابت الجوهرية للتعاليم المسيحية
شكراً اخى الحبيب القس عادل

</B>
__________________

الإستفهام
خير وسيلة للفهم
لاتردعلى سؤال أو حتى أتهام أو سوء فهم
قبل ان تستفهم وتفهم


ناجح ناصح جيد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-06-2010, 09:29 AM   #5
القس عادل منصور

خادم الرب

 
الصورة الرمزية القس عادل منصور
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 876
القس عادل منصور is on a distinguished road
افتراضي رد: تفسير كامل لسفر دانيال- - بقلم الدكتور القس لبيب ميخائيل

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناجح ناصح جيد مشاهدة المشاركة
يعتبر تفسير القس لبيب ميخائيل من اعظم التفساير ورغم اختلافنا معه فى بعض الجزئيات من حيث الاختطاف الا انى تعلمت مااختلف فيه لا ارفضه بل لكل منا الحق فى الاختلاف مادام لايمس الثوابت الجوهرية للتعاليم المسيحية
شكراً اخى الحبيب القس عادل

</B>
شكرا أخى ناجح على نشجيعك
__________________

القس عادل منصور غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

blog statistics
track net traffic

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:49 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
موقع ومنتديات المسيحى غير مسئول عن اى علاقات شخصية بين الأعضاء أو المسئولين والمنتدى لايطلب اى تعضيدات مالية من احدولن يطلب
 


جميع الحقوق محفوظه لـ
منتديات المسيحى / الحياة المسيحية بحسب كلمة الله †

الرب معكم مع تحيات موقع المسيحى الحياة المسيحية بحسب كلمة الله